Facebook
نهيق المقهى PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: أحمد ختاوي / الجزائر   
الثلاثاء, 20 أيلول/سبتمبر 2011 18:51

وجه الصبيحة الشاحبة يئن كأم ثكلى بين فصول أضلعك المرسومة كلوحة زيتية لفنان ارستقراطي يؤمن حتى النخاع بمأساة الآخرين .. وبثلوج العتمة ..أيام البلح ..

ahmdktawe

لك شمس في جسدك تقيك حر الثلوج ...غضبها، ونرجسيتها أيضا ..

لك حق الطعن والبكاء أمام المحافل الدولية على أوراق ذكرياتك،

لك كل الحقوق المطلقة على وجه الأرض، ماعدا التي تتمتع بها الكلبة المددلة(أوركا)،

ولك حق الآخرين في الامتناع عن مباهاة الكلاب الضالة ..

لك هذا كله، ماذا تبغي أيضا ..

تخنق أحيانا فوهة جمهورية (أفلاطون) في منحاك الثابت، ووفق أفكار (أنوطنيو غرامشي)، في رؤاك التنظيرية ..

وكنت أعجب لنفسي ومن نفسي كثيرا، عندما أدركت منك أنك التهمت (الإمتاع والمؤانسة ((لأبي حيان التوحيدي) مثلما قرأتَ على عجل كتاب (الديمقراطية) للأستاذ محمد مزالي ....

وفي جسد الآخرين حولقة الصبيحة المـتأخرة فيك ، الزاحفة، الارتدادية نحو مدى كنت تطل منه على شرفة صدرك الشاحب العامر بألف معنى، بألف ضحكات الكلبة المدللة (أوركا)) ..وأنت قابع بمحاذاته بالكراسي الفخمة بالمقهى الأنيق (نوفالتي) وهو ينتظر صاحبه، حتى لا أقول سيده ..تقضم أوراقا قضمها فأر بملجئك (الإسطبل) ببقايا كتاب (لديوتوفيسكي) (الجريمة والعقاب) ..

وهران بخير ..

حي (بولونجي) بوهران أيضا بخير،

تلسعك شمس الله،وقد أمتصك الحياء منها لأنها فقط شمس الله ..ولأنك فقدت إحدى أزرار سروالك السفلية ..في حفل زفاف (أوركا) من (روكسي)، وأنت مدعو لتنظف الأواني بنظراتك ..هكذا تتوهم .

لعلها سقطت بمكان آخر ..

وهران دائما بخير ..

وحي (بولونجي) وإقامة البنات الجامعية أيضا بكل خير ..

حسين مروة أيضا بخير ..ووهران أيضا ..

تتوسد ذاكرتك خيانة عظمى للأوضاع والأوطان في العالم ..

وراء القطب المتجمد أوطان أخرى،هي ذي المعنية وهي ذي المتعة واللذة .. هناك (سلامة موسى)يتوسد حكاية الجدة في مذكرة تخرّجك التي أشرف عليها (عبد اللطيف الراوي).و نهر (المسيسيبي) قبالة مبنى الأمم المتحدة ..يداعب أسرارك

ألم أقل لك أنني أعجب من نفسي ومنك لأنك تلتهم (أبو حيان التوحيدي) مثلما تلتهم (العبرات) للمنفلوطي، (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ .. وأنت تتوسد خاصرة محدودبة، في محاولة لإصلاح الزر الأسفل الذي فقدته من بين أزرار سروالك ..

لا تدري أين ..تتوهم فقط أنه سقط بوليمة (أوركا)

لا تزعجني، / وهران دائما بخير، وكذا حي (بولونجي) وإقامة البنات ..

وكذا(مريم مكيبا) ..هي أيضا بخير ..

يرتطم جسدك النحيف بكم المعارف ..وفٌتات بيانات وكتب مهترئة وبعض بقايا أصداء حركة التعريب في الجزائر، أواسط السبعينات ..كنت قد خبأتها بإحكام بزاوية من زوايا ذاكرتك .

كانت مخبوءة أيضا بزاوية ذاكرة رفيقك (جلول ولد الخمسي) ..

