Facebook
ذاكرة الحلم PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: سعدي عباس العبد   
الأربعاء, 06 تموز/يوليو 2011 17:26

AdamandEve
لا يدري متى بدأ المكان يضيق به ؟ نهض ذات نهار ما ، من نوم مديد ، فوجد كل ما يحيط به غامضها ! فأنذهل كيف حدث ذلك ؟ او كيف فطن الى تلك التحولات ، رغم انها كانت تجري باستمرار ، على مقربة من دكانه ، بتلاحق مدهش فألبيوتان التي كانت تقع على جانبي الدكان ، تلاشت أغلبها على نحو مبهم ، لم يلتفت اليها ، كان كل شيء يحدث ، يمر سريعا بلا أدنى نأمة ، دون ان يترك أثرا ، كما لو ان شيئاً لم يحدث ! وجوه غابت عن عينيه من دون ان يفطن حتى السوق المجاور بات مقفرا ، وامسك عن التدفق بذلك اللغط المحوم في الزحام والريح طوال ساعات النهار أندهش حالما لاح في ذاكرته بائع الصحف الذي يماثل الفأره في انفه الدقيق ورأسه الصغير الحليق على الدوام ! مفترشا أكوام من ( الجرايد) المنوعة بجانب الدكان ترى متى التقى به اخر مرة ؟ جعل يعصر ذاكرته بقوة كأنه يروم اخراج بائع الصحف من رأسه بكامل ملامحه الفأرية ،شعر انه لن يستطيع ان يتذكر شيئاً البته كان النهار لايزال في ذروته لما سمع وقع بساطيل يدنو رويدا ، جفل ورفع يديه عن رأسه المؤطر بفروة ناعمة من الشعر الابيض ، الملتمع كالثلج في نور النهار المفروش في الداخل ، ازاح كرسي الحديد وطفق يحملق في الخارج لم يمر وقت طويل لما تلاشى وقع البساطيل ، ولكنه مكث يحدق ذاهلا في الفراغ المخيف ، بدا الشارع غريبا ، ماذا حدث ؟ انه لم يكن كذلك حتى مساء البارحة ! هجس كما لو انه لم يعد هو ! فأصابه الفزع ، كأنه وجد نفسه فجأة وسط مدينة أخرى ، لم يرها من قبل ، مدينة تكتظ بحفيف العصف والقذائف ، ،شعر بغته ، كما لو ضوء فاتر شحيح ينحبس من ذاكرته ، ويقوده بأناة فضاء قاتم ، فتحقق من ان ما حدث كان واقعا مهولا ، جرى قبل ايام .. ولكن أين ؟ كان من الصعب ان يتذكر تفاصيل كل ماحدث لعل امرأته تتذكر ، أين كان ايام القصف ؟ فتذكر فجأه ولكنها ماتت أو - هكذا خيل اليه - فهو منذ اكثر من أسبوع لم يرها في البيت ولا حتى احد من الاطفال ، ولكن من تكون تلك المرأة التي اكتشفها نافقة في المطبخ كان فضاءه المفعم برائحة الدخان يغص بالجيران ، حدث هذا في اول نهار القصف ..( ولكن اين قضيت اليومين المتبقيين من عمر القصف !؟لا أدري . وكانت ذاكرته لاتزال تتعثر وهي تزحف على مهل صوب ايام القصف . اليوم الاول كان مثل ريح عاصفة . كنست حشودا من المخلوقات المستكينة ، ولكن ماذا عن الوقت الذي اعقب ساعات اليوم الدامي ؟ كيف هو !! لا يتذكر . وجد نفسه محاصرا وسط جدران من ظلام او كأنه اعمى فمن الصعوبة ان يبصر ذيول الارتال التي توغلت عميقا في فضاء الشلرع الممعن في الطول بيد انه لايزال يسمع هتافا يأتي فاترا من بعيد ،كأنه يتدفق عبر أزمنة سحيقة ؟ اقرب الى عويل رخي واهن ، في اللحظة التي اقتعد فيها كرسيا ، لمح طلائع موكب ، كان الشارع فارغا وحيدا ! حزينا ، مسلحا بالصمت واليأس ، ينتشر خرابه حتى عند الجهات البعيدة ! وكأنه ينتظر ان تمر عليه اقدام اليفة ، غادرته منذ خراب لا يضاهي او نسيته في غمرة مكابداتها ولمخا توارى الموكب في احد المنعطفات العديدة المقصوفة بالقذائف ، تساءل ، متى حدث ان رأى هذا الموكب يمر من هنا ؟ أيكون قد مر في ضحى ذلك اليوم الذي كان فيه مشغولا بترميم واجهة الدكان ؟ ام عندما كان يحادث بائع الصحف عن شؤون البلاد ؟ لا يدري ولكنه كان يسمع دويا يتصاعد في الفضاء ، ويرج الابواب المغلقة والجدران وبدنه ، هل غادر موضعه عند اشتداد القصف ؟ ام بقي مشدودا الى الخراب ؟ مرابطا في دكانه .ولكن الهلاك كان قد حفر عميقا في مفاصل المدينة حتى الكلاب تتلاشى نباحها لم يبق سوى اليأس والريح !!ولكنه شعر في وقت ما ، وقت مدهش ، بارتجاج عنيف هز اركان الدكان ، بيد انه لا يتذكر هل غادر ؟ ام مكث غير مكترث لما يحدث ؟ ولكنه في اليوم التالي ، يذكر انه رأى امرأة تبكي غير انه لا يعلم أكانت امرأته ام احدى النساء اللواتي نجون من الكرثية ( باعجوبه) !؟ كانت قوية وهي تذرف الدموع ، كما لو انها كانت تعرف كل شيء ، او كان لم يفصلها عن الموت سوى حاجز من بكاء او حاجز من السرفات ، التي كان يسمع صريفها حادا في اول نهاية الضحى . والان عندما يروم ان يستعيد ملامحها عبر ذاكرته قبل حلول الخراب ،يشعر بارتباك عويص ، ملتبس للغاية ، فكلما يعصر ذاكرته ضاغطا بقوة يأس مذهلة ، يجد نفسه كأنه محلق في فراغ مخيف ، لم ير ما حدث بوضوح ، لم ير غير اشارات ضؤية فاتره ، بعيده للغاية ، تلوح عبر ذاكرته ، ولكن ما يدهشه هو كيف انه لايزال موجودا في الدكان !!؟ كأنه لم يغادره منذ (3) حروب .