Facebook
قناديل: إدواردو غاليانو:النجاح وخيانة التاريخ والديكتاتورية PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: لطيفة الدليمي   
الثلاثاء, 16 آب/أغسطس 2011 18:33

l6efa
كاتب اوروغواي اللاتيني الساحر إدواردو غاليانو، الروائي و الأسطوري الساخر والنبوئي ،هو المبدع العصي على كل تبويب وتصنيف ـفلا يجد النقاد صيغة او نمطا ابداعيا يمكنهم ان يدرجوا تحت تسميته إبداعات هذا الكاتب الفريدة ، ذلك لأنه يكتب حكايات يستلهمها من تاريخ الانسانية المشتبك بأساطير الخلق والنشوء كما تحفظها ذاكرة الشعوب البدائية وينظر الى العالم بعيني طفل مسكون بالبراءة الاولى بينما هو يمارس نقده الصارم

وينثر اضاءات الحكمة وثمار الفلسفة بين ثناياها ولايتردد في استخدام جميع طرز الكتابة التي عرفتها الإنسانية من بداياتها الأسطورية حتى مراحلها الكلاسيكية والرومانسية والرمزية والواقعية النقدية والسريالية وما بعد الحداثة ، فهو مبدع لا يخضع للتنميط لانه يستلهم اعماله من ينابيع الإنسانية كلها ، منك ومني ومن الآخرين ليروي لنا حكايتنا بطريقة مبتكرة كأنها ليست حكايتنا !!ويطرح أسئلة لا تتوقف عند حد حتى ليجعلك في حيرة من امر نفسك وعالمك ويدفعك بإبداعه وبراعته الساحرة الى بلوغ الإجابات التي لا تنفك تشغلنا جميعا .

ولغاليانو موقف نقدي جريء من التاريخ فهو يكتب في مقدمة ملحمته الكبيرة كتاب ( ذاكرة النار) ما يأتي : ( كنت طالب تاريخ بائساً ، كان حضور دروس التاريخ يماثل الذهاب الى متحف للشمع او ولوج أقاليم الموتى ، كان الماضي ميتا أجوف وأبكم ، علمونا عن الماضي ، بطريقة جعلتنا نستكين للحاضر بضمائر يابسة ، لا لنعيد صناعة التاريخ الذي صنع مسبقا بل لنقبله ، توقف التاريخ المسكين عن التنفس) من المسؤول عن هذه الرؤية العدمية لموت التاريخ ؟؟ الدارسون والأكاديميون الذين انتجوا النصوص المدرسية والمباحث الاكاديمية وخانوا التاريخ والحقائق بقوالبهم الجاهزة ورؤيتهم المحدودة ، يقول غاليانو ( كذبوا عليه في المدارس واغرقوه بالتواريخ وسجنوه في المتاحف ودفنوه تحت اكاليل الزهور وتماثيل البرونز والتذكارات الرخامية) .

2

يصف غاليانو الر جل الناجح في عالمنا النفعي المعاصر وصفا بليغا يليق بنفعية هذا الزمن وأناسه المتحولين إلى خدم للمال والأشياء بعد أن باعوا الروح لشيطان السوق وقوة السلطة التي تتطلب من الناس أن يفهموا ويتبنوا أساليب التربح من كل شيء يرونه فيكشفون بذلك عن موت مخيلتهم وجفاف قلوبهم وتحولهم من كائنات إنسانية - بلغت شأوا بعيدا في تطورها - الى آلات لقياس الجدوى والربح ، يتربحون حتى من موتهم الشخصي ، الرجال الناجحون كما يصفهم غاليانو بسخرية مريرة هم من طراز الرجل : ( الذي لا يستطيع أن ينظر إلى القمر دون أن يقيس المسافة ، ولا يستطيع أن ينظر إلى شجرة دون أن يفكر بالحطب ، ولا يستطيع ان ينظر إلى لوحة دون أن يحسب السعر ، ولا يستطيع ان ينظر إلى امرأة دون أن يحسب حساب المجازفة ) ياللنجاح العصري من عبودية ، ياللرجل الناجح من برغي في عجلة المال والنفعية ، ويالضيعة الروح والجمال إزاء ادوات القياس والآلات الحاسبة ، لقد فقد العالم إحساسه بسحر الطبيعة يوم حول العلم النفعي الذي وظف للتدمير والتجارة – كوننا الجميل الشاسع - الى نظريات وأرقام واحتمالات ربح متجاهلا دور المخيلة و سعة الأمداء الروحية التي جعلت من البشري المتوحش الفظ صياد الضواري انسانا ، النجاح العصري في أيامنا مستند في معظم حالاته إلى صفقة بيع الروح للشيطان ، إلى لعبة فاوست التي أسقطته من إنسانيته إلى حضيض الكائن المستعبد لأهوائه ، الذليل المترنح بين الموت والحياة كل آونة .

3

ينبهنا غاليانو الى كيفية نمو الديكتاتوريات في عقولنا وأرواحنا وسلوكنا الإنساني وبكونها تتغذى حتى على أرق وأعذب مشاعر الحب والأمومة مثلما تتغذى على اقتصاد السوق وحرية التعبير الزائفة ويصف مصادرها بالدكتاتوريات اللامرئية : ( الأم المضحية تمارس دكتاتورية العبودية ، الصديق الموسوس يمارس ديكتاتورية في أعمال المعروف ،الفضيلة تمارس ديكتاتورية الديون ، الأسواق الحرة تسمح لنا أن نقبل الأسعار المفروضة علينا، حرية التعبير تسمح لنا بأن نصغي لأولئك الذين يتحدثون باسمنا، الانتخابات الحرة تسمح لنا بأن نختار المرق الذي نُطبخ به) فالأم التي تضحي تحمّل ابناءها وزر عبودية ابدية والصديق الذي يقدم العون يفرض سلطته والفضائل تحملنا الديون لكل من حولنا مثلما تستعبدنا حرية التعبير وهي تتيح لكل منتفع التحدث باسمنا في الخطابات السياسية والبيانات والشعارات ، أما الانتخابات الحرة كما علمتنا خبرتنا في العراق فقد سمحت لنا –يالبؤسنا - ان نختار المرق الذي يطبخنا به الساسة على نار متقدة كل صباح.