Facebook
عروس باريس .. PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: حسن النواب   
الإثنين, 30 تشرين2/نوفمبر 2015 17:18

7sssnalnwaaab copy
نصف ساعة تقريبا ، وتبدأ مراسيم زواج العروس الجزائرية "جميلة" من الشاب الفرنسي "ألن" الذي أشهر إسلامه حتى يقترن بها ، كانت في بدلة زفافها وبزينتها العربية المعروفة بغلوائها تبدو كأيقونة أندلسية ثمينة بعيون الناظرين ، وقبل ان يأخذها الى مخدع العرس بفندق في شارع الشانزليزيه ، جفل المحتفلون اذ سمعوا صوت انفجارات متتالية هزت عاصمة النور باريس ، كان عليهم ان يتريثوا ، لإستبيان ماحدث ، لم تمر الاّ دقائق حتى عرفوا ان تفجيرات إرهابية طالت المسرح الكبير ومناطق متفرقة أخرى ، احدها كان قريبا من ملعب مباراة كرة القدم ، حيث تجري على عشبه مباراة بين المنتخب الفرنسي والألماني ، أي نحس يرافق هذه البنت الجزائرية "جميلة" ، قوّض العرس على حين غرّة وإنصرف من جاء لمباركة هذا الزواج الذي أضاف الى امة الإسلام مسلما جديدا ، ومع حمّى الأسئلة عما حدث ، إكتشفت عائلة جميلة ان الشاب الفرنسي ألن اختفى فجأة ، حاولت العروس الإتصال به ، هاتفه يرن لكنه لا يرد ، كررت المحاولة اكثر من مرة دون جدوى ، صعدت قانطة ومنكسرة الى غرفتها ، ظلت شاردة وعبرات حرّى تنزلق على خدّيها المتوهجين بحمرة كأنها شفق الفجر ، خلعت فستان زفافها وإرتدت ثوبا داكنا ، كأنها تعلن من خلال لونه الأسود عن حداد مؤلم بيوم عرسها ، لم تنفع تهدئة الأم لها ، ظلت تبكي وتندب حظها العاثر ، عندما أطلّ الصباح ، كان كل شيء قد تغير ، عريسها الفرنسي ألن بعث برسالة قصيرة الى هاتفها الجوّال يخبرها انه يعتذر عن الإقتران بها ، وعليها ان تفتش عن وحش إرهابي يليق بمذهبها الديني ، كانت رسالته وقحة ولا تخلو من القسوة ، لقد خسر المسلمون فردا ، دخل الى دينهم عن قناعة ، لكنه تبرأ عن ذلك الآن ، حاولت ان تكلمه ، هاتفه اصبح مغلقا امامها ، ادركت انها فقدت ألن الى الأبد ، ليس هذا فحسب ، إنما علمت ان والدها عاد من الشركة التي يعمل بها وعلى وجهه كآبة موجعة ، لقد سرحوه عن العمل بإجازة طويلة دون راتب ، بذريعة فائض العاملين عندهم ، عذر مكشوف ينم عن احتجاج واضح عمّا جرى لأبرياء فرنسيين من قبل ثلة وحوش رفعت راية الإسلام ظلما وبهتاناً ، باريس هرب النور من وجهها بغتة وحلّ ظلام دامس على ملامحها ، لا أغنيات مرحة وصاخبة في الحانات ومقاهي الرصيف ، هناك موسيقى جنائزية تهيمن على حواس وعقول احفاد ديغول وسارتر وأندريه مالرو وآرثر رامبو ، وثمة اهتمام متجدد برواية" باريس هي احتفال" للكاتب الأميركي إرنست همنغواي التي تتضمن ذكرياته السعيدة خلال إقامته في العاصمة الفرنسية في عشرينات القرن المنصرم وتشكّل تحية لها، بدأ تهافت القراء لشراء نسختهم من الكتاب ، بعضهم وضع الرواية وسط زهور وشموع مضاءة أمام واجهة إحدى الحانات المستهدفة والتي اخترقتها الرصاصات، ويمكن إيجاد الكتاب قبالة مسرح "باتاكلان" أيضا، بعد يوم من الإعتداءات الإرهابية لم تتوقف المكتبات عن طلب تزويدها بنسخ هذا المؤلف والتي تنفد بسرعة قياسية، اصبح الإقبال مجنونا من قبل القراء الفرنسيين على رواية أرنست همنغواي التي كتبها عن باريس ، التي يتغنى بشوارعها وملاهيها ورساميها ، نفدت نسخ الرواية وطبع منها بسرعة مئات آلاف النسخ ، كأنهم يريدون بهذه الرواية ان يقولوا ان النور مازال يسطع في شعاب فرنسا ، لكن العروس جميلة نكبتها عظيمة ، فالذين فقدوا ابناءهم بهذه العمليات الإنتحارية الوحشية والجبانة كانوا اقل مصيبة من الشابة جميلة ، لقد نحر الإرهابيون فرحة إنتظرتها سنوات طوال ، وأجهضوا حلم عروس عذراء بمقتل عريسها ، لم يُقتل في قاعة المسرح ، ولاعند ملعب كرة القدم ، لقد قتلوا قناعته بالإسلام وأصبح أكثر تمسكا بصليب المسيح وهجر عروسه جميلة الجزائرية ، هاهو الآن يرفع يافطة قرب برج إيفل كتب عليها ، إطردوا ظلام هؤلاء من عاصمة النور ، بينما وقفت العروس جميلة عند نافذة غرفتها عندما جنَّ الليل ترقب الشموع التي توهجت بجوار المسرح الذي شهد مذبح اكثر من مئة إنسان أعزل ، كانت شقة عائلتها قريبة منه ، ظلت ترقب دمع الشمع يسيل بحرقة على باقات الورد وعبراتها تتساقط مثل نيازك تائهة على البلاط ، فبعد الذي حدث ، ماعاد هناك اي امل وجدوى ، ونحرت الأحلام التي كانت تنتظرها في باريس .