Facebook
شاكر لعيبي ومديات المحسوس PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: نعيم عبد مهلهل   
السبت, 25 حزيران/يونيو 2011 13:03

shaker
وسأمدحك أيتها الشريكة حيث سرير نومنا هو قاربنا

ونحن نجدف بأيدينا في الهواء من لجُـةٍ إلى لـُجة

حيث نجماتنا بعيدة واحتمال لذتنا كبير

حيث انضمام العواصف الكبيرة إلى العواصف الكبيرة

شاكر لعيبي قصيدة ( نموذج شعري مكتوب 1982)

تحت إشراق هذا النص يدخلنا الشاعر شاكر لعيبي في متاهة التعريف فيه ويرنا النص قامة واعية لما يسري في أوردة الروح من هياج عاقل للامتلاك . وهذه القصيدة أنموذج لمعرفة البوح ودهشته الغامرة العطاء والتي تجعل من المرأة المكمل الأبدي للحاجة الحضارية في كل مستوياتها .فالشاعر هنا وليد سرية الموروث وقدسيته وجماليته حتى في دهشة الحروف ورسومها ودلالتها .

أنه أي ( شاكر لعيبي ) يرينا مديات المحسوس في التابوه الناضج لفعل الجملية الشعرية على امتداداتها الحضارية المؤسطرة بمجون الملوك وأحلام الفقراء وسفن الرحالة وأساطير الحكايات الشهرزادية .

شاكر لعيبي الشاعر العراقي الذي يمارس أكاديمية تعليم الفن الإسلامي وإسرار صوفيته في الجامعات السويسرية والمعجب بذاكرة رينيه شار وهي تتحسس الموجودات بلذتها الفجائية وصورتها الخجولة في عري وضوحها يرينا في كل نتاجه الشعري الصورة المتعمدة إلى الإثارة العاقلة والتي ترتدي جماليتها عبر مخيلة التواريخ والأمكنة والمسافات النائمة في المخطوطات والرسومات واتجاهات إسطرلاب السفن المغامرة.

تدرج الرؤية اليونانية القديمة الظاهرة الشعرية في موازاة ما يتخيله العقل من سمو ليكون في مصاف سكرة الآلهة وهي تمزج الحنان بين الجسد والخمرة وعطر الوردة .وأضافت طروادة لها عن طريق أجفان هيلانة نصل السيف فكان على الشعر أن يشكل القيمة الأكثر تفردا في فهم العالم على حقيقته وربما ما أتى من الحسية اليونانية والإغريقية له ما يوازي تماما في الحضارة الرافدينية والفرعونية ولكن في بلاد الرافدين ، كان الشعر يؤرخ هاجسهُ بأسطورة سماوية وكانت فضيحة الجسد فيه خاضعة إلى هيبة من تابوه الإشهار القصي لفضيحة الروح في شهوة ما تود بالرغم من أن آدم وبعله حواء نزلا على ذلك الأديم الجنوبي مع ورقتي تين فقط.

أضع هذه المقدمة وأنا استذكر متعة قراءة النتاج الشعري للشاعر العراقي شاكر لعيبي لأحتفي مع هاجس الشاعر المسكون بأيروتيكيا نقية ثابر على حمايتها من كل تشويه ليرنا منذ البواكير الأولى الصورة الشفافة النقية الباحثة عن متعة الحرف في خيال ثقافته ومزاجه وشهوته وطموحه لتكون القصيدة بمستوى ذائقتها يوم كتبتها الإلهة السومرية أول مرة.

شاعر لملامح الخجل الفضي بين عينيه سماء مفتوحة الأذرع يمارس فيها سياحة السفر بين أشرعة المغامرين والأزمنة المجهولة في السفر البعيد منذ أيام جلجامش ومرورا برحالة الأزمنة الأسطورية ( ابن ماجد .ابن خلكان .الإدريسي .أبو دلف .ابن بطوطة )

شاكر لعيبي الممارس الحالم بصناعة اللون داخل منتجه .يتميز في ذاكرة المنفى على انه يحتفي بشجاعة البوح فيه كما تحتفي الملائكة بشهواتها السرية المبتعدة عن العقاب والذنب والخطيئة .

يرينا في شعره قدرة لغوية فخمة مصبوغة بمشاعر حسية ناعمة ولكنها مؤثرة وتتقابل تماما مع الفهم العقلي لمستوى تلك الشهوات البريئة التي تقرأ أعماقنا بما نشتيه في أحلامنا السرية المقدسة وكأنه يقف تماما مع رائية كافافيس في فهم حالته التي كان يشاهدها لورنس داريل ويبني عليها حكاياته ...

