Facebook
كاغدُ المُطارحات.. PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: جمعة اللامي   
الأربعاء, 07 أيلول/سبتمبر 2011 20:35

jom3aalmy

خاص بـ سطور

تسع وتسعون قصة وقصة

مطارحات نادر وماهر

عند شجرة التين العجوز

مكث الغيلم نادر في مطرحه المائي ، يقلب الفكر، ويديم النظر، في حكاية جده الغيلم الكبير ، مع القرد ماهر الكبير(1) . بينما بقي القرد عارف عند ذروة شجرة التين ، يعيد التفكير كرة بعد كرة، في حكمة جده الأول ، وكيف تخلص من نية الغيلم الكبير في الغدر به .

وكان نادر يراقب منذ عشرات السنين ، قردا يخلف قردا على شجرة التين العجوز . وكلما اراد ان يفتح حوارا ، يمهد لقيام صداقة مع احد هذه القرود ، لقي صدا مرات ، وقوبل بصمت مطبق مرات ومرات . فكبر ذلك عليه وقال : " مالي ارى القرد ياخذني بجريرة جدي ؟ هذا لا يستوي مع العقل . وصدق من قال : لكل زمان دولة ورجال ، وانا لست جدي ، وزماني ليس زمانه ".(2)

وجدد نادر نداءاته المرة تلو المرة للقرد المتحصن عند ذروة التينة الهرمة ، الا انه لم يلق سوى الصمت والخذلان . فظهرت عليه علامات الكدر والحزن والغم والهم . فرقّ قلب القرد ورمى ثمرة تين نحو الماء ، فتلقفها الغيلم قائلا :" شكرا للالطاف الحميدة ، فهاهو ماهر يستجيب الى الحافي عليه لقيام حوار بيننا ".

ثم انه رفع رقبته عالية فوق الماء وقال :" يا حضرة القرد العاقل ، انا حزين جدا ، ومغتم كثيرا، لصدودك وابتعادك عني ، رغم اني لست الذي فكر بحفرة يلقي بجدكم فيها ؟ "

فرقت نفس القرد وسال الغيلم :

ـ لماذا تحزن وانت تعرف ، بداءة ، ما انتوى جدك الكبير فعله من الغدر بنا ؟ .

اجاب الغيلم :

ـ حزني عليك وعلى نفسي كبير. وانا وانت ابناء زمان جديد ، واحوال جديدة . وإني لأنشد صداقتك الوثقى ، واريد ان اجعل من حكاية جدنا مع جدكم عبرة للمخلوقات طرا ، حتى نتجاوزمرحلة الحقد بين سلالتينا ونتجاوزها الى سلام دائم بين ملتين ، فقد صدق القائل " ان الحقد يعني هزيمة الخيال " . ولا سبيل لي الى بلوغ هذا الهدف ، وتبليغ هذه الرسالة ، الا بأِلقاء هذه المطارحات التي تخيرتها من بعض حكم الغابرين بين يديك .

فقال القرد بعد لحظات من التامل :

ـ غيلم يتطارح ؟

ـ نعم ، يا معشر القرود .

مرت لحظات اخرى من الصمت ، قال بعدها القرد :

ـ هيّا ايها الغيلم ، اسمعني مطارحاتك . وكلّي آذان صاغية .

( 1 )

قال الغيلم :

ـ سمعا وطاعة . وسوف ابدأ كلامي بحديث الخط والدرب . فقَدْ سمعتُ خطّاً ابيضَ ممتداً على امتدادِ الدربِ المُقَوَّسِ ، ينادي :

اطلقوني ، اطلقوني !

فرد عليه الدرب : مَنْ يُطلقُ مَنْ ؟ النُقطةُ ام الخطّ ؟

قال القرد :

ـ الا تعلم بان اصل الخط نقطة ؟

اجاب الغيلم : " اعلم ذلك ايها القرد . واعلم ايضا ان التغيير يبدا من النقطة .

قال القرد :

ـ اصبت ايها الغيلم . هذه واحدة .

(2)

قال الغيلم :

اما الثانية ، فاني سمعت رجلا اخرس يخاطب قلبه : " طوبى لمن انساني لساني ! "

فرد القلب :

ـ لو انك ما نطقت .

قال القرد : "صدق والله . فما هي الثالثة ؟"

اجاب الغيلم :

ـ هي حكاية الارملة ورفيقتها العاقر .

