مواضيع اخرى - تحقیقات

ارشیف التحقیقات

اضغط هنا لقراءة المزید



Facebook
الهروب بما خف وزنه وغلا ثمنه

تكررت ظاهرة هروب مسؤولين عراقيين كبار مؤخرا، وبشكل بات يثير الكثير من الأسئلة بين التساؤل، ولم يكن حادث هروب مدير المصرف التجاري العراقي إلى خارج البلاد قبل أيام إلا حلقة ضمن مسلسل "الهروب" الذي يبدو أن أبطاله سيواصلون الظهور مستقبلا، بعد أن سبقه في ذلك وزراء وبرلمانيون وسياسيون متهمون في قضايا فساد مالي وإداري أو في جرائم إرهابية.

dolar

22 مسؤولا كبيرا هربوا مع أموال طائلة

وبالنسبة للجنة النزاهة البرلمانية فإن عملية هروب المسؤولين الكبار في الدولة المتورطين في عمليات اختلاس كبيرة ليست بالأمر الجديد إذ تؤكد أن العديدين تمكنوا من مغادرة البلاد مع الأموال التي اختلسوها من دون أن يوقفهم أحد.

ويقول رئيس لجنة النزاهة البرلمانية بهاء الأعرجي، في حديث لـ"السومرية نيوز"، إن "الكثير من المسؤولين وخاصة في الحكومات السابقة عندما تتقدم الأمور التحقيقية في قضايا الفساد يسارعوا إلى السفر خارج العراق وعدم الرجوع"، مؤكداً أن "هناك 22 مسؤولاً كبيراً غادروا العراق وكانت بحوزتهم مبالغ كبيرة مختلسة، ومن ضمنهم وزراء ووكلاء وزراء ومدراء عامين وضباط كبار في الجيش العراقي".

ويضيف الأعرجي أن "هناك تعميما صدر بعدم السماح بسفر أي مسؤول بدءاً من مدير عام فما فوق، ما لم يأخذ موافقة من الجهة التحقيقية، في حال وجود دعوى قضائية بحقه أو قضية تخصه محالة إلى النزاهة".

ويشير رئيس لجنة النزاهة إلى أن "مدير المصرف التجاري حسين الإذري قدم استقالته إلى وزير المالية قبل يومين من زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي إلى المصرف"، مضيفا أن "الإذري كان موجوداً إثناء زيارة المالكي برغم تقديمه استقالته".

وكان مصدر مطلع أفاد في حديث لـ"السومرية نيوز"، في الرابع من حزيران الجاري، بأن مدير البنك التجاري العراقي وصل إلى بيروت هاربا من العراق على خلفية اتهام مجلس إدارة البنك بالفساد من قبل رئيس الوزراء نوري المالكي، مؤكدا أن المدير على علاقة بالسياسي أحمد الجلبي وكان قد اختفى في بغداد مدة يومين قبل مغادرتها.

هيئة النزاهة تتحمل مسؤولية هروب المسؤولين

وبالنسبة لبعض نواب البرلمان العراقي فإن عمليات الهروب تتحملها الجهات المسؤولية مثل هيئة النزاهة والقضاء، إذ يؤكدون أن هناك قصورا في الإجراءات يسمح للمختلسين من المسؤولين بالفرار.

وتقول النائبة عن القائمة العراقية أزهار الشيخلي في حديث لـ"السومرية نيوز" إن "ظاهرة هروب المسؤولين ملفتة للنظر لأنها ليست جديدة وقد حدثت حتى على مستوى الوزراء".

وتلقي الشيخلي بـ"التقصير على الجهة المسؤولة عن عملية التحقيق التي يفترض أن تتخذ جميع الإجراءات التي تؤمن عدم إفلات المتهم عن العدالة"، وتوضح بالقول"من المفترض أن الجهات المسؤولة تتخذ الإجراء بمنع سفر أي شخص معين كي تتلافى مثل هذه الحوادث".

من جانبه، يقول النائب عن كتلة الأحرار التابعة للتيار الصدري أمير الكناني، إن "كتلة الأحرار عاتبة على هيئة النزاهة لعدم إصدارها مذكرة قضائية بمنع سفر مسؤول متورط بالفساد لكي تتم محاسبته مع الجهة العليا التي يرتبط بها".

ويؤكد الكناني أن "من واجب لجنة النزاهة البرلمانية متابعة عمل هيئة النزاهة ومدى التزامها بمسؤولياتها".

وحملت لجنة النزاهة البرلمانية الحكومة في وقت سابق مسؤولية هروب مدير البنك التجاري العراقي خارج البلاد للحكومة، مؤكدة أن اللجنة شددت مرارا على عدم السماح لأي مسؤول بالسفر إلا بعد موافقتها.