شاكر لعيبي شاعر لثقافات روحية تتعدد في اتساع مديات الفهم فيها إلا أنه في رؤاه يفضل دائما القيمة الأبعد في ذات الجسدية لتكون هناك في الأعمق بداخلنا وهج شعلة تستعر مع اللحظات المدهشة على امتداد التواريخ في صوفيتها ونشوتها وايروتيكيتها .

شاكر لعيبي يكتب بالإباحية المقدسة . وكأنه يعيد صياغة الديني ضمن رؤيا طقوس العبادة الأولى متشكلا بين إيماء ة القصيدة وحركة الجسد فهما عميقا للدالة بشكلها اللغوي والفني المتعدد الجماليات والرؤى والأحاسيس .

وربما قصيده ( هذه السعادة ..هذه السعادة ) التي نقراها الآن أنموذجا لهذا الترف المشع بألف إيقونة وحس وميتافيزيقيا خضراء ، يرينا أي لغة يستعيد فيها هذا الشاعر معاني ما يعتقد أنها اللذة الحاسمة لبناء سعادة الجسد والروح وأطياف المكان الهاجع تحت سقف عرائش الكلمات وتقول القصيدة في نضوجها الحسي ما يلي :

(( طالمَا انتظرْنا هذِهِ البَذرَةَ التي زَرَعْناهَا. طالمَا انشرَحْنا لِسَعَادة الجَّرْيِ وَرَاءَ أطفالٍ مُحَجَّلِيْنَ بألقِ الحَيَاةِ. هذِهِ القبْلةُ الطوِيْلةُ وَضَعْناهَا عَلى جَبْهَةِ الأختِ ثمَّ نقلناهَا إلى فمِ الحَبيْبَةِ. هذِهِ المِدْيَةُ قطعْنا بها الخـُبْزَ ثمَّ حَارَبْنا بشبيهِهَا. هذِهِ الرِّيْحُ تجْلِسُ عَلى أكتافِنا. هذا الأمَلُ لا يَخاف الأمَاكِنَ العَالِيَةَ. بَطْنُ المَرْأةِ الوَرْدِيّ يَنبضُ بحَمْلٍ وَرْدِيٍّ. هذِهِ السَّعَادَةُ القرُوْسطيّةُ تجلِسُ عَلى مصطبةٍ خشبيّةٍ بثوْبٍ عَرِيْضٍ:

مِطْرَقةُ البَابِ هذِهِ مصنوعةٌ من الضوءِ..

الشجَرَةُ تلكَ مُخصَّبة بظِلِّ القمَر ، وهذِهِ السَّعَادَةُ، هذِهِ السَّعَادَة تشابهُ اليأسَ..))

هذه السعادة قيامتها تذكرني بما كان متصوفة الأمس ليروه فيتحاشوا بذلك الخشونة المتعمدة من الواقع الذي يعيشوه .سيف الخليفة وفتوى زندقة المشايخ .السعادة الرابضة في المكنون يحلق فيها شاكر لعيبي ويوصلنا إلى القرب المـني في لحظة الرعشة وحسيتها كما عند كافافيس في عزلته ولذة الهايكو الياباني في جعل المقاربة الضوئية بين طرف الثوب وضوء القمر إيقاظ لكل نائم فينا .

السعادة التي يقول عنها سان جون بيرس قي مدائح الرياح والأمطار والبحر أنها لذاتنا الفخمة الأنيقة كالمرايا التي عكازها الرموش الماسية .

شاكر لعيبي في تجربته النقية في البحث والتفنن في تشريح جماليات التاريخ الشرقي .وانتقاءه لترجماته الأنيقة يمثل تميزا في تجربة المنفى العراقي ..

أنه يمسك العصا من الطرف الخفي ويلوح فيها بدهشة كلماته ورؤاه وأطروحاته ويحملنا متعة سحرية لسعادة الكلمات في أناقتها المتوثبة لتنتزع من الجسد لحظتها الفاتنة وتحولها إلى سعادة روحية رشيقة تجعله يبدأ في عزلته وينتهي في عزلته وهم يتمدد على هالة نور الاستشراق والديمومة واللغة الفاتنة .!

أقرأ شاكر لعيبي منذ أزمنة منفاه وأسجل له رؤى الحوار الذي نريد فيه أن نصل إلى النقطة المدوية لشحنة الكلمات .

هو شاعر الفيزياء المتحكمة بأوردة الوصل العطري لحركة القلب في منتصف القصيدة حين يوزعها ذوقه بين الصورة الفنية وعاطفة التصوف والمشهد الحضاري لمهمة الشعر ليكون لغة العصر الذي يعيشه .

