Facebook
الشاعر المختفي PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: عباس بيضون   
الجمعة, 19 آب/أغسطس 2011 15:08

abasbedoon
يمكننا أن نتذكر أيضاً لقاءات الغداء في كانتين المهرجان، في الصفوف الطويلة أمام البوفيه أو على الطاولات التي عمرت بالآكلين نصادف عشرات من أهل المهرجان: الشعراء والمنظمون (هم بالمناسبة شعراء) والموسيقيون والمقدمون والتقنيون ومعظمهم شعراء أيضاً. هنا التقينا بعرب وفرنسيين وكرواتيين وإيرانيين وأتراك وايطاليين واسبان. هنا جاءنا الخبر بأن سلمى الخضراء الجيوسي حاضرة ولما ذهبت لتحيتها عرفتني ما ان وقعت عينها عليّ، رغم أن أمداً انقضى على آخر لقاء بيننا. هنا علمنا أيضاً بأن الشاعرة الإماراتية حمدة خميس وقعت وكسرت رجلها وأصرت مع ذلك أن تنتقل على كرسي وبكاحل مكسور في نشاطات المهرجان وحتى في مقاهيه. هنا جلس الشاعر الجزائري بالفرنسية يقرأ لي من شعر السياب، وهنا أيضاً كان فتحي عبد الله يوزع صخبه ونوري الجراح لا يتوقف عن الحركة ومايتى تعانقنا كلما تصادف أن نلتقي وصلاح ستيتيه، وريث سلالة طويلة من الشعراء الدبلوماسيين، يمنح ابتساماته. كنا تقريباً في عطلة. ساهم طول المهرجان بهذا الانطباع عطلة نمارس فيها كسلنا تحت خيمة منصوبة قرب مركز المهرجان أو على عشب حديقة قصر المياه. وفي الليلة الأخيرة للمهرجان، الذي اختتم باحتفال في الحديقة، اكتشفنا أن ثمة مئات تحت المنصة. على الكراسي الطويلة كان المستمعون يغرقون في مقاعدهم فلا تظهر رؤوسهم وتسكن حركتهم إلى أن يتراءى لهم أن الشاعر توقف عن إلقاء قصيدته فيجازونه بالتصفيق. التصفيق جزء من الاحتفال وهو حق للشاعر على الجمهور ولا يستطيع إلا أهل الخبرة أن يميزوا بين تصفيق وتصفيق، كان هذا جواب الجمهور. أما حدث المهرجان بالنسبة للشعراء العرب فكان بحق حضور صلاح فائق. كان صلاح فائق العراقي التركماني شغل مخيلاتنا بالتلازم مع سركون بولص الشاعر العراقي الأشوري. صلاح فائق تكلم التركية وبعدها الكردية في بيته قبل ان يتعلم العربية التي كتب بها وصار شاعراً. ظلت «رهائن» و«لكل البلاد» من أوائل التيار الطليعي في الشعر العربي. كان شعر صلاح فائق الذي احتفل به شبان الشعر العربي نموذجاً أول لسيريالية عربية «من قبيل اللغة». لشعر صلاح الذي كان لعب مخيلة جمع بين غناء سلس اليف وغرابة متوهجة. كانت تجربته من دون ما قصد شبيهة من بعيد بتجربة بول اليار حيث الغناء يزاوج الغرابة. ثم حدث أن اختفى صلاح فايق في الفيلبين. ودام اختفاؤه عقوداً. كان هذا الاختفاء الذي طال إحدى أولى أساطير السيريالية العربية وانضم إلى الأسطورة السيريالية الجامعة. بات صلاح منذ ذلك الحين أحد أسرار الشعر العراقي والشعر العربي وانفصل ذكره عن ذكر سركون بولص الذي استمر وحده في طريق أفضى به منذ أعوام إلى الموت في المانيا. كان غريباً أن نخطر بأن صلاح فايق مدعو إلى المهرجان وانه حاضر فيه. ثم علمنا أن صلاح بات في «سيت». التقينا بالشاعر الذي كانت له ريادة رغم انه يوازينا في السن، كان سعيداً بقدومه ممتناً للذين سعوا إليه، لم يكن صلاح قاصداً الاختفاء ولم يكن غرضه أن يبني أسطورة لنفسه. لقد ترك لندن التي انتقل إليها في العراق لأسباب عادية: الحاجة والسعي إلى الرزق والركض وراء العمل الذي وجده في الفيلبين.

لقد أدت به معرفة متمول فيلبيني ذي ماض شيوعي إلى اللحاق في الفيلبين والعمل في مؤسساته. لا يخطر لأحد أن هذا العمل قد بسط يد صلاح فائق وأبدله بعد العسر يسراً فالشاعر لم يغتن ولم يوسر في الفيلبين. قال صلاح انها المرة الأولى التي يشترك فيها في مهرجان وانها المرة الأولى التي يلقي فيها أشعاره على جمهور. سره أن يجد نفسه متذكراً معروفاً من الجيل أو الأجيال الشعرية الراهنة. كان وراء هذه الدعوة نوري الجراح الذي استمرت علاقته بصلاح بعد انتقاله إلى الفيلبين، وصلاح لم يهجر الشعر على كل حال بل واصله في الجزر الفيلبينية. كان على كل حال مدهوشاً أكثر منا نحن الذين فوجئنا به موجوداً وحياً. كان مدهوشاً من كل شيء، من معرفة الشعراء له ومن المهرجان بكليته. لقد ترك العراق خوفاً من السجن هو الشيوعي الذي كان مسؤول الحزب عن إقليم كردستان، مسؤولاً عن الأنصار وهم ميليشيا الحزب. ثم ترك انكلترا إلى الفيلبين في دوران وراء الرزق ولم يتح له لذلك أن نعيش المهرجانات أو المؤتمرات الأدبية. لقد فاجأه ذلك ان لم يكن أذهله وحينما سئل على من كان يقرأ شعره قال (كأنما هي صورة في شعره) (انه) كان يقرأ قصائده على كلبه الذي لولا انه سر من الشعر لكان نبح أو ترك رفقته على الأقل