Facebook
الخزانة المحفوظية .. PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: حسن مجاد   
الإثنين, 11 تموز/يوليو 2011 18:05

hassenmajed
تأملات في وجوه نجيب محفوظ في النقد العربي الحديث

قال الفراهيدي ( 175) في العين :( خَزنَ الشيء فلان يخزنه خزنا اذا احرزه في خزانة ، واختزنته لنفسي ، خزانتي قلبي ، وخازني لساني ) ج4-209 . وقال ابن فارس (395) في معجم مقاييس اللغة : ( الخاء والزاي والنون أصل يدل على صيانة الشيء ، يقال خزنت الدرهم وغيره خزنا ، وخزنت السر ) مادة خزن :178 .

ترتبط دلالات الخزن المعجمية بنوع المخزون وأهميته و تبقى في دائرة التمدن الحضاري بوصفه صورة من صور التحولات الكبرى في تاريخ البشرية بدءا من انسان الكهوف الى انسان الاقبية مرورا بانسان الابنية الشاهقة والمدن الممتدة على سواحل البترول ، فالخزن محاولة للحفاظ على أصل الانواع مقاومة لاحداث العطب والتلف ، وهو خزن يخفي المخزون عن الانظار ويكسبه جانبا من الرمزية والقدسية ، ومن هنا يصبح المخزون مقاوما لهزات التاريخ الكبرى التي تشعل نيرانها في ذاكرة شعب ما يشكل المخزون هويته التاريخية والعقدية والدينية ، لهذا ارتبط احتفاظ المخزون دينيا بدلالات الجبرية تنزيلا وتأويلا ولو بعد حين ، على حين لا يرتبط فلوكلوريا بدلالات الحفاظ ببقايا الغائبين وشواهدهم استذكارا لهم وتفجعا عليهم مما لحق بهم من صروف الدهر ونوائبه فحسب ، بل يشكل حياتهم ويصيغها ويبقيها مغروسة في رحمه ووعيه لانه ليس معطى تاريخيا بل ضرورة وجودهم وديمومة استمرارهم . من هنا تكتسب الخزانة بعدها الرمزي في تكوين المستوى الطبقي في المجتمع ، وتؤشر مديات الرقي الانساني في اطواره ، وتصبح السياسات القمعية مهددة بانقراض صروح وجودها وزوال سلطانها ، لانها تسللت خارج وصايا المخزون المشبع بالسرية والخفاء والمتلفع بحكايات المهمشين التي تنسج وتحاك في ظل غياب القدرة على التغيير والفعل الثوري ،والشعور بقسوة الاضطهاد الاقتصادي والقهر الاجتماعي وبشكل أوبآخر ولسبب أولأكثر تعمل السلطة على احتواء المخزون وافراغه من محتواه التاريخي والدلالي ، ثم مع التطور يصبح بالامكان تحويل مسار المعنى الى مركز الهيمنة ، ولنا في التراث شواهد ووقائع على احراق الكتب وتخزينها على حد سواء ، واصبحت الخزانة مؤسسة تديرها السلطة بكل تجلياتها الدينية والسياسية ، ويصبح مكان وجودها في قلب الصراع الديني والتنابز السياسي ، وفي مركز العواصم الكبرى التي أنتجت التاريخ وأسهمت في تكوينه ، لعل اقربها الى الاذهان تاريخيا خزانة الاستانة ، وحملات المستشرقين والرحالة الاجانب والقساوسة والحاخامات ومشاهير رجال السلطة . من هنا ، ولكن كيف يفكر الاديب بمصير الخزانة وكيف يتجول في رواقها الطويل ؟، كيف يشعر نجيب محفوظ الروائي العربي الكبير بنفسه وهو يتأمل عوالمها السرية والمغلقة ، وكيف يقع مهووسا بالكتاب الذي وجد فيه عالمه الاولى والاخير، العالم الذي يمنح حياته صدقا ويكسب سيرته معنى، ، فهو في سنواته الاولى من تكوينه الثقافي شغوف بمتابعة ما صدر حديثا وقديما ، فهل فكر محفوظ يوما وهو يتجول في أزقة العباسية او الجمالية في ان يكون خزانة ، وكيف يكون شعوره بنشوة ان يكون مكتبة متنقلة تحملها عربات الخيول ، ليعيد رسم حارات القاهرة ونوافذ بيوتها وأبواب محالها واسطبلات مقاهيها من جديد ، فنجيب محفوظ واحد من هؤلاء الادباء الذين استطاعوا ان يحققوا حضورهم بشكل لافت ، ويشغلوا مكانا واسعا في تاريخنا العربي والثقافي ، فهل يمكن لنا أن نعد سر ظهور نجيب محفوظ وانتشاره بقوة عصرا من عصور النجومية العربية التي ظهر فيها نجوم كبار في حقول المعرفة والثقافة ؟.