قال القرد : هاتها .

(3)

قال الغيلم ، قال اهل العقل ان ارملة قالت لرفيقتها العاقر :

ـ الحرمان إختباراتيلأحبائي في الحياة الدنيا .

فردت العاقر :

ـ سبحانه ما اعظمه ، انعم علي بتاج حكمته .

قال القرد : صدقت العاقر .

قال الغيلم :

ـ هي كذلك والله .

فساله القرد : وما الرابعة يا صاح ؟

اجاب الغيلم :

ـ هي حكاية اليد اليسرى ، واختها اليمنى. اما سمعت بها ايها الحكيم ؟

قال القرد : نعم ، ايها الفهيم .

ثم ان الغيلم واصل كلامه :

(4)

... وقال اهل العقل ان اليد اليمنى قالت لليد اليسرى

ـ ويل لمن اوتي كتابه بشماله !

فقالت اليسرى : ويل لكل همزة لمزة .

قال القرد : احسنت . فهل لي بالخامسة !

قال الغيلم :

ـ هي حكاية الفيل والبقة .

( 5 )

فقد جاء في كتاب ( اخبار الغابة ) لخالد الذكر ابن لبابة ، ان قائد قبيلة الفيلة كان يسير متبخترا في غابة ( بْخا ) .. في ...

فقاطعه القرد : وما ( بْخا ) هذه ؟

استطر الغيلم : انها دسكرة في بلد الجبال السود ، بين الربع الخالي والبحر .

علق القرد :

ـ واصل كلامك ، يرحمك الله .

قال الغيلم : وبينا رئيس الفيلة على تلك الحال ، حطت بقة في صيوان اذنه اليمنى ، فحرك اذنيه متاففا :

ـ من جاء بهذه المخلوقة الحقيرة الى حماي ؟

سمعته البقة ، فلم تكترث لعصبيته ، وخاطبت نفسها :

ـ اقسم بخالقي وخالقة ، لأجعلنه يرى نجوم السماء ظهرا .

وأخذت البقة تطن في صيوان اذنه ، ثم تسللت الى اذنه الوسطى ، بينما كان رئيس الفيلة يصرخ :

ـ انقذوني يا ربعي ، تكاد البقة ان تقتلني .

سأل القرد : وبم اجابت البقة ؟

قال الغيلم : سمعها الفيل تهمس في اذنه :

لا تحتقر كيد الضعيف .... فربما ، جرح البعوض الفيلا .

قال القرد :

ـ سبحان ربنا القوي الرحيم

قال الغيلم : اتدري ما القوة ، يا صاح ؟

قال القرد :

ـ لا تزال مطارحات الحكمة معك .

(6)

قال الغيلم ، قال احد الدببة الثلجية معرفا القوة : " يجب ان تُعرَّف القوة ، بإمكانية التطرف في استعمالها ".

قال القرد موافقا :

ـ هذا صحيح ، ربما .

فقال الغيلم :

ـ ومن هو القوي ، رعاك الله ؟

اجاب القرد :

ـ القوي هو الذي يعرف . فالقوة بدون معرفة خطر عظيم.

قال الغيلم : احسنت يا اخي .

قال القرد متسائلا : وبعد الذي فعلت ما فعلت تنادي علي : يا اخي ؟

قال الغيلم : او ما سمعت بذلك الذي يتآخي مع قاتليه ؟

قال القرد : جد علينا بما عندك ، يرحمك الله .

(7)

قال الغيلم : انشد عندليب ، بينما كان عند راس نخلة بمنزل :

ـ اذا كان عندك درهمان ، فقدم الاول لأخيك ، والثاني لأخيك كذلك.

سال القرد :

ـ افصح بالله عليك !

قال الغيلم :

من نام ليلته وجاره جائع ، مطرود من ارض الله .

قال القرد :

ـ اين تقع ارض الله هذه ؟

قال الغيلم : كأنك تريدني ان احكي بين يديك حكاية البرهمي والرجل المسلم عبدالله ؟

قال القرد :

ـ اروِ تلك القصة ، يا حكيم الزمان .