انه في كل ما قرأت له يديم فينا وجدان السمو إلى محفزات تنتعش بتفاصيل رغبتها لتكون شعرا معبرا ومتسامياً ومتفهما للحظة كشف خفية كان المعلم (ابن الهيثم ) يريد أن يؤكسدها في ضمائر القوارير لتصير ذهباً .

يعتني بعبارته ويقيم وزنا لغربته في صناعة المكان الذي ولد فيه عبر رؤيا قد يكون من الصعب كشفها إلا أنها واضحة وترينا القدرة الواعية من ثقافة المنزل والمقهى والأصدقاء ليصنع في اغتراب محنته القدرة على تكوين هاجسا يليق فيه ويحمل هويته وخصوصيته وجماليته.

شاكر لعيبي شاعرا فنانا وحاذقا في جعل عمق ما يرويه لنا مسارات لأكثر من عاطفة ولكنها حتما ستكون عاطفة مشحونة بالايروتيكيا السرية التي يشعر هو ونحن في حاجة إليها لنهرب بعيدا من صخب العولمة وخطاب الجنرال ودبابات المحتل الامبريالي .

شعر تريك كشافاته إن ولعه بالصورة وإثارتها يقع في المتشابهات الجمالية لثقافته العربية والأوربية ويختزل لنا الرؤية في مشهدين الأول يقوله النفري :خذ منه لتكشف في لذته لمعان الكلمة وروحه . والثانية في عذوبة ما كان يقوله رينيه شار : المداعبة في صوت الفراشة هو ما ينحنا الطاقة لنتخيل .

أذن هو يعرف كيف يتخيل ويمضي بعيدا مع سحب الأنوار المرتعشة من سعادة سمواتها .

يكتب قصيدته بمهارة ويمنحها القدرة لتبدوا أكثر ضوءا مما تنتجه من شموع ومشاعل ونيازك .تسحق على اثر التواريخ الحالمة البعيدة فنحس بشهوتها وسعادتها ولذتها الفتنة وربما قصيدة المضيئة (أصَابعي القرمزية

) ترينا ذلك المقدار الكبير من صناعة الحس والدهشة واللذائذ التي تغزو مشاعرنا بوهج ما تمنحنا من حس وخديعة لامعة تجعلنا سعداء أن الذي كتبها ليس سوى الشاعر الماهر.!:

(( لم يَبْكِني أحَدٌ عندما قـُتلتُ، وَعِنْدَمَا بُعِثتُ هَاجَرُوا جَمِيْعَاً بَحْثاً عَنْ كُنُوْزِي. عِنْدَمَا قـُتِلْتُ خرَجُوا بَعْدَ مُنتصَفِ الليْلِ يَدَاً بيَدٍ تحْتَ الشَّارَةِ القِرْمِزيَّةِ. عِنْدَمَا رَمَوْا جَسَدِي الطَّاهِرِ تحْتَ النّصْبِ، صِرْتُ شبَحَاً دَائِرَاً عَلى الأبْوَابِ. كَانوا يَسْكَرُوْنَ فِي حَانةِ الكَلْبِ الوفيّ قُرْبَ البَوَّابَةِ العُظْمَى ثمَّ يَأكُلُوْنَ الأرَانِبَ فِي نادي الصَّيَّادِيْنَ. لم تبْكِنِي أنثىً وَلَمْ يَتذكَّرْنِيْ وَرّاقٌ فِي سُوْقِ الوَرَّاقِيْنَ. عِنْدَمَا قـُتِلْتُ اسْتعَدْتُ عَافِيَتِي بَعِيْدَاً عَنِ الزُّهُوْرِ البَلاسْتِيْكِيَّةِ:

بَعِيْدَاً فِي الذكْرَى النفاذةِ كَالعِطْرِ

بَعِيْدَاً فِي لذةِ الاسْتِمْناءِ الأوَّلِ

بَعِيْدَاً، بَعِيْدَاً، بَعِيْدَاً فِي الألَقِ...))

*فصل من كتاب ( محطات شعراء المنفى البعيد ) وهو مقدمات لانطولوجيا شعرية ل20 شاعرا من شعراء المنفى العراقي .نُشر منها لحد اللحظة مقدمات عن الشعراء على التوالي نصيف الناصري وصلاح حسن وبرهان الشاوي وحسن النواب ولميعة عباس عماره.والكتاب سيطبع في مطابع بيروت ...!

دوسلدورف 22 حزيران 2011