Facebook
لعبة كبار PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: عبد الامير المجر   
الإثنين, 26 أيلول/سبتمبر 2016 17:34

3bdalaemeer
دخل (زيد) فضج الحضور بالضحك، كان الثالث الذي يدخل البيت، بلباسه النازي، الذي يحاكي به الزعيم هتلر، إذ سبقه (سرمد) مرتديا قيافة موسوليني ، أما (سعدون) فكان نصيبه ستالين، فيما لعب (رمزي) الممتليء والقصير بعض الشيء، دور تشرشل، وأخيرا حل (سامي) بدور ترومان، بسدارته الشهيرة، وبذلك إكتمل عقد القادة الكبار الذي سيمثله الصغار، لمناسبة عيد رأس السنة، التي جمعت عوائل الأطفال .. الحكاية بدأت بطرفة، حين قالت أم أحدهم وهي تمازح صديقتها، ان إبنك يشبه موسوليني ، فردت الأخرى عليها، وإبنك يشبه هتلر، ثم تعالى الضحك، عندما قال أب آخر لصديقه، وإبنكم يشبه ستالين، ليجدوا انفسهم أمام لعبة كلفتهم، خياطة ملابس تحاكي ملابس القادة الكبار وعلاماتهم ونياشينهم، التي توزعت صدور وأكتاف الصغار، فكان منظرهم مثيرا للضحك، وهم يدخلون على الأهل بعد أن حددوا موعدا للحفل.
كانت اللعبة تقتضي أن يجلس القادة الكبار، ويتناولون شؤون العالم اليوم، بعد أن كثرت الحروب الصغيرة، وكثر معها القتلى والمشردون، وكثر أيضا الجوع في دول العالم المتخلف، ولابد من تدخل القادة الكبار لحسم الأمر، وقد كان على الصغار أن يلعبوا الأدوار التي حددها لهم الآباء، في مفاوضاتهم التي أعدت لها طاولة مستديرة، يجلس خلفها الأهل ليشاهدوا أداء الأبناء الذين سينقذون العالم!
لقد شهدت المدينة قتالا عنيفا، بين ميليشيات متناحرة، لكن حدة المعارك خفت بعض الشيء، وصار بإمكان الناس أن يتزاوروا، بعد أن ظلوا لشهور أسرى بيوتهم، لايعلمون ماذا سيحل بهم، إذا ما وصلت الإمدادات من جديد للميليشيات التي يبدو إنها أفرغت حمولتها بالكامل على بعضها وعلى الناس والبيوت وكل مكان في المدينة ، ولم يبق لديها من ذخيرة، الاّ ما تحمي به نفسها من بعضها، ليترك هذا فسحة صغيرة من سلام، مكّنت العوائل من أن تلتقي وتقيم الحفلات، وتتندر أيضا على الحال الذي وصلت اليه بعد أن غادرها الأمن وجفت منابع الحياة من حولها.
طلب القادة، بعد الجولة الاولى من المباحثات، مغادرة الجميع القاعة، فخرج الآباء والأمهات وهم يضحكون، وكل منهم يناكف الآخر مازحا، إن (ستالين) كان أفضل القادة، ويرد أب أو أم الآخر، بأن إبنهم ، (هتلر) كان هو الأفضل، وإنه سيجد الحل في الجلسة المغلقة، وهكذا ظلت القاعة تضج بالمزاح والضحك المتواصل، للآباء والامهات الذين ينتظرون، في الصالة، خروج القادة بالحل وإراحة المدينة من شرور الميليشيات، ثم راحوا يتناولون الكيك والمرطبات، ويتبادلون الحديث الذي يريدون أن يستفرغوا خلاله خزين الشهور الماضية كلها.
كان ليل المدينة هادئا بعض الشيء، وبالكاد يسمعون بعض أصوات اطلاق نار متقطع وبعيد، لم يعد يخيفهم، لأنه لا يعني شيئا، قياسا بما كانوا يسمعون من دوي وتبادل لقصف بالهاونات والقذائف الصاروخية، التي يمزق دويها أنياط القلوب، لاسيما حين يكون في الليل، ومن مناطق قريبة.
في الغرفة التي أعدت كقاعة لإجتماع القادة الكبار، كان الصمت وحده، يصل الآباء والأمهات، حتى ظنوا ان الأولاد أتعبهم حوار الجولة الأولى، فآثروا الراحة، وأراد بعضهم أن يدخل ليعرف ماذا يدور، لكن الآباء الآخرين منعوهم، لكي يتركونهم ينضجوا قرارهم بعيدا عن تدخل الآخرين!