وسبق أن هرب من العراق في أوقات متفاوتة كل من عضو مجلس النواب في الدورة البرلمانية السابقة عبد الناصر الجنابي، والنائب السابق أيضا محمد الدايني ووزير الكهرباء الأسبق أيهم السامرائي ووزير الدفاع الأسبق حازم الشعلان وغيرهم فيما تم إلقاء القبض أو إحالة آخرين إلى القضاء بتهم مختلفة.

الجلبي: التهم ملفقة للمصرف التجاري وهناك خروق بمصارف أخرى بالمليارات

أما بالنسبة لبعض المسؤولين السابقين على المصرف العراقي للتجارة والمقربين من مديره الهارب فإن الاتهامات التي وجهت لإدارة المصرف بالفساد ما هي إلا تهم ملفقة وهي تندرج ضمن التصفية السياسية، مؤكدين أن هناك خروق مالية في مصارف حكومية بمليارات الدولارات ولا احد يتكلم عنها.

وينفى زعيم المؤتمر الوطني العراقي احمد الجلبي الذي كان يشغل مدير المصرف العراقي للتجارة إبان فترة الحكم الانتقالي بعد العام 2003 الاتهامات الموجهة إلى مدير البنك العراقي للتجارة الخاصة بالفساد وغسيل الأموال، ويقول في حديث لـ"السومرية نيوز"، إن "التهم الموجهة إلى البنك العراقي للتجارة مجرد كلام ليس مبنيا على أساس".

ويوضح الجلبي الذي يعتبر خال مدير البنك العراقي للتجارة الهارب حسين الاذري أن "مدقق البنك الخارجي المتمثل بشركة برايس ووتر هاوس العالمية، التي تعد واحدة من أربع شركات في العالم، أعطت البنك تقريرا كاملا منذ اشهر بحسن العمل فيه".

ويضيف الجلبي أن "هذا البنك اقرض الحكومة أكثر من مليار ونص المليار دولار، لذلك فإن ما حدث بشأنه أمر مؤسف، لأنه سيؤثر على سمعة العراق في الخارج وكذلك على موضوع الاستثمار"، معتبرا أن "من مصلحة الجميع الآن التوقف عن إصدار التهم لأنها ممكن أن ترد بسهولة".

ويشير الجلبي إلى أن "هناك تقريرا لديوان الرقابة المالية صدر في شباط من هذا العام يؤكد أن الشركة العامة لتجارة المواد الغذائية لديها عجز في نهاية عام 2010 بمبلغ مليارين و240 مليون دولار ولم تحصل إجراءات مشابهة عما جرى في البنك العراقي للتجارة الذي ليست لديه أي مشكلة من هذا النوع".

ويلفت الجلبي إلى موضوع بنك البصرة الذي يقول إنه "توقف عن الدفع وهو مقترض من بنك الرافدين 380 مليار دينار ورئيس مجلس إدارة مصرف البصرة في السجن لمدة سنة"، ويتساءل "لماذا لا يحصل تحقيق كيف حصل هذا البنك على 380 مليار دينار وهو مبلغ يعادل 15 مرة رأس مال بنك الرافدين".

ويشدد زعيم حزب المؤتمر الوطني العراقي على ضرورة معرفة كيفية "إقراض عميل واحد مبلغ كهذا، لماذا لم يتم فتح تحقيق كما حصل في البنك العراقي للتجارة"، مشيراً إلى "عدم وجود العدالة والحكمة في التعامل بخصوص الموضوع".

ويدور صراع غير معلن بين رئيس الحكومة نوري المالكي وزعيم حزب المؤتمر احمد الجلبي الذي تم عزله قبل أيام عن رئاسة هيئة المساءلة والعدالة بقرار من المالكي الذي عين وزير حقوق الإنسان محمد السوداني رئيسا للهيئة بالوكالة.

مقرب من المالكي: لا تصفية سياسية في قضية البنك

أما المقربون من رئيس الحكومة نوري المالكي الذي طالب بالتحقيق في قضية البنك فيؤكدون أن لا تسقيطا سياسيا في قضية البنك العراقي للتجارة، مؤكدين أن الخروق التي تحدث عنها المالكي استندت إلى تقارير من جهات عددية مسؤولة عن الرقابة.

ويقول القيادي في ائتلاف دولة القانون كمال الساعدي في حديث لـ"السومرية نيوز" إن "من الصعب القول إن عملية البنك العراقي للتجارة كانت خاضعة للتصفيات السياسية أو لموقف شخصي بين هذا الطرف أو ذاك"، مؤكداً أن "هنالك خروق بخصوص استخدام أموال البنك بشكل غير صحيح".