(8)

قال الغيلم : جاء في الاثر ، ان رجل دين مسلما ، وفد على ارض البراهمة يدعوهم الى دين الاسلام ، فقال ملك البراهمة لمستشاره :

ـ ناظره مناظرة مشروطة : إن غلبك دخلنا في دينه ، وإن غلبته دخل هو وناس دينه في ديننا قال البرهمي :

ـ هل سمعت الشرط ايها المسلم ؟

رد عبدالله :

ـ نعم ايها البرهمي .

قال البرهمي : اذا كان ربك ـ كما تدعي ـ قادرا على ان يخلق اي شيء ، فهل يسطيع ان يخلق شبيهه ؟

رد عبدالله منزعجا :

ـ اعوذ بالله من الشيطان القوي الرجيم . هذا هو الكفر بعينين إثنتين .

التفت البرهمي الى مليكه قائلا :

ـ الم اقل لك يا مولاي ، ان عبدالله لا يعرف غير السيف لغة .

وواصل الغيلم حديثه :

ـ احتار عبدالله في امره ، فقصد رجلا في سجن البلدة كان يشتغل بالفكر ، وعرض عليه مأزقه ، فقال الرجل المفكر : انا ـ والله ـ لها .

قال عبدالله :

ـ ان اخرجتني من ورطتي هذه ، بذلت مساعي الحميدة لدى حاكمنا ، فاخرجتك من السجن .

قال المفكر :

ـ اشك في ذلك . والان خذني الى مجلس ملك البراهمة .

واستمر الغيلم في روايته :

ـ ما ان وصل عبدالله ومعه الرجل المفكر ، حتى اعاد على مسامعه البرهمي ، مقولته مع عبدالله ، فقال المفكر :

ـ لكل حادث حديث .

قال الغيلم :

ـ سأل البرهمي الرجل المفكر : اذا كان ربك قادرا على خلق اي شيء ، فهل يقدر ان يخلق شبيهه ؟

قال الرجل المفكر بعد هنيهة من الصمت :

ـ ايها البرهمي ، ان اصل مسالتك مغلوط ، ولا يستقيم مع العقل .

سال البرهمي :

ـ كيف ؟

قال المفكر :

ـ ان ربي هو الواحد الاحد ، الفرد الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا احد .

قال البرهمي :

ـ هلاّ توسعت في خطابك ؟

قال المفكر :

ـ اذا خلق ربي شبيهه ، يكف ان يكون ربا كما وصف نفسه .

سأل البرهمي :

ـ وغير هذا ؟

قال المفكر :

ـ وأي نكتة اخرى تناقض مفهوم الربوبية هذا ، يكون الله ظالما للمخلوقات . وربي يجل عن الظلم .

قال البرهمي :

ـ اشهد انك غلبتني .

فسال القرد الغيلم :

ـ وهل التزم عبدالله ومليكه بإطلاق سراح المفكر من سجنه ؟

قال الغيلم :

ـ زادوا في حديده حديدا جديدا.

سال القرد :

ـ ايحدث هذا في عالم البشر ؟

قال الغيلم : ان عالم البشر مملوء بالتناقضات والعبر لمن يريد الاعتبار من الوقائع والاحداث .

قال القرد :

ـ ما اجهل الانسان .

فرد الغيلم : صح لسانك ايها القرد الفصيح . ولكن فيهم الحكماء ايضا .

قال القرد :

ـ اقنعني .

قال الغيلم : يتوجب علي ان اروي بين يديك حكاية الملك الاسود وجاريتيه السوداء والشقراء.

قال القرد :

ـ على رسلك

(9)

كان يحكم بلاد السودان ، رجل اسود البشرة ، غليظ الشفتين ، واسع المنخرين ، كبير الجمجمة ، اذاع في البلاد ان اي وافد جديد عليه ان يزوره في بلاطه ، فيلقي عليه سؤالا ، فاذا كان جواب الوافد صحيحا اطلق سراحه . اما غير ذلك فلم يشاهده احد يخرج من قصر الحاكم الاسود .

قال القرد : نعم ايها الحكيم

واستمر الغيلم في روايته :

ـ وذات يوم وفد على البلاد رجل من بلاد ميسان ، فقاده حراس الملك الى اليلاط الملكي ، حيث كان الملك الاسود يجلس ليقضي بين الناس .

قال الميساني مخاطبا عظيم الزنج :

ـ السلام على الملك العليم .

تفرس الملك الزنجي في الرجل ذي الشعر الأسود ، وخاطبه :

ـ سأرد على تحيتك ، بعدما تجيب على مسألتي .