هل يمكن ان تتحول عشرات الدراسات والمقالات الصحفية والدوريات الكبرى بمعظم لغات العالم الحية ، والكتب والدراسات النقدية، وسلسلة الاطاريح ، والرسائل الجامعية في الجامعات العربية والعالمية على اختلاف توجهاتها ومنطلقاتها الفكرية و مناحيهاالفلسفية، ومقارباتها المنهجية حول نجيب محفوظ وأدبه وسيرته ،أقول هل تتحول هذه الى خزانة كبرى لنجيب محفوظ لا بالمعنى الرسمي للكلمة فحسب ، بل بالمعنى الفني؛ لان عوالم محفوظ الروائية تحمل من التلغيز الشفيف والسرية مايشكل سمة بارزة في ادبه ، وما اشترك به المترجم محمد عناني مع الناقد ماهر فريد لا يشكل الا جزء بسيطا من الكتابة النقدية ، ولعل ميزة ما نشراه مقالة ادوار د سعيد المعنونة بـ "قسوة الذاكرة " ، وقد سبق ان نشرتها مجلة الموقف الثقافي العراقية في تسعينيات القرن الماضي ، وشعرت مجلة العربي الكويتية باهمية رؤية سعيد عن نجيب فنشرت مقالته مترجمة

ان محفوظ يعمل على خزن معناه بستائر وأغطية لا على نحو التعمية والابهام الذي يدلل على عقم التجربة بل على نحو الخيال الخلاق الذي يعيد قراءة الواقع بشكل مغاير ، من هنا يمكن ان نصف عوالمه بخزانة الادب الحديث ، أو بتعبير يدل على سَمْتِه وسِمَته بـ" الخزانة المحفوظية " .

ولعل هذا الوصف يقودنا الى التفكير بصياغته وجدوى محتواه الثقافي في سياق التحولات التي عصفت ببنية المجتمع العربي الذي عاش على الامال والاهداف الكبرى ، وبسياق التجربة المحفوظية وتحولاتها على الرغم من عدم وجود مساحة شاسعة بين تلك التحولات من الرومانسية الى التاريخية مرورا بالواقعية والرمزية ، والعودة مرة اخرى للتاريخ برؤية مختلفة كما في ليالي الف ليلة ورحلة ابن فطومة . فالتحولات في التجربة خاضعة لنمط المعالجة القصصية والرؤية الفنية ، ومن هنا يمكن ان نتلمس أثرا لثلاثيته في مراحل تالية ، وهو ميسم وسمت به اعماله ، الا اللهم ما يقال بصدد تجربته القصصية و استعاراته الدينية التي تبدو في بعض الاحيان تلخيصا روائيا؟؟ ، ولعل في هذا ما يقودنا للنظر الى المحاولة العصية على الامساك بصورة محفوظ وتحولاتها

هل يمكن لنا ان نقرر هكذا سلفا ان رحلة الرواية العربية بصحبة قافلة نجيب محفوظ تبدأ مسيرة أخرى وتتخذ لها طريقا مختلفا على اختلاف تحولات التجربة المحفوظية ونضوج الوعي الفني بمعمار البناء وحساسية الرؤية للواقع تمثلا وانعكاسا ، هل يمكن ان نجعل محفوظا مركزا لاستدارة فن القص العربي الحديث في المنتصف الثاني من القرن العشرين على طول رحلته الشاقة ومسيرته المتعثرة ، وما الذي يمكن لنا ان نجنيه بعد ذلك من ثمار نضجت تحت أفياء شجرته المباركة وسقتها يداه ؟، دعونا نشتط قليلا لنستحضر صورة الرجل القابع خلف نظارته ، الرجل الذي يتجول مع صحيفته صباحا ويحتسي الشاي في المقاهي ويتمشى في الاسواق ، يصفه رجاء النقاش في كتابه " في حب نجيب محفوظ " قائلا :- " يمشي على قدميه منذ نصف قرن خمسة كيلو مترات كل يوم .. ولم يغير هذه العادة في أي يوم من الايام " ، وللوصف دلالات تقترن بزمن كتابته التي جاءت بعد حصول محفوظ على جائزة نوبل اكتوبر 1988 ، تتجلى بابراز حساسيته العالية في المثابرة والمواصلة ، و إصغائه الى أعماق ذاته بهدوء .