بعد مضي بعض الوقت، أصخت إحدى الأمهات السمع الى الخارج عندما كانت قريبة من الشباك، وأصيبت بما يشبه الفزع حين سمعت رشقات متواصلة من رمي الرشاشات الثقيلة .. حاولت أن تخبر الآخرين المشغولين بالحفل والسمر، لكنها آثرت الصمت، لكي لاتفسد الجلسة الجميلة، ثم بدا الرمي أكثر كثافة، وصار أكثر من واحد ينتبه اليه، وساد بعض الوجوم جو الجلسة، بعدها أخذت اصوات الرمي تقترب وتتعالى بشكل مخيف .. حاول أحد الآباء الخروج ليتبين الأمر، فامسكت به زوجته الخائفة، وهكذا إزداد القلق، فركضت بعض الأمهات نحو غرفة الأولاد المجتمعين، وركض الآخرون .. دقوا الباب عليهم، لكن أحدا منهم لم يخرج، ضربوا الباب بقوة، ولكن لم يأت الرد أيضا، صرخت الأمهات، وتعالت أصوات الآباء الخائفين على أولادهم، وأيضا، بلا نتيجة، فباب الغرفة إستحال الى كتلة من كونكريت، أو خيّل اليهم ذلك، إزداد الرمي في الخارج وبقوة وبأسلحة ثقيلة، فشعروا إنهم باتوا أسرى في البيت الذي هم فيه، ولا أمل في العودة الى بيوتهم هذه الليلة ...
إبني ..صرخت إحدى الأمهات، وتبعها صوت أخرى، لكن الأصوات صارت تضيع وسط دوي المدافع والصواريخ التي جعلت البيت يرتج، ثم أخذت المدينة كلها ترتج، وكأن الارض أخذت تميد من تحتها، تعالى الصراخ المصحوب برعب لم يشهدوه من قبل، فالمدينة باتت تحترق والسنة اللّهب تتعالى باكثر من مكان، وصار همّ الآباء والأمهات التجمع في مكان آمن، أو في سرداب البيت الذي راح يرتج هو الاخر، ولكن كيف يتركون الأولاد في غرفتهم التي أغلقت عليهم، أو هكذا بدأوا يتخيلون الأمر، ولم يعد بمقدورهم فعل شيء، وظلوا في أماكنهم واقفين، والليل يمر ثقيلا تحت أصوات الرعب التي ملأت كل مكان.
حل الصباح، والجميع أنهكهم السهر والقلق، فيما كانت المدينة قد إحترقت بالكامل تقريبا، إلاّ إن صوت باب غرفة الأولاد، الذي انفتح بقوة، باغت الجميع برعب أكبر، فالأولاد، خرجوا واجمين يتبادلون الإتهامات، كل واحد منهم يتهم الآخر بأنه، هو من أحرق المدينة، لقد كانوا كبارا، تماما بأعمار القادة الذين قلدوهم، هتلر، ستالين، موسوليني، تشرشل، ترومان.. فيما كان الآباء والأمهات، ينظرون اليهم مشدوهين، بعد أن أصيبوا بالصدمة ولم يعد أحد منهم قادرا على الكلام.
عم الصمت كل شيء، وخرج القادة الى الخارج يطالعون ما حل بالمدينة، فكان عند الباب قادة الميليشيات، يقفون بإنتظام، صافحوا القادة الكبار بأحترام وأدب جم، وتحدث كل واحد منهم الى بعض قادة الميليشيات، ثم أمروهم بالانصراف.. عاد الآباء والأمهات ينظرون الى وجوه بعضهم ، مأخوذين بذهول جارف جعلهم يبدون كالبلهاء، أما القادة الكبار، وبعد أن وقفوا ينظرون لبعضهم، قرروا أن يستأنفوا الحوار، وحين دخلوا الغرفة، أغلقوها عليهم لبعض الوقت، ثم خرجوا.. خرجوا صغارا عراة، يجللهم الصمت، ينظرون بوجوه آبائهم وأمهاتهم، قبل أن يرتموا بأحضانهم، وهم يجهشون بالبكاء.
من مجموعتي القصصية (ما لايتبقى للنسيان) الصادرة عام 2015