Facebook
احتفاء ٌ بـ جمعة اللامي PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: هادي ياسين   
الجمعة, 24 حزيران/يونيو 2011 18:54

hadejom3a
بتاريخ 23 / 6 / 2011 احتفى ( مقهى الخميس ) في مقر الإتحاد العام للأدباء و الكتــّاب في العراق ، بالقاص و الروائي العراقي المعروف ( جمعة اللامي ) ، الزائر للعراق بعد غياب دام 32 عاماً .. و ذلك بحضور حشد كبير من الأدباء و الفنانين و المثقفين العراقيين . و عندما دخل الكاتب القاعة استُقبل استقبالاً حميماً .. ترحيباً و مصافحة ً و تقبيلاً من قبل الحاضرين ، و من ضمنهم أنا الذي لم التقه منذ أن غادر العراق عام 1979 ، سوى تواصلنا عبر الأنترنت خلال السنوات الست الأخيرة . تفحص وجهي أول الأمر ، ولكن ما أن عرفني حتى شدّني الى صدره بحميمية أخ كبير و دفء صديق حميم و راح يغدق عليّ قُبلاً صادقة . و اختار أن يجلس الى جانبي ، فيلتفت اليّ بين حين و آخر ليسأل عن أحوالي ، و أخبرني أنه يتابعني باستمرار و هو فرح بي .

ثم إذ ْ وجد الوقت مناسباً قام ليسلم على رفيق عمره الشاعر العراقي الكبير ( حسب الشيخ جعفر ) فتعانقا بحرارة ، و لم يستطع اللامي أن يكبت دموعة و هو يعانق صديقه الشاعر ، فكان اللقاء مؤثراً صفق له الحاضرون بتأثر و بمحبة عالية و احترام كبير ,

و إذ ْ دُعي اللامي الى الحديث عن تجربته الحياتية و الأدبية ، لم يستطع أن يقول غير كلام مقتضب من شدة التأثر ، فقال : إنني متأثر جداً و ليست لدي القدرة على الكلام و التعبير و أنا أعود الى العراق و أرى أصدقائي و رفاق عمري و أرى هذا الإحتفاء بي و في هذا المكان الأثير لدي , اليوم أشعر أنني ولدت من جديد .. و إذ ْ ظهر عليه التأثر واضحاً ، قال : اعذروني لا استطيع قول أكثر من هذا . ثم راح يكفكف دموعه وسط تصفيق الحاضرين .

بعد ذلك ، تعاقب على الحديث عن تجربة ( جمعة اللامي ) الروائية و القصصية النقاد الأساتذة : ياسين النصير ، فاضل ثامر ( رئيس اتحاد أدباء العراق ) ، و علي الفواز . فألقوا الضوء ـ من مختلف الزوايا ـ على هذه التجربة الثرة ، و التي رسخت اللامي كإسم روائي بارز في الساحة الثقافية العراقية و العربية .

ثم دُعيتُ الى الحديث ، فقلت : لقد أسهب الأصدقاء النقاد في الحديث عن ( جمعة اللامي ) روائياً و قاصاً ، فليس لي سوى أن أتحدث عن اللامي الإنسان .

تعود علاقتي بالروائي الى سنوات بعيدة ، عندما أرسلت ُ ـ من قريتي النائية في جنوب البصرة ـ و أنا طالب في الصف الثالث المتوسط ، أرسلت قصيدة ـ بالبريد ـ الى مجلة ( وعي العمال ) التي كان اللامي سكرتير تحريرها ـ حينذاك ـ فبادر الرجل الى نشرها في الصفحة الثقافية مباشرة ، جنباً الى جنب مع أسماء أدبية راسخة و معروفة في العراق ، و بذلك فأنه اختصر عليّ الطريق ، بما جعلني لا أمر بـ ( بريد القراء ) ، كما يمر عادة ً معظم كتابنا العرب في بداياتهم ، و قدمني الى الوسط الثقافي مباشرة ً دون أن يعرفني . ولكن علاقتي الشخصية به ترسخت عندما قدمت الى بغداد للدراسة في ( أكاديمية الفنون الجميلة ) فوجدته سكرتير تحرير لمجلة ( ألف باء ) العراقية الشهيرة , و إذ ْ عملتُ منذ اسبوعي الأول في بغداد محرراً ثقافياً في صحيفة ( الجمهورية ) التي تشغل ذات المبنى مع مجلة ( ألف باء ) ، فقد بتُ التقيه يومياً ، ثم رحت أسهر معه سهرات طويلة في حديقة مبنى إتحاد الأدباء ، و في غالب الأحيان بمشاركة الشاعر الكبير المعروف الأستاذ حسب الشيخ جعفر .