ترى هل يمكن ان نكتشف تاريخا آخر للرواية خارج ملاحم نجيب محفوظ وانتصاراته وهزائمه معا .

تلك هي العقدة التي راح ضحيتها كثير من الادباء ، عقدة الشعور بالهيمنة والانسحاق تحت امبراطوريته الممتدة من الخليج الى المحيط رواية وسينما ، والوقوع في دائرة عالمه الروائي ، ثم ألم يعترف هؤلاء بعجزهم عن الخروج عليها ، ألم يتحدث جمال الغيطاني ويوسف القعيد مثلا عن خروجهما من عباءة الاب دون الخروج على عصاه ؟ ، ثم ألا يؤشر لنا هذا الاعتراف من هذين الكاتبين على الرغم من اختلافهما في الاتجاه والرؤية الفنية والسياسية مدى انتسابها الى تقاليد مدرسية ، وكأنهم ارادوا أن يبتعدوا عن سرب الخراط، ومجيد طوبيا، وخيري شلبي ، وخيري عبد الجواد ؛لكي لا يلحقهم أحد بالتجريبية الشكلية ، وهل نستطيع مع محسن جاسم الموسوي ان نتحدث بكل غموض عن تجارب روائية لاجيال مابعد نجيب محفوظ كما في كتابه " انفراط العقد المقدس الرواية العربية بعد نجيب محفوظ " ، ونعمل على اشاعته بعد ان تلقف هذا التقسيم الناقد و المترجم الاردني فخري صالح ليضع لنا كتابه المقالي تحت عنوان " قبل نجيب محفوظ وبعده " من دون ان نتلمس حقيقة حد هذا التقسيم وأثره الفعلي ، أ لان نجيب محفوظ ليس صورة نمطية ؟ كما يخالها النقاد العجالى ، ولم يكن وجها واحدا ابدا ، ولا بد ان ننتبه الى هذه الحقيقة ؛ لان مايقال عن رواية ماقبل محفوظ لا تتحقق مع محفوظ الثلاثية وليس مع رادوبيس او عبث الاقدار ، وما يقال عن رواية مابعد نجيب محفوظ ليس صحيحا؛ لان هناك نماذج هزيلة فنيا كتبها محفوظ منها عصر الحب ، وحب تحت المطر ، أي انها لا تشكل محورا يمكن ان يكون حدا فاصلا للمابعد وللماقبل ، والى جنب ذلك ينبغي التقليل من موضة السردية باتجاهاتها ولو على مضض لحين ما يتم اكتمالها في مشهدها ، والا سيتحول محفوظ في ضوء هذه الرؤية الى هيكل عضمي ؟ .

ترى من يستطيع ان يقرأ في عيون ابطاله الحالمين والمهزومين والمصابين بالدوار الثقافي والمأزق النفسي ، كلهم جميعا بلا استثناء، من يستطيع ان يقرأ في عيونهم عيونه ، ويلحظ هذا التخفي وراء أقنعة الشخصيات دون ان يرمى باشتطاط التأويل او زيغ البصر أو في أحسن الاحوال الاقتراب للوجه دون ان يلمح قفاه ، انه عالم يشيده ببساطة لامتناهية ويعقده بعمق ثري على حد سواء ، وهذا ما جعل تجربة محفوظ ثرية على مستوى الاداة الفنية و سعة في افق الرؤية للعالم وعصية على القراءة الاحادية ، وثراؤها يستقطب القراءات والشروح والتفسيرات المتعددة والمحتملة التي لا مرجوحية لأحدها على الاطلاق ، انها تبقى قراءة على نص ، و تلاوة لطرس لاتمنع من الوقوف على اركانه مرة اخرى .

