Facebook
متأخرة!!! شهادة النهر PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: الدكتور محمد الواضح   
السبت, 22 نيسان/أبريل 2017 21:53

m7mdalwad7e copy
هناك في الجزء الأيسر من الجسر الفاصل بين الأعظمية والكاظمية يشخص شيخ حكيم قلق يتكئ على عصاه ويرقب المارين الآتين من كل أرجاء المعمورة وهم يحثون الخطا دون تقهقر أو سآمة، وقد علت وجوههم غبرة من أثر المسير متشحين بسواد وحزن موغل بالقدم كأنهم على خصومة دائمة مع التأريخ، تأريخ يعتقدون أنه ساخر ومشحون بحكايا الخذلان والكراهية. وبينا هم يواصلون المسير انتاب هذا الشيخ شيء من الفضول عما يجري من حوله، وحاول أن يقترب من امرأة تخط بقدميها والكبر والتعب والإعياء باد عليها، والمسير قد نهك قواها، استوقفها سائلا: إلى أين تولين بوجهك أمة الله؟ ألا تستريحين قليلا! من وعثاء الطريق، لم تلتفت إليه فأومأت بيدها المرتعشة -تهم بنفسها كمن يتوق للقاء معشوق أضنته تباريح الانتظار- إلى الشمس وكانت وقتذاك يساور المغيب قرص وجهها بشفق الرحيل، ثم مضت وتركته يعاقر حيرته ولم يفهم كنه إيماءتها، وانكفأ مطرقا دون أن يجد من يدفع هذه الحيرة شاقا طريق السائرين، وإذا برجل طاعن بالسن يمر بجانبه وهو يتمتم بكلمات وجمل تبدو ملغزة ومتشظية إلى حد ما، أخذت تتناثر من صوته المبحوح: (الظليمة الظليمة، النفاق النفاق، السياسة ويلمها السياسة!!، خذلوا الصادقين، من يخلص الفتى؟، الفقهاء عباد السلاطين، وحديث عن السنة، والسنتين.....) لوّح بعصاه نحوه يريد أن يرأب صدع هذه العبارات ومدلولاتها فلم يرعو له هذا الرجل ودلف يقارب خطاه ليتم مسيره إلى حيث العاشقون هائمون...
ازدادت حيرة هذا الشيخ الحكيم ثم رفع وجهه نحو السماء باحثا عن خيط رابط تلتئم فيه تلك الأحجيات كأن التأريخ تدور دائرته ويأخذه إلى عالم آخر يوقظ في نفسه ما تعسر عليه فهمه وتأويله من حديث الرجل عن الفقهاء والسياسة والسنة والسنتين، وبينا هو كذلك، أخذ السائرون يتزاحمون على أديم الجسر كأنهم قِطَعٌ من الليل تتراءى للبعيد!! ، وفجأة عمّ المكان صوت مهول كأن غربان الكون كلها تجمعت لتنعق بصور إسرافيل، وإذا بهاتف من بعيد يصيح بالناس...انتحاري انتحاري يفجر نفسه محدثا زلزالا من الفوضى والتدافع والضنك وتحسب الناس سكارى من وقع الحادثة وماهم بسكارى، مشهد يغالب القوي فيه الضعيف، تعالى صراخ النساء والأطفال والشيوخ وخانقة الهواء تطبق عليهم، وليس أمام الناجي من الجسر إلا أن يلقي بنفسه من سحيق دجلة التي تتوعد من لايقطع قاعها بالهلاك... وهكذا بات تتلاطم عليهم البلاءات. بين الموت خنقا او غرقا، ولا ينجو منها إلا ذو حظ عظيم.
وإزاء هذه العويل فز الشيخ مصعوقا من هول هذه الصدمة وأخذ يتناخى بأبناء مدينته المتاخمة للكاظمية، شبحَ نظره نحو شاب أقبل عليه مسرعا تعلو محاسنه النجابة والشجاعة لبيك ياشيخ!! أي ولدي دونك الملهوفين والمستغيثين هلم إليهم منقذا، سارع هذا الفتى يقطع أنفاسه لاهثا يشق وجه دجلة مرة ينتشل امرأة وأخرى شيخا وطفلا مهدئا روع الخائفين، ومن ورائه يرفع الشيخ عقيرته ودموعه تتجارى على لحيته بعبارات النخوة والأخوة والإيثار واليد الواحدة، أي ولدي عليك المعول وفيك الرجاء، ادفع بيديك غول التفرقة والخذلان، كفِّر بطهرك خطايا التاريخ، فالخلود للأنقياء.
لم يكن هذا الشاب ليقاوم هذا العدد المكتظ المتساقط في نهر دجلة وهو ينازع أمواجه العاتية بحثا عن نسمة هواء لغريق بين يديه إلا أن يسلم نفسه للقدر لتفيض روحه بهدوء وطمأنينة قربانا لأهليه وأبناء بلده .
ولايزال الشيخ يصرخ متفاخرا لقد غسلت بروحك أدران التاريخ والنهر يدين الجسر ويدلي بشهادته بعد فوات الأوان......