كنت تناديه (شاكلو) .. في حالات السكر والثمالة القصوى.

في ذروة الانتشاء أيضا ..

ما تفتأ تطل من كوة قلبك المنتفخ الملتهب كأسعار النفط من شهر لآخر ...

بابلو نيرودا بخير .. و المسرحي عبد القادر علولة أيضا ..

وكل وهران بخير ..يقبع الطين بحي (الحمري) بوهران، لكن وهران بخير، تغزر أبرتها في معطف (الراي) وسروالك ما يزال يفقد احد أزراره السفلية ..

أنت لا تقتات من شمس الله كما الناس، لك شمس في جسدك وأخرى تعبر بدون توقف تضاريس وجهك الشاحب، وجزء من خاصرتك المتقدة.. المحمومة لكنك لا تمر بحالة الانبعاث والتضخم كما الأسعار والناس، تشهد تضخما من سنة لآخر بفعل تدني أجور العمال، وارتفاع رواتب الموظفين السامين ..

تحتسيك الأزمنة عصيرا عبر أشعة شمس الله ..

وقتها كان منديلا في جنوب إفريقيا .. حسن البنا في شمال إفريقيا .. ومن هناك كوكبة عبد الرحمن الكواكبي .. جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبدو الذي أكرمت مثواه باريس، فمدحها، وذمها ..

وقتها، خدشت مشاعرك لتكتب هذه القصيدة في أعقاب رحيل الرئيس هواري بومدين :

(بمرفئك ترسو زوارق الثورة) أهديتها إلى الذي علمنا كيف نكتب ونقرأ الثورة في عيون الفقراء .. إلى العيون الحية التي تحفر الثورة في جراحاتنا .. إلى الفقيد المناضل .. هواري بومدين .. كلمات مفعمة بالثورة .. بهذا الاستهلال .. فتحت الشهية لقولك، لتقول /

وحتى الجرح المصبوغ بلون وجهك ..

أبا ذر

يرحل ...

والعشب الذي تعشقه الأرض

يرحل ..

والدمع الذي يحفر العشق

يرحل ...

والقبلة الأولى بالرحيل ..

ترحل ..

أخبروني كلهم بأنهم سيرحلون ..

زادهم الحب ..

زادهم الخصب ..

زادهم العشب ..

زادهم الكسب ..

مع قوافل الراحلين ..

إلى وجهك المقيم

إلى عيونك الحية ..

وعالمك الأبدي ...

وحدها الجراح تعرف طريق القوافل الراحلة

إلى عيونك الحية ..

وعالمك الأبدي ..

وحدها الجياع تسلك أوعار عالمك الخصب .. وتعرف منابت العشب ..

في عالمك الأبدي ..

وبحيرة الخلد التي رسمتها عيونك ..

كالأنصار شدت قوافلها،

يا طلعة جرح ظل في جراحاتنا ..يمخر عباب عشقنا ..

وسيظل يمخر ..

يمخر ..

يمخر ..

عيون الكادحين وحدها تبصر الصورة ..

في مرآة وجهك الذي .. يعجن الخبز ..

والكتاب والمحراث ..لأطفال ظلوا يلوحون بعرش الزيتون..

يا سماء العشق الذي ظل يمطرنا بالرغيف ..

والعالم يطارد الأزمنة العجاف ...والكوثر في عينيك يقطر ..

يقطر ...

يا هدبا ظل يغطي عيوننا ..

والغبار في العالم يغزو عيون الناس ..

يا أبدا مفعما بالكسرة ..

بالزيت .. بالقمح ..

بالمطر .. بالعشب ..

والأبد يشكو العقم ..

أنت ابد في أبد ..

سيبقى أبدا لا يفنى ..

سيبقى أبدا ... لا يفنى .. لا يفنى ..

نحمل جراحاتنا .. نبذرها في وجهك الأبدي ..

فينبت شعب .. يرتدي الثورة ..