ومن هنا أدرك محمود امين العالم لغز التجربة فسمى كتابه" تأملات في عالم نجيب محفوظ " ، هو تأملات في عالم فسيح ومترامي الاطراف ، وهذا ماقاد الدكتور عبد المحسن طه بدر للوقوف على الرؤية والاداة معا في تجربة محفوظ وملاحقتهما في سياق تطور التجربة الفنية والبحث عن جذورها الاولى وروافدها التي غذتها بالخصب والجفاف والطراوة والعمق ، مستبعدا القراءات القسرية التي حاولت ان تلج التجربة من خارج حدودها وتفرض رؤى وتصورات مسبقةعلى النص المحفوظي ، ومحفوظ في كل ذلك وجه جاد في النقد الادبي والدراسات الادبية ، ولكن هل نلمح له وجوها بصيغ اخرى ، فما ملامح وجهه في صحافة الامس واليوم ؟.

ترى هل يمكن ان نؤرشف لصحافة محفوظ؟ ، وبصيغة أخرى هل يمكن ان نتلمس حجم النقد الصحفي على اختلاف توجهاته وطرائق مقاربته حول نجيب محفوظ ؟؟، وكم ستساعدنا صورة محفوظ في الصحافة العربية لفهمها واستيعاب مضامينها ، ترى ماذا لو قام أحد فناني الكاريكتير لرسم صورة محفوظ ونشرها واذاعتها ، حتما ستكون هناك مئات الصور تقرأ جوانب من سحنة محفوظ الخلقية وتبرز الدلالات النفسية والسياسية في ملامح معبرة ، دعونا نتصور هكذا صورة لمحفوظ يبدو فيها رأسه صغيرا على حين تبدو نظارته كبيرة جدا ، ترى ماذا يعني كل هذا ؟؟؟ ، أو دعونا نتصور سوية صورة لمحفوظ يرتدي فيها ملابس نادي الزمالك الرياضي ، الا يغضب عليه جمهور الاهلي بكل اختلافهم العقدي والايديولوجي؛ ليثيروا سخطهم عليه ، ترى كيف يمكن لنا ان نقرأ صورة محفوظ الكاريكترية وهي تكشف عن التدهور الثقافي والانكسار العربي في ابهى عصوره الفضية ؟ ، في الوقت الذي يجب ان نلاحظ فيه ان كل هذه الصور وغيرها هي لأصحابها رؤية وتعبيرا وليست بالضرورة تعبيرا عن محفوظ !!!، ثم بعد ذلك كله نكتشف ان تلك الصور لمصوريها ، ومما أوحته ملامح وجهه الخارجي لهم من دون ان يشعروا انهم يصورون محفوظا من أعماقه المظلمة ؟

ترى هل وقع محفوظ أسيرا للعبة النجومية التي حظي بها ، وهل نالت من اصالة تجربته ؟ ، هل شعر بنشوتها الى الحد الذي كان عليه ان يتجاوزها ؟؟ أم أرقته وعملت على تعذيبه ؟؟ ، لربما قد تكون الاسئلة ساذجة غير ان الاجابة في غاية الخطورة لاسيما اذا عرفنا حجم الوعي الذي تركه محفوظ في جيل من الشباب العربي والجامعي في خمسينيات القرن الماضي وازدياد وعيه ونضوج رؤيته ،كل هذا نستطيع ان نقرنه بما احتفظت به ذاكرة شبابنا اليوم من صورة شاحبة وغبش في الرؤية الى حد الجهل به ، ترى كيف ينهار فجأة نجم بكل المعاني الثقافية ويتلاشى في ذهن شبابنا الى الحد الذي لا يعرف ، ولا اعرف مقدار المأساة ان ضممنا اليه طائفة من النخب الثقافية التي تحولت الى نجوم كبرى في جميع الفنون والمعارف ، فالقائمة تطول وذاكرة جيلنا اليوم تمحو ، لا اقول هذا الكلام بصدد الانتصار للقديم بلهجة أكلوني البراغيث أو الحنين الى ماض لا يعود ، بقدر ما أحاول ان افسر عبر تناثر الاسئلة حجم ذاكرة جيلنا الان وما يحفظ لمحفوظ وام كلثوم ومحمد عبد الوهاب وغيرهم من صور ومواقف .