سال القرد :

ـ وبم اجاب الميساني ؟

قال الغيلم :

ـ قال الرجل الذي سكن اجداده في مدينة يقال لها " اليشن" ، تفضل ايها الملك العالم .

قال عظيم الزنج :

ـ انت تعرف مصيرك اذا لم تجب على مسألتي اجابة صحيحة .

قال الرجل الذي من اليشن :

اعرف ، واقبل بحكمك .

واستمر الغيلم يروي الحكاية بعد ان تنفس عميقا :

ـ كانت تقف فتاة شقراء كأنها فلقة قمر في منتصف الشهر ، على يمين الملك الاسود ، واخرى سوداء عظيمة الشفتين ، واسعة المنخرين ، مفرطة في بدانتها . فسال الملك الزنجي الرجل الميساني :

ـ من هي الاجمل ، الشقراء ، ام السوداء ، ايها الرجل ذو الشعر الأسود .

قال الغيلم : توقف ذو الشعر السود برهة ينظر نحو الارض ، ثم رفع راسه وخاطب عظيم السودان :

ـ ايها الملك الجليل . في هذه المسالة هناك من يقول ان الشقراء هي الاجمل ، وغيره يقول ان السوداء هي الاحلى .

سال عظيم السودان ، الرجل اليشني :

ـ وانت ، بم تقول ؟

اجاب الرجل الميساني :

ـ اقول ياسيدي : العين وما تنظر ، والقلب وما يهوي .

ثم ان الغيلم ، اكمل حكايته فقال :

ـ نهض عظيم الزنج من عرشه ، وتقدم نحو الرجل الذي من مدينة اليشن ، وخاطبه : انت حكيم الزمان قولا وعملا . ومن اجل حكمتك ، جعلتك كبير مستشاريي .

قال القرد :

ـ والله ، ان عظيم السودان ، احكم من كثير من العربان والبيضان والحمران والصفران .

قال الغيلم :

ـ لأنه حر الضمير .

قال القرد :

ـ اذن ، ماهي الحرية ، يا صديقي الغيلم ؟

(10)

قال الغيلم :

ـ سمعت احد شيوخ ملتنا ، وكنا نسميه : الاسمر ، يتحدث الى نفر من اقرانه ، ذات صباح مشمس ، عندما كنا نحضر مجلسه الاسبوعي صباح كل يوم جمعة . قال الاسمر : كنت اغطس في عمق طبق ، تحت طبق ، وهذا تحت طبق ، وهذه كلها تحت طبق ، حين فكرت : " كيف سأكون اذا ما صعدت الى الأعلى، علوا بعد علو ، وتجاوزت هذه الاطباق كلها الى غيرها ، حتى اصل الى اعلى نقطة فوق سطح ماء النهر " .

ـ سؤال الحكماء فعلا . علق القرد .

قال الغيلم :

ـ قال الغيلم الأسمر لنفسه : " الطبق قيد . لا بد ان اتخلص من قيودي كلها ، طبقا بعد طبق ".

سال القرد :

ـ اتعني ان كل طبق يقود الى نقيضه ؟

قال الغيلم :

ـ قال الغيلم الاسمر لذاته : " لا خيار لي الا في الصعود مهما تعددت الطبقات والاطباق ، لأنني في عملية الصعود اكون حرا " .

قال القرد :

ـ راي صائب ، وايم الحق .

قال الغيلم :

ـ قلنا نحن الغيالم الذين نحضر مجلس شيخنا الموقر " يا اخانا المجرب ، هذه هي طبيعة الاشياء . كل فكرة تقود الى نقيضها . وهذا هو جدل حياتنا " .

سال القرد :

ـ سمعتك تقول : جدل حياتنا ؟

اجاب الغيلم :

ـ نعم . انه اسلوبنا وخطابنا في القول بمفهوم الغيالم للحرية .

صفق القرد بكفي يديه موافقا :

ـ ما احسنكم ، معاشر بني غيلم .

قال الغيلم :

ـ هذا هو قدرنا ، يا صديقي المتالم . اننا نعيد محو انفسنا وبعثها ، في كل موقف نتخذه مختارين ، بالحوار والجدل المتواصلين مع انفسنا . وهذا هو مفهومنا للحرية .

سال القرد :

ـ افهم من قولك انكم اطلقتم الحرية لعقولكم ؟

اجاب الغيلم :

ـ لا ونعم .