عند هذه الصورة، استدعيت الزر الأسفل المفقود في سروالك، استحضرت الفنان الوهراني الكبير (أحمد وهبي) ودندنت رائعته (لصنامية) ..ثم امتشقت مخيالك لتواصل ...يا وجها مأكله الثورة .. ملبسه الثورة ..

مرقده الثورة ..

تنهدت، زفرت، واصلت /

منديلا في جنوب إفريقيا ..(لوركا) هناك،(نيرودا) أيضا .. امتشقت من جديد مخيلتك .. زفرت، واصلتَ /

مناجل الفلاحين وحدها تدخل سوقك الألف ..

سوقك المحظور .. أبا ذر ..

على الذين يقطعون الطريق على الصغار .. ينثرون اللقمة من أفواههم ..

يا من أدرجت الخبز شرطا للصيرورة،

وخلدا لبقاء الشعوب ..في بحبوحة العالم الذي ..

يغزو الغبار فيه عيون الناس ..

السنبلة راية صفراء ..

حمراء .. خضراء ..

مانديلا في جنوب إفريقيا .. حسن البنا في شمالها .. و(حسين مروة) يرشقها من لبنان ..بحطام شجر(السرو)

فتشت قرب مضجعك : هاهو الزر الأسفل المفقود في سروالك يركله عجل خرج لتوه إلى الوجود، شممت، بل استنشقت هواء الروث، ودم البقرة العالق في الزر الأسفل المفقود في سروالك، تعطرت بأريجه، كأنك وجدت أكليلا من الزهور ..تسربلت إلى ذاكرتك بشرتك، وبعض من حكايات جدتك بقريتك ببوسمغون،ومدينة الطفولة (المشرية)، وتطلعاتك إلى الظفر بخديجة كزوجة أو إن تعذر الأمر كخليلة في المرحلة الأولى ..حتى يوافق والدها(الرجعي) هكذا كنت تسميه .

إرضاء لوالدتك فقط .. في حقبة طغت فيها مسميات (الخوانجية) على مقارعتك لصديقك محمود العامل بمصنع (الدباغة بحي (فيكتور هيقو () كما يسمى بوهران (تريقو) بمقهى (نوفالتي بوهران) كنت وقتها، قبل أن يجيء محمود الذي يفوقك سنا، وعلى وجه التحديد بأكثر من عشرين سنة، زوجته (حليمة) الأمية تنتظره كل مطلع سنة ببوسمغون، ليقحم بطنها ببنين، ثم يعود إلى عمله، حيث (مرزاق) المعلم، لا يستغني عنه، لما له من تجربة في ميدان (الدباغة)

كنت وقتها، تنتظره، وفي يدك أو في جيبك / صدى / محمود أمين العالم،

وفي نبض قبلك تخفق، وتترنح (حميمية)ذاك الوجه الأنثوي الماركسي الذي غرز أظافره في مخيلتك، وأنت ترنو إليه ذات محاضرة ساخنة حول الحرب البارة بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي) بمدرجات من حطب مضرج بكتابات (ثائرة) منحوتة على الطاولات .

منها (يسقط الأبارتيد) (يحيا لينين) (يسقط (الخوانجية) (يسقط الرجعية)

الخزي للشمس التي أحرقت بهجيرها المناديل الحمر، الخزي أيضا لمقررات / دول عدم الانحياز في أواخر انحدارها نحو الغرغرة، ونحو الاحتضار ..

هكذا غمغمت ذات انعطاف سياسي ..ذات ليلة حالكة مطلع .1988

محمود (الدباغ (لقرع) كما تسميه، لم يأت بعد من (تيريقو) أنت وحدك بمقهى النوفلتي تتصفح خزيك اللامشروط (لمحمود أمين العالم)، ..

***** *******

بالإسطبل رائحة الروث والشمس وأقحوان المدن العالقة بشمس الله،،، وأنت خزي الأيام في صباح ذاك الصباح ..

******* ********

الإسطبل لا يصدر النهيق مثلما تفعل المقهى، هو أصم إلا من دوابه، ورائحة الروث التي تتوسدها كل مساء مضرجة بحنينك إلى (خاصرة) حميمة).

............................