Facebook
مواسم الخروب PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: د. عمر عتيق   
الثلاثاء, 16 شباط/فبراير 2016 10:13

sal7klfawwee
قراءة في مجموعة قصصية للقاص صالح جبار خلفاوي – تقنيات أسلوبية فـي (مواسم الخروب)

الكشف المبكر عن ملامح الشخصية في قصة « آنية الصفيح « يحشد القاص ملامح الشخصية الرئيسة ، ويمكن تسمية هذا الحشد بـ « تقنية الكشف المبكر « عن النسيج النفسي والسلوكي للشخصية ، وتعد هذه التقنية انزياحا أسلوبيا في المعمار الفني للقصة القصيرة ، وظاهرة تستحق التأمل ؛ وذلك أن المألوف في البناء الفني للقصة القصيرة أن تتجلى معالم الشخصية من خلال تفاعل العناصر السرية الأخرى وبخاصة التفاعل التراكمي للحدث . ولو تأملنا استهلال القصة ((سئمت أبي هذا الرجل الطويل والأنيق ببدلته الكحلية لم يعرنا اهتمامه ترك لنا الحبل على الغارب يتسلل الى خارج البيت ماضيا لمواعيد لا تنتهي يقضي وقتا طويلا في اسواق العطارة يتبضع المنشطات دائب البحث عن الاصباغ السوداء ليدهن شعره الكثيف)) لوجدنا أن الاستهلال يختزل الجينات النفسية والسلوكية في القصة كلها . وأزعم أن الكشف المبكر عن معالم الشخصية يهدف إلى تهيئة المتلقي لاستيعاب الانزياح الأخلاقي لشخصية الأب ، وانهيار منظومة القيم الأسرية بين الأب وابنه ؛ إذ إن أحداث القصة تعد خروجا عن المألوف ، وتجاوزا لمساحة التوقع لدى المتلقي . ولهذا جاء الاستهلال انزياحا فنيا لينسجم مع الانهيار السلوكي للأحداث . البنية الدلالية لأسماء الشخصيات.تكاد قصص المجموعة تخلو من أسماء الشخصيات والأماكن الجغرافية . أما غياب الأسماء فيبرره حرص القاص على معاينة قضية « الإنسان « في تجلياته النفسية والفكرية ؛ فيرسم انتصاره وانكساره ، وأحلامه ، وآلامه ، وماضيه وحاضره مستشرفا مستقبلا يكتنفه الغموض والانتظار .وما دامت تقنيات القصة القصيرة في بعدها الموضوعي أو الفكري تنحاز إلى إنسانية الإنسان فإن اقتران الشخصية باسم محدد قد يضيق البعد الإنساني لها ، ويختصرُ دلالتها إلى دلالة أو إيحاء اسم يحيا في ذاكرة المتلقي . وأما غياب اسم المكان فيبرره حرص القاص على جغرافيا الوطن أكثر من حرصه على عنوان محدد أو اسم مدينة ما . وحينما يوظف القاص اسما فإنه يعمد إلى التوظيف الفني الدال للأسماء . وأزعم أن التوظيف التوافقي بين الاسم ودلالته الإيحائية من حيث صفات الاسم وسلوكه لا يحقق إثارة في ذهن المتلقي كما يحقق التوظيف الضدي نحو ما تجلى في قصة ( إسقاط ) التي وظف فيها القاص اسمي ( أيوب ونضال ) توظيفا ضديا حقق إثارة وجاذبية ؛ فالزوج ( أيوب ) لم يصبر طويلا على زوجه التي تعاني من الإجهاض المستمر ، فطلقها ، وتزوج عليها . والزوجة ( نضال ) لم تصمد أمام رغبة زوجها بالإنجاب منها ..فتركت البيت ، ولجأت إلى بيت شقيقتها . فالاسمان تجردا من دلالتهما الموروثة في الذاكرة الثقافية ؛ فلا « أيوب « صبر « ولا « نضال « قاومت وصمدت . وقد حقق القاص ثنائية دلالية بين خلو اسمي الشخصيتين من دلالتهما الموروثة وما رافقهما من بيئة نفسية تتسم بالحزن وانكسار الرغبة وهزيمة الحلم ، والمحيط السردي الوصفي الذي رسم فضاء متناقضا مع الفضاء النفسي للشخصيتين ، كما يتجلى في وصف السارد : ((استدار قابل وجهها الذابل القد الممشوق صار هزيلا سحنتها صفراء أبتعد عنها الى الشباك حيث الحديقة الصغيرة أمامه .. تطلع للسدرة العتيقة تمرق بين أغصانها طيور وعصافير تسقسق جذلة .. بينما نضال تقف خلفه تمضغها الأحزان غصة مريرة في فمها .))التعليل السردييعمد القاص في غير قصة من مجموعته إلى تعليل البواعث النفسية لسلوك الشخصية ، وبخاصة إذا كان السلوك خروجا عن منظومة المألوف ، ويتخذ القاص من تأثير السياق المكاني حاضنة لتشكل الباعث النفسي انطلاقا من أن البيئة المكانية توجه في الغالب سلوك الشخصية . ففي قصة( صدى العصي) يرصد القاصد نمو الشخصية وتطورها ...شخصية ذلك الرجل الذي حاز على قلوب رفاقه في المعتقل ، لكنه سرعان ما تحول من شخصية موثوق بها إلى شخصية منبوذة حينما ادعى «الخلوة مع الله « ، وزعم أنه المخلص المنتظر ! . وقد تخلى القاص على تقنية السارد المحايد وتبنى موقفا رافضا ساخطا لمزاعم الرجل الأفاك ، وشرع بتوظيف السرد لبيان الانحراف الفكري لذلك الرجل بقوله : ((من يصدق الخرافة لابد من القناعة بها .. ليعرف أهمية ما يعمل .. حدثت نفسي ،وتطلعت لما يجري أمامي ، أنها أسطورة قادمة من عالم خرافي لتحاك في رأس واهن من الإحساس بالمهانة. )) وكان أمام القاص خيار الحياد ليكون الحكم للمتلقي على شعوذة الشخصية القصصية . ولم يكتف القاص بتبني موقف معارض للانحراف الفكري للشخصية بل حرص على تعليل الباعث النفسي ليخلص إلى رؤية سيكولوجية سردية لظاهرة الشعوذة بقوله : ((انحطاط تفكيره سيجعله يخرج علينا ببدعة تمليها عليه حالته النفسية المتعبة فالسلوك الشاذ يبدو مألوفا لوقع المعاناة .....اعتقدنا مثل هذه الأمور عادية جراء الحجر والمعاملة القاسية مع الشعور بالمهانة يولد إفرازات تطفو على السلوك للتعبير عن حجم الاضطرابات التي يعيشها المعتقلون)) وتفضي هذه الرؤية السيكولوجية السردية إلى سجال نقدي ينطلق من مسارين ؛ مسار نقدي ينتصر لنظرية التلقي ،فيدعو إلى توسيع مساحة حرية المتلقي في التعليل والتأويل بترك الحدث السردي دون تعليل أو تفسير ليتسنى للمتلقي التأمل والتفكير واتخاذ موقف فكري يتناسب مع بنيته الثقافية