تعجب القرد :

ـ كيف جمعتم بين " لا " و " نعم " ؟

ـ بالمسؤولية ( اجاب الغيلم )

اعاد القرد سؤاله :

ـ كيف ؟ اشرح لي هذه النكتة ؟

ساله الغيلم :

ـ انت ترغب في معرفة العلاقة بين الحرية والمسؤولية !

قال القرد :

ـ نعم .

(11)

قال الغيلم :

ـ سمعت إنسيين إثنين يتنادمان . قال الأول : " الحرية والمسؤولية توأمان " . فقال الثاني : " قل : الحرية والمسؤولية تتلازمان . ولذلك هما توأمان " .

استحسن القرد ما نقله الغيلم ، وساله :

ـ اتستمع الى مطارحات بني الانسان ؟

ـ نعم . عندما يكون لدي وقت اكون تحت الشمس . وكنت اسمع شططا من احدهم ، وأنصت الى حكم ثمينة من انسان آخر .

قال القرد : " نعم " .

ثم اخلد الى الصمت ، ليحث الغيلم على الاستمرار في حديثه ، فقال الاخير في نفسه : " حمداً للماجد المجيد العالي ، الذي جعلني مسؤولا عن نفسي وإختياراتها " . ثم عاد الى صمته الذي قطعه نداء القرد :

ـ ايها الغيلم ، سمعت من احد احفادي من بني الانسان يقول : " معنى الحرية هو المسؤولية . ولهذا يأباها الناس " .

غمغم الغيلم : " هذا هو جوهر الحرية " ، بينما استمر القرد في صمته العميق ، متفكرا في الاقفال التي تسجن الحوار بين الكائنات ، فقال بصوت عال ، كأنه يريد اسماع صوته الى الكائنات طرّا : " لا تستطيع اي ذات ان تكون حرة ، الا ضمن مجموعة حرة " .

رفع الغيلم عنقه :

ـ ها قد عدنا الى نكتة المسؤولية مرة اخرى ، وإني لأرغب في ان اروي بين يديك الطرفة التي يتناقلها الابناء عن الاجداد .

بقي القرد مستغرقا في صمته وتاملاته ، بينما قال الغيلم :

ـ سمعت من ابي ، نقلاً عن ابيه ، عن احد اجداده ، انه قال : " جسدي : التراب والماء والهواء والنار " . فحفظت تلك المقولة بين طيات ذاكرتي ، لأنها تعني لي الشيء الكثير .

قال القرد :

ـ انت تذكرني بمقولة ذلك الإنسي التائه .

ـ " نعم " ، قال الغيلم في سره : " حمدا للماجد الرحمن الرحيم المتعالي ، فلقد بدأ القرد يستجيب لصداقتي " . لكن القرد لم يدع الغيلم يستمر في تأملاته فقال :

ـ سمعت من ابي ، عن جده ، قال : " سمعت إنسيّا يطوف بزورقه الصغير المتهالك على صخور في احد الخلجان يقول : لست مواطنا لأليشن او ميسان . انا موطني الأكوان " ، فسمعت هاتفا عذب الصوت ينادي : " يا صورتي في العناصر كلها ، انت الان الحر والمسؤول " .

قال الغيلم مفتخرا :

ـ هنيئا لكم معاشر القرود .

( ... يتبع )

ــــــــــــــ

(1) : انصح بمراجعة باب " القرد والغيلم "

من كتاب " كليلة ودمنة" .

(2) : يتضمن النص مقدمتين. أولاهما بقلم الكاتب

هي بمثابة تحقيق ومراجعة ، على مقدمة ثانية كتبتها

السيدة مريم بنت مطر ، التي جمعت هذه النصوص من

شذرات دفتر عتيق اوصي كاتبه ألاَّ ينشر إلاّ بعد

رحيله عن هذه الدنيا الفانية . وغني عن البيان ان مقدمة

مريم بنت مطر ، تمثل ( عرض الكتاب) ، كما باشر ذلك ابن المقفع

في "كليلة ودمنة" . ولا تتم الفائدة من نشر المقدمتين ، الا بعد نشر

( الكاغد ) كاملا . لذلك اقتضى التنويه لذوي الألباب وجمهور الكتّاب .

**ـــــــــــــــ**

من مجلد " اليشنيون" المعد للطباعة