Facebook
مثل كلب شرس لايستقر على حال ولايدري من سيطارده ... PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: قيس مجيد المولى   
الثلاثاء, 04 تشرين1/أكتوير 2011 20:06

keesalmola
أكتفيت بوضع ذراعي على مسند الكرسي الخشبي الذي أجلسني النادل عليه ورغم أن ركبتيَ قد أخذت وضعا منحنيا قريبا من صدري لكني شعرت بالراحة حين أخذت عيناي أمتدادا عرضيا صوب البرج تارة وصوب الجسر تارة أخرى ولاشك أن تداخلاتي في تلك اللحظة لم تكن تداخلات جراحية للصورة التي جمعتها المخيلة ليلة أمس وتفككت من تلقاء حالها فقد حاولت أن أستحضر شيئا ما من الأشياء المتحللة أستحضرها لكنها لم تكن كافية في أن تلبي طلبي في رسم المشهد المقصود ومن حين لأخر أتنفس بنفس هواء البحر وأتثأب بغواء أصوات الطيور المائية وأحتسب لأمر ما قد تصفى به التركات التي لازالت في قاع باطني والتي يبدو لي بأنها لابد من أن تؤدي لي واجبا فتضيف أو تصحح أو تتكامل أمام الجديد الذي بدأت المخيلة بجمعه للتو حين تقدم النادل من مائدتي وقدم لي أبريقا برونزيا من الشاي ،

وكنت قد أنتظرت الفتاة الكرواتية التي دعوتها لجلستي هذه والتي تعرفت عليها ليلة الأمس حين دخلنا المترو سوية بعد أن أقتربت مني وأرتني على خارطتها مقصدها الذي تروم وكان مكانا مُعرفا يقع قرب المطار الرئيس للمدينة طلبت منها النزول في المحطة الرابعة ونزلنا سوية فكان لابد أن تصطحب قطارا مترويا أخر من محطة أخرى وهذا يعني أننا ننتقل سيرا لبعض من الوقت وأثناء ذلك تحدثت لي بشكل صارم يخلو من العاطفة عن رغبتها بتطوير رغباتها ومتعها وهي تريد أن تمر على لغة أخرى غير لغة موطنها لم أسألها الكثير ولم أفتح جعبتي فأطلق عليها حشدا من الأسئلة اللغوية التي تتصل باللغات ونموها وجمالياتها إذ أكتفيت بالصمت ملوحا لها وهي بجانبي إلى جدارية كبيرة طلت أحدى الأبنية كان قصدي أريد أشغالها بشئ أريد أن أدعها أن تتكلم وفعلا ماأن سرنا خطوات حتى أفترشت الأرض وأخرجت قلما وورقة وراحت تكتب بلغتها الأم خيل لي أنها تكتب ملاحظاتها والأماكن التي نمر بها ولكنها أستمرت بالكتابة وهي جالسة على الأرض في حين بقيت واقفا أتفرس باللاأبالية الغير مقصودة التي هي عليها تجاه المارة والفضولين منهم بعد أن تكشفت أجزاء جسدها بشكل عار تماما من رقبتها إلى أقدامها ولربما بشكل غير مألوف وغير معتاد لكنها أسترسلت فيما تكتب وهكذا لم أكن أنوي الجلوس جوارها خوفا من تشتيت أفكارها حيث بدأت لي أنها سارحة عن العالم وملتصقة في نقطة ما من الحدود القصوى التي خلقتها في لحظة السير نحو المحطة التالية ،

بعد وقت ما وجدتها قد أنتهت حين لمت ورقتها وطوتها ووضعتها بكل دقة وعناية في محفظتها الصغيرة ودنت وقبلتني قبلة شكر على أنتظاري لها وعلى صمتي القنوع من أنها تريد أن تكتب رغبة ما لنفسها أو لإنسان ما أو أي ماتفكر به وتلك لحظة حريتها وأنسجامها مع الطارئ الذي يحل كوهج برق لابد من الإمساك به قبل أن يرحل ،

لم تعثر في محفظتها على المبلغ الذي تضعه في ماكنة التذاكر وكان معي من القطع المعدنية مايكفي فوضعت قطعتين أدخلّتها سلم النفق الذي سيتجه بها صوب المترو وقبل أن تهم عادت مرة أخرى وفعلت معي مافعلت حين أنتهت من الكتابة ، المهم بدأت بشرب الشاي وأنهيت قدحا ثم أخر وبعده أخر ولم أكن في جلستي أعي كيف أشرب الشاي وكيف أتلذذ به وكيف أزاول متعي إذ أن الأنشطارية في الروح وفي العقل لصيقة اللحظات مادام الخوف من المجهول نزيلنا الأبدي رغم أنه وإلى الأن لاشئ يقرع أمامك جرس الأنذار ولكن هكذا يجد الإنسان نفسه فهو على حين غرة يخرج أهاته وعلى حين غرة يطيل تلك التأوهات وعلى حين غرة يلعن يوم مولده إن لم يسيل اللعن على أشياء أخرى قد تكون من المقدسات ،حين أتت وتقدمت جليستي حجبت شيئا من أشعة الشمس وكانت

بد يلا لذلك الجزء المحجوب فهي طويلة وفارعة وبيضاء وممشوقة وذات تركيز عال فيما تريد وما تود إيضاحه وعلى الحين أعتقدت أن ثقافتين متباينتان قد تقابلتا ولابد من مزيد من شرب الشاي وبدون أن أنادي النادل قدِمَ لنا بأبريق أخر في حين قدمت السفن من المواني لترحل عبر البسفور بعضها محمل بالركاب وبعضها بالوقود والبضائع وها أني بدأت لطيفا وأنيسا مقبولا وتكلمت وداعبت يديها ومددت أصابعي لأقراطها ورضيّت إلى أطراف سيقانها لكني على حين غرة تلبست شخصيتها الصارمة وتغير مابي وأدركت هي ذلك وراحت تحاول أستلطافي وحاولت ولكن الطارق الذي يزورني أحايين فعل فعلته حين نهضت وبجدية لافتة لأنظار الأخرين أن أغادر بمفردي بعد أن رميت ثمن الأبريقين على المائدة حتى أن مغادرتي وطريقتي في دفع حسابينا لم تكن باللائقة ،

ربما أعطيت مثالا سيئا لتلك المرأة عن أنيسها الشرقي لكنها كانت أبعد أيصالا مني لذلك الموروث الثقيل من الأحداث والذي جعلنا خارج دائرة المسرة والأفراح والأمل ،

شممت بعمق هواء الأشجار وبعمق أخر رائحة الماء في حين كانت خلفي تدنو كقط مذعور

خلف كلب شرس

لايستقر على حال ولايدري من سيطارده

هامش/

من أدب الرحلات

أسطنبول/أقصري