ارشیف التحقیقات

اضغط هنا لقراءة المزید



Facebook
الغماس بعيون مهاجر- قاسم حسن

تحقيق قاسم حسن

kamas2
kamas3
  • السابق
  • 1 of 2
  • التالي
غمــَاس مدينه عراقيه تقع ضمن محافظة الديوانيه وهي أكبر نواحيها ، تشتهر في الزراعة وخاصة الحبوب والتمور ، وتحيطها مدن ونواحي وقرى معروفة بعشائرها الأصيلة .. تبتعد عن النجف بأقل من خمسين كيلومترا وعن الديوانية بأكثر من سبعين كيلومترا .. وتتوسط مدن ونواحي وأقضية عدة منها تابع الى محافظة النجف ومنها ماهو تابع الى محافظة الديوانية إداريا وهي ضمن نسيج مناطق عدة كالمشخاب والشنافية والرميثة وأبي صخير والشامية والمناذرة وغيرها من المدن...

وتعتبر ضمن الفرات الأوسط بحدود العراق ... سكانها طيبون وعشائرها أصيله .. وشعبها معطاء ومعروف بكرمه وعاداته وتقاليده الراسخة ضمن النسيج العراقي ... غالبية سكانها يعيشون على الزراعة والتجارة .. والصناعة أيضا.... إذا اعتبرنا أن صنّـاعُها يحَوّّرون ويطوّرون كل أنواع الصناعات الحديدية والآلات والصناعات الأخرى إمتدادا الى محيطهم المتمثل في مدينة النجف وقدرة ِحرفييها في لَيّ الحديد والمعروف بــ ( دكَ النجف) .

توسعت غماس إداريا ومساحة في السنوات الأخيره نظرا لتكاثر سكانها الذي بلغ اليوم مايقارب أو أكثر من مائة وخمسون الفا بعد ان كان في سبعينات القرن الماضي اقل من ذلك بكثير .. وقدرة أهلها في الشراء والبناء إذا تغاضينا عن الفوضى والعشوائية في قضم الأراضي الزراعية القريبة من المدينة وتحويلها الى أراض سكنية حيث أن الأنظمة والقوانين لازالت غير راسخة في تحديد وتنظيم هذه الأمور ....

زرتها بعد أن هاجرتها منذ أكثر من اربعة عقود حيث الطفولة هناك .. اكتشفت أن اهلها وسكانها ، كما هم ، كرمهم وطيبتهم وبساطتهم ، عندما تركتهم منذ ذلك التاريخ دون تواصل مني معهم ..

يديرها حاليا السيد محمد سوادي وهو شاب طموح دمث الأخلاق ومحتــرم من غالبية سكان المنطقة .. وهو فعلا الرجل المناسب في موقعه كمدير للناحية حيث لايكل من العمل قدر مايتعلق الأمر به .... حيث لاتخلو ادارته من معوقات من مراكز القرار الأعلى وخاصة مايتعلق الأمربالموازنات والتخصيصات وغيرها من الأمور الأخرى .. إضافة الى تحمله مسؤولية في زمن معقد وظروف صعبة ... وسكان المنطقه الذين لازال غالبيتهم تحكمهم عادات وتقاليد لايمكن تجاوزها أو التخلص منها بين ليلة وضحاها ... حيث أن الرجل لايشكو من ساعات العمل التي تمتد في الغالب الى منتصف الليل في مكتبه ومن خلال بيته وحتى إذا حل ضيفا على أقرباء له..... يستقبل الناس برحابة صدر واسع في الإجابة على استفساراتهم او التوقيع على معاملاتهم ... وكذلك لها مجلس بلدي موقر غالبيتهم من وجهاء المدينة والمعروفين فيها وضواحيها... هذا المجلس بمثابة المجلس التشريعي للمدينة الذي يشرع ويتابع تطبيق تشريعاته يرأسه رجل فاضل من وجهاء المدينة والمعروفين فيها ومن سكانها الأصلاء ( السيد فليح الميالي) ...

من كل هذا اقول ان ناحية أو مدينة كمدينة غمّاس الغنيه بأهلها ومنتجاتهم في الزراعة والتي كانت تموّل العراق بخيراتها .... أقول إنها ايضا غنية بطاقات أهلها في كافة المجالات ( وهنا اقصد ماقبل المد البعثي الذي كان مصدرا للتخريب والدمار العقلي والبنية الأنسانية لسكان المنطقة برمتها لابل للعراق بأكمله ) إنها غنية برجالها من المبدعين في مجال الطب والهندسة والتربية والتعليم والعلوم الدينيه .. وغيرها .. لابل حتى من العاملين في السياسة ..

كان( الشيخ حمد ) خير مثال لرجل الدين المعتدل والناضج تربى أجيال من على منبره إضافة الى ذريته وماتبقى منهم الآن ...حيث كان مربيا ومعلما إضافة الى كونه شاعرا مرحا مؤمنا ... تعلم الكثيرمن أبناء المنطقة من أخلاقه وسلوكه في التعامل الإنساني في صغائر الأمور وكبارها ... وكذلك أحد أبناءالمدينة رائد من رواد المسرح العراقي الفنان الكبير والأستاذ الدكتور سامي عبد الحميد والذي بدوره ربى أجيالا عراقية وعربيه ولازال وبعد عمر طويل شامخا وصامدا في بغداد ... وكذلك صاحب الصوت العذب والمميز المطرب (جبيّر آل كون) صاحب الطور الميز والذي عُرٍف بأسمه ولازالت تتذكره أجيال وأجيال مقلدين إجتهاده في هذا الطور من الغناء العراقي .... وهناك من السياسيين والتدريسيين وكوادر مرموقه في أغلب المجالات العلمية والأنسانية .. ناهيك عن الشعراء وعلى كثرتهم لايمكنني التوقف عند أحد منهم أو حصرهم فهم كثر حيث أن تلك المنطقة هي أرضية خصبة للشعر والشعراء ويكاد أن يكون الشعر ديدنهم .... ويكفي أنهم ينطقون حكما وأمثالهم على ألسنتهم في كل حديث يتحدثون ...

