Facebook
مدينة في عيون حمار PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: سعد محمد الموسوي   
الإثنين, 15 آب/أغسطس 2011 10:52

7maar
في حدائق- كولنك ووّد في ملبورن الاستراليه وعلى مقربة من سكني كنت ذات صباح بمحاذاة نهر يارا. استوقفني حماركان يتطلع الى معجبيه من وراء اْسوار مزرعته وهو يمضغ ببرتقاله والاطفال كانوا منهمكين باغرائه بالايس كريم وبالفاكهة وضحكاتهم تتعالى مشاطرين بهجة الحمار.

وقد كان العشاق والازواج ينتظروا دورهم ايضا في الطابور لاخذ صوّر تذكارية مع الحمار وكاْنة نجم سينمائي من مشاهير هوليود. حمار (كولنك ووّد) تمتد مزرعته الخضراء الوديعة االشاسعة بعيدا الى النهر. كان يلهوا وينهق بفرح شديد ويقترب من صبايا ملبورن وهو يشم ويعانق صدورهن وافخاذهن وينام على اكتافهن كطفل ٍ.

في ايام السبت والاحد عادة مايكون هنالك طابور يمتد من عدة اشخاص في انتظارالوصول الى ملامسة ومداعبة حمار (كولنك ووّد) وكاْنة مزار له مريديه, كنت مع الطابور في صباح الاحد الماضي وحين وصلت الى بواية المزرعه وعلى مقربه من الحمار المدلل السعيد التقطت له صورة كاْي معجب وتاْملت عينية.

في ذات اللحظة تذكرت حمير مدينتي الناصريه لاسيما (حمارعويد الاعمى) الذي اخترق ذاكرتي واختزل تضاريس الزمن, حمار ابيض هزيل موشم بسخام الارصفه وجسده خارطة المدن التي غمرتها التراب. واستحضرتني ايضاً وقفاتة القصيرة عند منعطفات الازقة والشوارع وهو يهش الذباب بذيله عن جراحات ظهره المدماة والتي احدثها السرج ووثاقه الجلدي القاسي.

حمارعويد الاعمى اعتاد اهل المدينة على مشهده اليومي وهو يجر بخزان طويل اخضرمعباْ بالنفط

يمخر عباب الشوارع والازقة الخرافية كسفينه متهالكه اتعبتها الرحلة الطويله ابتداءاً من شارع 19 الى شارع عشرين والحبوبي والشرقية .وحسب خبرتة الطويله في عمله اليومي الشاق كان يتعرف بسهوله على بوابات الزبائن ويعرف البراميل وصفائح النفط الفارغه يشمها احيانا ويرفسها احيانا اخرى حين يضايقوه اْطفال المحله النزقيين كان يعرف العتبات والوجوه ايضا وحتى الاسماء وحين يتوقف يَهمّ الناس حاملين براميلهم لملئها من صنبور العربة. عويد الاعمى عادة ما يتربع فوق مقدمة الخزان يجلس على وسادة وسخة وهو ينادي بصوتة الاجش نفط ....نفط... نفط متقاضيا الاجور من الزبائن بعد ان يعبؤا مايحتاجوه من وقود. لم اتخيل اي قوة وصبر يتحمل هذا المسكين حمار عويد لاسيما وهو يجر عربة اْكبر من حجمه بثلاث مرات اضافة لحمله سيده واحيانا يجلب عويد ولدة الصغير ذو الخمسة اعوام يجلسه بقربه فوق الخزان في رحلة النفط والمدينة. حمار عويد كان معروفا في مدينة الناصرية لكن شهرتة مختلفة عن شهرة حمار كوانك وود. فالاول عرف بشقائه وعطائه والثاني عرف ككائن محبوب ومدلل.

حمار عويد من شواخص المدينة يعرف ازمنة المدينة وامكنتها واناسها يخرج فجرا برحلتة كسيزيف وصخرتة الابدية الى محطة تعبئة الوقود (البانزين خانة) ويعود متهالكا كاْب اْسره مسؤول عن عائله كبيره وفي ساعات الراحة القليلة التي يلقاها في زريبتة اول طقس يبداْه يطلق العنان لنهيقه المتعالي في فضاء المدينة المنهمكه باعداد العشاء والتوضيء قبل اذان المغرب بدقائق. جميع الناس اعتادوا سماع صوت حمار عويد الذي ينم عن اْلم كبير وحنان وعشق للمدينة المنسيه الغافيه على جرح طويل وعميق يشطر المدينة نصفين وكاْنة الفرات نهيقه يكررة تماما بنفس الوقت من كل مساء وكاْنها تكات ساعة (بنج بن) اللندنية.

اِحدى المساءات الغريبة والتي كانت تخلوا من عويل حمارعويد والتي حملت قلقاً وتساوْلاً الى جميع الناس القريبين من بيت عويد القديم وزريبة الحمار استغربوا اختفاء صوت المدينة الذي اعتاد الناس على سماعه وبات كتقليد يومي من سمعيات المدينة لاسيما في شارع عشرين وشارع 19 ولسنيين طويلة.

لقد جاء اذان المغرب في هذا المساء الموحش ولاول مره يعلو فوق السطوح ولم يسبقه شجن حمار المدينة. بدافع الفضول والقلق عدوت بسرعة نحو بيت عويد في الشارع الاخر المحاذي لشارعنا لكي اعلم الامر,ففجعت بمراْى عويد جالسا القرفصاء فوق عتبة داره الموحشه وهو يجهش ببكاء طويل ومرير كاْغنية اْبوذية شجية تشج اْجمة القصب او كتراتيل بديله ينشدها على روح رفيقه الغائب. حينها عرفت ان الحمار رحل الى الابد, رحل عنا وعن عائلة عويد الاعمى ,عن مدينة الناصرية الشقيه التي كانت تنام في عينيه رحل الى مدن سماويه اْخرى عسى ان يجد فيها ثمة مزرعة خضراء ونعيم واطفال وايس كريم وصبايا يداعبن رموشة الحزينه.

مساء ملبورن 2011

• اثناء كتابتي للنص ذهبت الى مزرعة ميكي والتقطت له تلك الصورة.