ثم تحدثت عن الخصال الشخصية لدى جمعة اللامي ، كالطيبة العالية و الوفاء و الصدق و الكرم و المشاكسة الهادئة الرصينة على المستوى الإجتماعي و المشاكسة الجادة الواثقة على المستوى الأدبي ، و العمل الدائب على تكريس خصوصيته في الكتابة و الأخذ بيد الأدباء الشبان الذين يتلمس فيهم الموهبة . و تطرقت الى شجاعته ، و ضربت مثلاً على ذلك باقدامه دون تردد ـ حين كان سكرتير تحرير مجلة ( ألف باء ) ـ على نشر مقالة جريئة و خطيرة ، عام 1979 ، لصديقنا القاص و الناقد المسرحي الأستاذ ( حسب الله يحيى ) عن مسرحية ( القرامطة ) التي عُرضت ـ حينها ـ على مسرح ( أكاديمية الفنون الجميلة ) ، في حين كان المناخ السياسي يشهد شراسة بعثية قاتلة هيأت ( صدام حسين ) لإنتزاع السلطة في العراق . غير أن الأمر لم يمر بسلام ، إذ حشر ( خير الله طلفاح ) خال ( صدام ) أنفه في القضية ، بما أدخل ( جمعة اللامي ) و ( حسب الله يحيى ) في سلسلة من التحقيقات و المحاكمة و المضايقات . ما جعل اللامي يشتم مبكراً ، الرائحة الحقيقية للكارثة الثقافية و الإنسانية المقبلة على العراق مع صعود نجم ( صدام ) و شراسته و شراسة رهطه البعثي غير الرحيم ، و تزايد تدخلات خاله الأحمق ( طلفاح ) . فأدرك اللامي جيداً صحة القول ( إذا أردتَ أن تُهين مدينة ً .. اكرمْ أشقياءها و أهنْ علماءَها ) ، و بذلك فقد تم تطبيق القول عملياً في بغداد بتكريم أشقياء من أمثال الأرعن الأحمق ( خيرالله طلفاح ) ، و إهانة علماء في ميدان اشتغالاتهم من مثل ( جمعة اللامي ) فشد اللامي الرحال ، مغادراً العراق .. و ها هو يعود اليه بعد اثنين و ثلاثين عاماً .

*********************************

هو جمعة عجيل درويش راشد اللامي، كاتب وروائي عراقي ، مقيم ـ منذ العام 1980 ـ في إمارة الشارقة / دولة الإمارات العربية المتحدة . ولد في محافظة ميسان ـ جنوب العراق ـ و أنتقل الى بغداد في العام 1959 ، و فيها انتمى الى الحزب الشيوعي العراقي ، ليدخل ـ بسبب ذلك ـ السجون العراقية ابتداءً من العام 1963 ، و شغل عدة مناصب ثقافية ، ولكنه غادر العراق في العام 1979 .

نشر العديد من المجاميع القصصية و الأعمال الرواية المهمة التي كرست نجمه عراقياً و عربياً . منها ـ على سبيل المثال : ( من قتل حمكمت الشامي ) ، ( عيون زينب ) ، ( مجنون زينب ) ، ( المقامة اللامية ) ، ( أليشان ) ........... و غيرها .

نال جائزة السلطان قابوس للإبداع الثقافي في القصة القصيرة عام 2006 و جائزة العنقاء الذهبية الدولية عام 2007 . شغل عدة مناصب ثقافية في إمارة الشارقة ، و هو ورئيس مركز الشارقة – ميسان العالمي للحوار والتنمية الثقافية ، و يعمل حالياً كاتباً متفرغاً في صجيفة ( الخليج ) الإماراتية .

كتب اللامي ذات مرة : (( ولدت ونشأت في جنوب العراق، حيث الانقسام الاجتماعي الحاد والظلم والفقر، والحزن غير القابل للانتهاء في البيوت وبساتين النخيل والمساجد والأسواق، ومظاهرات الطلاب والعنف المضاد، والمطاريد والفتوات، ومشاجرات الصيادين ومعارك العشائر. في وقت مبكر من مرحلة الدراسة الابتدائية، كنت أكتب مواثيق الأحلاف بين العشائر والقبائل، ورأيت بأم عيني كيف يظلم الفلاح الجنوبي، والتباين والتمايز بين العرب الصرحاء وبين أبناء القوميات الأخرى المهاجرين من البلدان المجاورة، كما لاحظت الحياة السرية لعدد من العوائل التي نزحت من شبه جزيرة العرب واستوطنت الجنوب العراقي، لواء العمارة (ميسان) تحديداً )) و قال أيضاً : دخلت منازل المسيحيين، وأكلت الطعام مع العوائل اليهودية في العمارة. عشت تقاليد الصابئة وطقوسهم كنت أحزن من أجل أولئك الزنوج ببشرتهم السوداء وهم يتعرضون إلى العزل والاحتقار. نزلت إلى سوق العمل، حمالا صغيرا، ولبّاخ طين مع عمال البناء، في أثناء العطلات المدرسية، من اجل تامين ثمن ملابسي، وكراريسي غير الدرسية. هذا هو عالمي الأول، ملخصاً، حين كنتُ صبياً غراً.

عام 1970 كتب الأديب اللبناني الراحل ( عصام محفوظ ) في كتابه ( الرواية العربية الطليعية ) : «اما اللعبة الشكلية المتطورة جدا، فصاحبها العراقي جمعة اللامي، الأول الذي يحاول أن يكتب كما كان " أبو لينير " يكتب بعض شعره، اي يستغل الامكانات التصويرية للتأكيد على معنى يدرك هو ان الكلمات المصفوفة في ترتيب، قد لا تؤكده في القوة نفسها التي يريد. وهو ما يسمى في الغرب " كاليغرام " . جمعة اللامي، الأول من بين كتاب القصة العرب، بل بين كتاب القصة في كل مكان، كتب القصة بهذا الاسلوب».