دواوينهم مفتوحة على مدار الساعه خاصة في أماسيهم حيث أن كبارهم إستبدلوها عن المقاهي التي تلاشت وأصبحت نواد لشبابهم يتسلون ويلهون بها حيث ماعادت لشرب الشاي والقهوة فقط بل أصبحت للتسلية والبليارد وغير ذلك...

بغــداد كانت بالنسبة لأهالي غمَّاس ( بعبعا) كبيرا . ..ومدينة أحلام وأوهام لاحصر لها ... بعضهم كان يهاجر اليها أملا في تحسين وضعه الأجتماعي... والآخر كان لوجاهة ما.... أو طمعا في الحفاظ على مستوى لتعليم ابنائه ... وآخرون لطلب الرزق ... ومهما تعددت الأسباب كانت بغداد ليست يسيره على أحد أن يعيش فيها....وبالرغم من كون أن الحياة في هذه المدينة ( بغــداد) تختلف تماما بما هم عليه في مدينة غماس... وكونهم يواجهون صعوبات جمة في العيش فيها والتوجه إليها لكنهم يقبلونها على مضض حيث لاسبيل غير ذلك ...

الطريق الى بغداد ليس كما كان صعبا ويحتاج المسافر الى أكثر من سيارة كي يصل... ولا نقاط التفتيش( السيطرات ) كما كانت مخيفة ومرعبة لأبن الجنوب القادم إليها ... ولاتلك المعاملة المريبة التي كان شرطي أو عسكري قد يتسبب في هلاك الراكب بمجرد نظرة .....

الشرطي اليوم أو العسكري في نقطة التفتيش .. غير ذاك .. يتفحص ركاب السيارة وسيجارته في فمه بالرغم من وجود الضابط خلفه .!!!.. أو سماعته في إذنه يسمع طربا ( تعرفه من هزة خصره) أو يسمع خشوعا والله اعلم ... أو منهمكا بمكالمة هاتفية يجري فيها الحديث عن أسعار السيارات أو العقارات أو المبادلات التجارية وماحولها ... أو يقرأ رسالة هاتفية قصيره والله أعلم إن كان صحيحا يقرأ في رسالة أم للتباهي .. وهلم جرا... لكنه غير ذاك ... مبتسما مرتاحا وأحيانا لاترى مشاعره ... نظارته السوداء نصف وجهه ... (وهذه النظارة بُدعة مابعدها بُدعه)

بـغـداد .ــ. غمـّــاس .. خط مباشر.... تسمع سائقا الى جانب سيارته ينادي ركابه ... ( بغداد ...بغداد ) وبالعكس تسمعها في مجمع السيارات المتجهة الى الفرات الأوسط والجنوب في منطقة علاوي الحلة في بغداد والمعروف ( كَراج العلاوي) ....

الطريق الى بغداد غير ذاك الطريق، ... عرفناه بإلتواءاته وحفرياته ونقاط التفتيش فيه والآن كما هو ذات الطريق ولكن بطريقة أخرى وبمسبب آخر ... وفيما بعد كثرة الإستراحات التي كانت بغالبيتها فخا مدروس.. واوكارا لل ترى الأعلام السوداء والخضراء والبيضاء وغيرها من الألوان الممزقة منها أو بقاياها .. وترى البيوتات صغيرها وكبيرها من سعف النخيل أم خشب متهالك أم بقايا طابوق أو من الطين على طول الطريق وبشكل عشوائي متروكة وكأنها مخلفات سوق شعبي لبيع الخضرة والأسماك واللحوم وغيرها ... ولايعنيني إن كان الطريق معبدا جيدا أم لا .... ربما تصادف حفرة ترفع السيارة ومن فيها عن الأرض وتبعدها عن الطريق المستقيم ...

الوصول الى أطراف بغداد سهلا في هذه الأيام .. فالصعوبة تكمن في دخولها قد يستغرق الطريق الى بغداد ساعتين أو أكثر بقليل ولكن هيهات ان تقطع هذا الطريق وبين نقطيتي تفتيش أو كما تسمى ( سيطرتين) بنفس الوقت الذي وصلت به الى أطرافها ... فبغداد ليست بغداد .. ومن حُسنٍ الحظ أن أهالي غماس لايحتاجون بغداد كثيرا ....كما كانوا من قبل .... بل بالعكس

* لايعني كل هذا على أن الأمور بخير في العراق بل لازالت الأمور معقده والمجتمع العراقي اليوم أكثر وعيا من أي وقت مضى لكنه حبيس تقاليد جائرة من جهه ومن جهة أخرى لاتوجد تلك النخبه النقيه التي تقوده الى بر الأمان ... ولاهو قادر على النهوض والأنتفاض على نفسه كي يعيش حياة كريمة تليق به وبمستوى تضحياته الجسام من اجل الحرية ...بل هناك مَن مِن مصلحته أن يجر هذا الشعب المعطاء الى التخلف والرجوع به الى الوراء ....