ان ما كتب عن محفوظ وحوله متعدد ولا يمكن حصره ، اذ انه يشكل مكتبة في الادب العربي الحديث ونقده ، ويمكن لنا ان نظيف تعبير لويس عوض في هذا الصدد الذي اسماه بـ" المكتبة المحفوظية " ، فقد تعددت دور النشر والمطبوعات حول الظاهرة المحفوظية نقدا ودراسة ، على الرغم من اننا لا نطمئن لما يعرف بظاهرة محفوظ كتوصيف نقدي راج واشتهر بفعل الماكنة الاعلامية والاقلام الصحفية والملفات الدورية والاماسي الاحتفائية في معظم العواصم العالمية الكبرى من موسكو الى برلين ، ومن لندن الى باريس ، وجوه تتعدد لمسمى واحد شغل الساسة والاقتصاديين ، واختلف حوله اليمين واليسار بكل التناقضات الحادة التي عاشها العقل العربي بصيغته النخبويه وبتجلياته الشعبية .

اختلف حوله كثيرا وبعضهم من عده خارجا على نظم القبيلة حتى تعرض لحادث اغتيال في مساء يوم الجمعة 14 اكتوبر 1994وللتاريخ دلالة تقترن بتغير المشهد السياسي العربي برمته بعد الحروب التي خاضها في مشرقه، يظل محفوظ محتفظا بمساء ذلك اليوم ويتذكمره دائما ولا اعرف حجم المأساة التي عاشها مفكرا ومقلبا ببصره لهذا الجيل ، نراه يتذكر ذلك الحادث في مقالة له تحت عنوان " رحابة حلم " في اكتوبر 2006 قائلا :" الرجلان الذان هاجماني كانا ينفذان فتوى تبيح دمي بسبب اعادة اصدار احدى رواياتي التي كانت صدرت عام 1959 ، وهي أولاد حارتنا ... والشيء المفجع انه خلال محاكمة الجانين اتضح انهما لم يقرأا الرواية"

يني المتطرف الذي يعيد الى الاذهان صورة التحول الاولى وبواكيره الواضحة في التنازع والاقتتال التي عصفت بالمجتمع العربي في ظل سياسات التجهيل والخراب التعليمي ، والتدهور الاقتصادي فضلا عن تردي انماط علاقة العالم العربي بمحيطه الاقليمي والدولي ، من لحظات الحلم على ظهور دبابات الثورة الى لحظة الغثيان على سلم أوركسترا الهزيمة و النكسة .

مع محفوظ وعوالمه نستطيع ان نقرأ تاريخنا القريب ، فعلى الرغم من معمار البناء الفني ودقة احكامه من عدمه الا انه استطاع ان يقدم نماذج روائية يتفحص من خلالها خلل التركيب في نسيج المجتمع المصري من البلطجية والفتوات و المثقين وانصاف المثقفين بأوهام احلامهم ، ،و مع محفوظ يمكن ان نقرأ تاريخ الموظف في الدوائر الحكومية العربية ولحظات صعوده الكبرى على أشلاء الاخرين نماذج مهمة من الطبائع البشرية ، سالم الاخشيدي في القاهرة الجديدة و سرحان البحيري في ميرامار و عيسى الدباغ في السمان والخريف ، وغيرهم .

في كتابه دراسات في النقد والادب يصف لويس عوض المغامرة النقدية حول نجيب محفوظ وادبه بقوله : " ما عرفت كاتبا من الكتاب ظل مغمورا مغبونا مهملا عامة حياته دون سبب معلوم ، ثم تفتحت أمامه كل سبل المجد دفعة واحدة في السنوات الخمس الاخيرة دون سبب معلوم ايضا مثل نجيب محفوظ وما عرفت كاتبا رضي عنه القديم والحديث ومن هم بين بين ، مثل نجيب محفوظ ، فنجيب محفوظ قد غدا في بلادنا مؤسسة ادبية او فنية مستقرة ، تشبه تلك المؤسسالت الكثيرة التي تقرأ عنها ولعلك لا تعرف ما يجحري بداخلها ، وهي مع ذلك قائمة وشامخة ، وربما جاء السياح ، أو جيء بهم ، ليتفقدوها فيما يتفقدون من معالم نهضتنا الحديثة ، والاغرب من هذا ان هذه المؤسسة التي هي نجيب محفوظ ليست بالمؤسسة الحكومية التي تستمد قوتهامن الاعتراف الرسمي فحسب ، بل مؤسسة شعبية ايضا يتحدث عنها الناس بمحض الاختيار في القهوة وفي البيت وفي نوادي المتأدبين البسطاء "

في ضوء هذا التصور النقدي الذي يدرك أهمية محفوظ في المشهد الثقافي هل يمكن ان نستنتج ما يمكن ان نؤسس عليه لاحقا في إضاءة عتمة ما لحق بمحفوظ من وضوح وبيان للوهلة الاولى التي اشاعتها الكتابات المتعجلة التي لحقت به وتابعته منذ بواكير كتاباته النقدية لاسيما من كورس النقد الذي أشاع مفاهيم نقدية البرجوازية الصغير والصراع الطبقي ورواية الاجيال والروايوة النفسية وعقدة أوديب في طريق محفوظ وثرثرته .