ويلفت الساعدي إلى أن قرارا رئيس الحكومة بالتحقيق مع إدارة البنك استندت إلى مراجعات جهات مختصة، ويوضح "هذه القضية خضعت إلى تحقيقات، وقد شكلت الحكومة لجنة من ديوان الرقابة المالية وهيئة النزاهة والأمانة العامة لمجلس الوزراء وغيرها من الجهات، وهذه الإطراف قدمت تقريرا لرئيس الوزراء نوري المالكي بشأن البنك".

وكان رئيس الحكومة نوري المالكي اعلن في الثاني من الشهر الجاري أن مجلس الوزراء باعتباره المسؤول المباشر عن البنك التجاري العراقي، قرر تشكيل لجنة تحقيقية مشتركة من هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية ووزارة المالية وخبراء، حيث قدمت تقريرا عن وجود مخالفات في البنك العراقي التجاري، مبينا أن التقرير أحيل إلى الجهات القضائية المسؤولة للنظر فيه.

الفضائح المالية تضعف الثقة بالنظام المصرفي

وبغض النظر عن الدوافع وراء إطلاق الاتهامات للبنك العراقي للتجارة او حقيقتها فإن خبراء الاقتصاد يعتبرون ان آثار تلك الاتهامات او الفضائح المالية تكاد تكون كارثية على القطاع المصرفي في البلاد الذي يعاني من الضعف اصلا، كما يؤكدون ان الخروق والثغرات التي شابت العمل المصرفي الحكومي لتأكيد فشل الادارة الحكومية لملف الاقتصاد في البلاد.

ويقول الخبير الاقتصادي باسم جميل أنطوان إن "حدوث مثل هذه الانتكاسات تضعف ثقة المواطن العراقي والمستثمر الأجنبي بالنظام المصرفي، وبالتالي تنعكس على الاستثمار بالبلد وعلى الاقتصاد، وتجعل عملية النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة ضعيفة جدا ومتلكئة".

من جانبها تقول الخبيرة الاقتصادية سلام سمسم إن "قضية البنك العراقي للتجارة تشير الى مسألة ارهاصات وفشل وتعثر للادارة الحكومية للمصارف حكومية".

وتوضح سمسم في حديث لـ"السومرية نيوز" إن "قضية مصرف البصرة لها علاقة بمصرف الرافدين ومصرف التي بي اي (البنك العراقي للتجارة) هو مصرف حكومي وهو دليل على فشل الحكومة في إدارة قطاع المصارف".

وتلفت سمسم إلى ان "العقلية المصرفية الحكومية الفاشلة باتت تنعكس على اداء المصارف الخاصة التي لا حصة لها في الاستثمار الحكومي بحيث تمنتع الدولة عن وضع اموالها فيها".

وبحسب خبراء الاقتصاد فإن القطاع المصرفي الحكومي يمتلك من الموارد ما يعادل 90 بالمئة من الموارد المالية للدولة في حين لا يحظى القطاع المصرفي الخاص سوى بعشرة بالمئة من موادر الدولة المالية، وتنطلق الحكومة في هذا التوجه من مبدأ عدم تعريض اموالها للخطر عبر إيداعها في القطاع المصرفي الخاص..

وكانت الحكومة العراقية أكدت في الـ13 من شباط الماضي، سعيها للانضمام إلى منظمة التجارة الدولية وتأمين الحماية للأموال العراقية في الخارج، فيما شددت على أهمية العمل على بناء اقتصاد عراقي متنوع وتطبيق سياسات اقتصادية متطورة من خلال تشجيع الاستثمار وتسهيل وتنظيم التجارة وترشيد الميزانية العامة للدولة وإقرار قانون النفط والغاز.

ويأتي الحديث عن انضمام العراق إلى منظمة التجارة العالمية وحماية أمواله في الخارج مغايرا لما هو موجود على أرض الواقع، كقرارات ارتباط الهيئات المستقلة ومنها البنك المركزي العراقي بالحكومة مباشرة بدلا من مجلس النواب، وعدم تركيز الحكومة على دعم القطاع الخاص.

ورغم الانفتاح الواسع على العالم الذي يعيشه العراق منذ التغيير الذي ابتدأ في العام 2003 بعد عقود من العزلة، إلاّ أن علاقاته الاقتصادية الخارجية ما تزال تشهد تعثرا واضحا لأسباب عدة في مقدمها حالة الركود الاقتصادي.

ويشير المراقبون إلى أن الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية يمثل هدفا رئيسا للكثير من الاقتصاديات المحلية نظرا للميزات التي يحققها هذه الانضمام من اندماج في الاقتصاد العالمي، وتوفير فرص كبيرة للاستثمار، فضلا عن إيجاد أسواق لمنتجاتها، إلاّ أن هذه العملية مرتبطة بحجم وطبيعة المكونات التنافسية التي يملكها الاقتصاد الوطني، ليدخل السوق العالمية شريكا ومنافسا، وهو ما ليس متوفرا للاقتصاد العراقي في الظرف الراهن..