Facebook
عربات وذاكرة PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: سعد محمد الموسوي   
الأربعاء, 14 أيلول/سبتمبر 2011 16:43

3ARBA
غادر الحصان الطرقات وارتحل بعيد...اً حيث حقوله الابدية

وكان الحوذي الهرم قد إنتبذ له مكاناً في أقاصي غابات "فكتوريا" وهو يعد بنبضاته الاخيرة

وكان الحنين يعصف بثناياه الى عربةٍ مهجورة حين غادرها في أخر رحلة بعد أن ركنها في قرية على مشارف الغابة

والعربة عادةً ماتبوح بحكاياتها

الى أطفال القرى حين يجتمعون حولها كل صباح

أو للعابرين نحو أعماق الغابة.

إستوقفتني تلك العربة الخشبية القديمة وقد مرت عليها عقوداً من السنين قبل ان تتوقف عجلاتها والى الابد في زريبتها الاخيرة . كانت العربة مستلقيتا في أطراف الغابة.. وقد اعادة بي تلك العربة ذكريات تنوء بقصصها وارتحالاتها كالصدى.. كالغيوم

تسللت الى ذاكرتي عربات اخرى ... عربات بعيدة جداً لمدينة كانت تنام في تضاريس الملح والغبار جنوبا حيث (الناصرية.

نأت بيّ الاخيلة الى محطات الطفولة حيث عربات العيد المكتظة بالاطفال وملابسهم الزاهية الالوان وهم يمزحون ويلتهمون الحلوى وكانت أغانيهم تحلق عالياً في صباحات المدينة.. وكانت الخيول التي تجر العربات هي الاخرى فرحة ونشطة تتراقص خبباً على ايقاعات أغاني الاطفال البهيجة. وكان الحوذيون يزينون أسرجة الخيول بالاشرطة الملونة والبالونات.

والعربات كانت تدور كالدولايب في شوارع واحياء المدينة ثم تعود مرةً أخرى الى سا حة احتفال العيد المنتشره حولها العاب الاطفال من أراجيح ودوالايب وعجلات هوائية "وصريفة" شنيشل التي يتزاحم حولها الاطفال بفضول هائل لرؤية الشاذية( قردة شنيشل).

بينما هنالك في ركن الساحة المنحدرة من ارتفاع سطح ( الروف) المحاذي لشط (أبو الخيس) حيث يتجمع بائعو الحلوى والفرارات والمرطبات.. والمهرجون كانو يحوم يحوموحولهم الاطفال المحتفين بالعيد.

وكانت عادة ماتمتلآ الساحة بعوائل المدينة وسكان القرى القادمين لاحياء احتفال العيد.

تذكرت أيضاً حينها مشهدأ أخر لم يكن سعيداً وقد أفسد عليّ اليوم الاول من العيد وانا لم أتجاوز السنة الثامنة من العمر بعد.

حين امتطيت في ذلك الصباح حماراً كسولاً بعد أن استأجرته "بعشرة فلوس" من صاحبه واثناء رحلتي البهيجة إرتطم الحمارحينها في زحام العيد بأعرابياً من الخلف فاوقعه أرضاً، ثم نهض الرجل غاضباً وانهال عليّ ضرباً "بعقاله" ولم يكن اثناء واقعة الحمارآنذاك أن يقتنع الاعرابي بتوسلاتي حين أنبأته ان الخطأ ليس بسببي بل بسبب الحمار الذي ارتطم بجنابكم.

على أثر ذلك تركت مغامرة امتطاء الحمير الممتعة في الاعياد وأرتايت ان اذهب الى العربات التي يقودها الحوذيون الماهرون.

قفزت كطفلٍ الى حوض عربة الغابة، وأغمضت عينيّ متذكراً عربة أخرى من عربات المدينة البعيدة..

وهي عربة بائع الثلج (وند) والذي كنت أتذكره حين كان يزود بعض أحياء المدينة بقطع الثلج صيفاً بعد ان يأخذ بقوالب الثلج والتي تتراوح احجامها بحدود المتر، من (معمل الثلج) الكائن في طرف المدينة الغربية ثم كان يصف بتلك القوالب الثلجية على شكل هرم يعلوا في حوض العربة الخشبية.

بعدها يقود" وند" العربة حيث زباءنه المتوزعين في مركز المدينة.

كانت عربته التي يجرها حصان بنيّ غامق اللون تتوقف في كل صباحٍ صيفي باكر أمام الدكاكين والبيوت ثم يترجل بعدها بائع الثلج من عربته بجسدة الضخم القوي حاملاً على كتفه قوالب الثلج الملفوفة بقماش الجنفاس. وكنت عادةً ما أراقب "وند"وهو يقسم القوالب أرباعاً أو انصافاً مستعملاً المنشار وادوات التقطيع بمهاره وبسرعة. ثم يضع الثلج على عتبات الدور وامام بوابات الدكاكين.

فلا أحد في منطقتنا كان يتخيل غياب وند وعربته الثلجية.. في الصباحات الصيفية.

وفي تاملاتي الى عربة الغابة.. تساؤلت حينها عن مصير العربات الخشبية في مدينتي بعد ان مات الحوذيون وماتت خيولهم الجميلة أيضاً.

فأين آلت هياكل العربات. هل هشمها الجلادون ليعملوا من اخشابها هروات . أو ربما صنع منها المعلمون عصا لتعذيب أصابع التلاميذ الصغار حين يتقاعسون عن اتمام واجباتهم البيتية . أم حرقت افران المعامل تلك العربات الخشبية فباتت وقوداً يستحيل الى دخان في سماء ملوثة؟

أو لعل اجنحة قد نبتت لتلك العربات فحلقت عاليا نحوسموات الله لتلتحق

بالحوذيين والخيول والطرقات مرةً أخرى.

ملبورن – أستراليا

أيلول 2011