مع محفوظ نبدأ تاريخا للقص العربي الحديث وننشغل بتأويله طويلا على حين يبقى محفوظ راقدا في سرير منفاه الاخير ، اترى ثمة مفارقة في الامر تستدعي النظر والتأمل ، ولا بد لنا ان لا نأخذ أراءه الانطباعية في ما كتب عنه ، نراه يقول لجورج طرابيشي في صدد كتابه " الله في رحلة نجيب محفوظ الرمزية :" بصراحة اعترف لك بصدق بصيرتك ، وقوة استدلالك ، ولك ان تنشر عني بان تفسيرك للاعمال التي عرضتها هو اصدق التفاسير بالمناسبة لمؤلفها " ، لا يمكن ان نأخذ برأيه على الرغم من وجاهته وصحته من عدمه ، لا لاننا سنظل محكومين بإرادة المولف وسطوته ، بل لاننا سنقصر المعنى المحفوظي ونغلق مدار دلالته المفتوحية التي تستدعيها ثراء التجربة والقراءة معا .

هل نحن وقعنا في مقالنا هذا في متاهة البحث عن وجوه محفوظ المتعددة في النقد الادبي والثقافي ، وهل لنا في هذا الوقوع ما يبررره منطقيا على الاقل في نصوص محفوظ القصصية والروائية ، في مجموعته الموسومة بـ" دنيا الله " نقرأ قصة لمحفوظ تحت عنوان : زعبلاوي " ويقول على لسان احد ابطالها : " على اني اجد زعبلاوي " ، واذا قرنا التجانس الصوتي بين زعبلاوي دنيا الله وجبلاوي اولاد حارتنا يتبين لنا المعطى الرمزي والديني في موروث محفوظ الادبي ، ويكشف لنا موضوع البحث عن الغائب في مرحلة من مراحل نجيب محفوظ الروائية الرمزية التي تجلت في رواياته " صابر الرحيمي في الطريق ، وسعيد مهران في اللص والكلاب وغيراها ، اما مجاميع النقاد لابد ان يخضعوا في قراءاتهم للمعطيات التاريخية والاجتماعية الراهنة لهذا نجيب في النقد الادبي قبل الثورة ليس نجيبا في صورته بعد الثورة ، بوصفها مفصلا تاريخيا يحرك الرؤية ويعمق الاحساس بحالة ما وتفرض اثاره على البيئة والفردج والمجتمع .

ومن هنا ما نجده من تناقض في الاراء النقدية حول ادبه لا يمكن ان يخضع لجانب واحد ولا يمكن ان نصفه بمصفوفات التناقص فرواية "بداية ونهاية" بين منظوري عبدالقادر القط و عبدالمحسن طه بدر مختلفة فالقط يعدها من روائع محفوظ على حين يراها طه بدر رواية مهزوزة الاركان ، وقس ذلك على نتاجه من منظورات مختلفة على الرغم من وحدة التكوين الثقافي العام الذي اسسته الثقافة المصرية والتلاقح المعرفي بدءا من عبد العظيم انيس ومحمود امين العالم وغالي شكري وعبد المحسن طه بدر .

وقد أشيع ان ماكثر القول فيه ينبغي ان لا نفضي اليه مرة اخرى في عوالمه ، الا يمكن ان نعد عوالم محفوظ بخزانة المكتبة المحفوظية التي لا بد ان نضيف اليها دائما ونرعاها بدراسات جادة تعتمد المغايرة والرؤية والتصور الذي لا يعيد المكرر ويجتر الافكار او يعمل على التلغيز والالتباس في الكتابة النقدية .

انه سؤال اخر لا نعد أحدا على اشعال جمر تعدده في مقال لاحق عسى ان نفتح صفحة من المنسي لنتجول في رواق الخزانة بمتعة فائقة