مواضيع اخرى - تحقیقات

ارشیف التحقیقات

اضغط هنا لقراءة المزید



Facebook
معلمون وطلبه في السكراب !!

6eoor
6eor
6eooor
  • السابق
  • 1 of 3
  • التالي
تحقيق خاص بـ مجلة سطور / عادل الغرابي من بغداد

بدأ مشواري حين طلب مني رئيس التحرير إجراء تحقيق بعد أن رأى شباناً في مقتبل العمر وهم يتصارعون حول سيارة قد ملئت بحاجيات من كل لون ونوع، حاجيات رفضت أن تبقى في بيوتها فكان مصيرها البيع لـ(الدوّارة). من هناك بدأ التحقيق. من سوق الدجاج تحديداً، في منطقة الأورفلي الذي لن تصادف فيه ريشة واحدة، ومع هذا فاسمه سوق الدجاج بإصرار!! تجمّع الكثير من أبناء بلدي الذين لم يحصلوا على حق التعيين فكانت مهنتهم التفصيخ والبحث عن المعادن الموجودة داخل الأجهزة الكهربائية والمنزلية العاطلة، وهم ينقبون بذلك عن رغيف الخبز من خلال الـ(سكراب). هذه الشريحة التي تعيش خا�

�ج دائرة الاهتمام وربما خارج الزمن الذي يعيشه الناس في بقاع أخرى من المعمورة حركت اهتمامنا فكان هذا التحقيق الذي يمنح هؤلاء المكافحين بعض اهتمام غاب عن المعنيين.

كان اللقاء الأول مع أحمد، أحد أصحاب القيصريات الموجودة في سوق التفصيخ.

• هل يمنحك السكراب مدخولاً جيداً؟

أجابني بضحكة مدوية وهي تخرج من فمه المغطى بكمامة من قماش كانت تحميه من الغبار والأوساخ التي تنطلق من تفصيخ الأدوات:

ـ الجميع هنا لديهم المال، ولديهم بيوت أيضاً، فهذه "الأوساخ" التي تراها هنا كلها فلوس، ودخلهم المادي أفضل من دخل الموظف ألف مرّة، وينتهي عملهم الساعة الثالثة عصراً. وأرجو أن تعلم أن بيوتهم قريبة جداً من هذا المكان الذي تراه، وبهذا فهم لا يتجشمون عناء المواصلات.. تصل يومية الواحد منهم إلى أربعين ألف دينار!! لذا فالذي أمامك ليس أوساخاً بل فلوس!

وبعد أن سألني عن مقدار راتبي وأجبته، بادرني بالقول:

ـ أتعمل عندي براتب مقداره 750 ألف دينار؟!!

• ما مصادر هذه الخردة؟

ـ نقوم بشرائها من الدوّارة الذين بدورهم يقومون بشرائها من البيوت. فبعد أن يتم ملء سيارات الحمل تأتي إلى هذا المكان ونقوم نحن بشراء السكراب من الدوّارة. حمولة السيارة منوعة ما بين ماطور الماء والمبردة والثلاجة وغيرها من المواد المنزلية التي توجد فيها معادن من قبيل الألمنيوم والنحاس والحديد.

• أين تذهب هذه الحمولات بعد أن تبيعوها؟

ـ نحن نتولى بيع هذه المواد لـ "أهل الكور"، فيتولون بدورهم بيعها، بعد صهرها وتحويلها إلى سبائك، إلى تجار أكراد يتولون تهريبها إلى خارج العراق. مادة النحاس بالذات تُهرّب إلى إيران.

ثائر سوادي (عامل تفصيخ) طلبنا منه أن يتحدث عن مهنته وسألناه عن الأسباب التي دفعته إليها، فقال:

ـ الظروف التي نمر بها والحالة المعيشية الصعبة هي الأسباب وراء عملي هنا. أنا أعمل في هذا المكان منذ ساعات الصباح الباكر حتى العصر تقريباً.. وأجري 15 ألفاً لا غير، متحملاً حرارة الصيف وبرد الشتاء. ونحن مجبرون أيضاً على هذا العمل لأننا لم نجد عملاً غيره.

• سمعنا انك تحصل على مبلغ 250 ديناراً عن تفصيخ القطعة الواحدة؟

ـ صحيح، لكن أرجو أن تعرف أنّ ليس الكل هنا متساوين بالعمل والأجور. يوجد هنا أشخاص يعملون قبلنا بسنوات عدة، ويمتلكون الخبرة بمهارة التفصيخ، ولديهم ممارسة طويلة.

كرار (15عاما) ترك المدرسة واتجه إلى هذا العالم (عالم الخردة).. سألته:

• لماذا تركت المدرسة؟

ـ تركت الدراسة لضعف حالتنا المادية وظروف الحياة الصعبة.

• في أي صف تركت المدرسة؟

ـ تركتها وأنا في الصف الخامس الابتدائي، لكني استطيع القراءة والكتابة.

• ما عملك يا كرار هنا؟

- عملي التفصيخ، وأكثر عملنا هو تفصيخ الماطورات التي يأتون بها من محافظة كربلاء، وأحياناً من النجف وغيرها من المحافظات.

• ما النظام الذي تتقاضى عليه أجرك؟ هل على الكيلو غرام أم غيره؟

ـ أجور عملي على القطعة وليس على الكيلو غرام.

يبدو أن الشباب يشكّلون غالبية في هذا المجال، إذ وجدنا نسبتهم كبيرة، وكذلك الأطفال المتسربين من المدارس نتيجة الوضع المعيشي الصعب. التقينا بالشاب أحمد وسألناه:

• متى عملت في هذه "الشغلة"؟

ـ أولا أحبُّ أن تعلم باني طالب مدرسة، ونقلت دوامي إلى المسائي ليتسنى لي العمل نظراً لظروفنا المعيشية الصعبة.

• ما نظام الأجور التي تتقاضاها؟

ـ الأجور على القطعة، لكل قطعة (250ديناراً)، إذ أقوم بجمع القطع بعد الانتهاء من تفصيخها.. كل مائة قطعة تكون أجورها "25" ألف دينار.

• ما مقدار النحاس في هذا الماطور؟

ـ بالنسبة لمقدار النحاس في المروحة "ربع" كيلوغرام، أما بالنسبة لماطور الماء فمقدار مادة النحاس فيه نصف كيلو غرام، أما في ماطور المبردة فكمية النحاس "كيلو غرام".

• ما ثمن ماطور الماء إذا بعتُه للعتاك؟

ـ سعر ماطور الماء هو ثلاثة آلاف وخمسمائة دينار.

• منذ متى تعمل بهذا العمل؟

ـ منذ ست سنوات..... عملت وأنا في الصف الرابع الابتدائي.

• أين يذهب هذا النحاس؟

ـ بحسب علمي، وكما سمعتُ، يذهب إلى الشمال عن طريق التجار الأكراد، فيقومون بشراء آلاف الأطنان، ليس من النحاس فقط، بل من مواد كثيرة مثل الفافون والحديد، إذ يقومون في الشمال بصهر هذه المواد مرة أخرى وإرسالها إلى إيران ليعاد عملها في صناعات كثيرة.

التقينا بالأخ أبو علي (المتخصص ببيع الراديترات وصوبات علاء الدين)، سألناه:

• ما هذه الراديترات؟

ـ هذا سكراب نشتريه ونبيعه أيضاً إلى أصحاب (الكور) لغرض صهره.

• من أين تأتون بها؟

ـ من السوق ومن المناطق الصناعية، ومن الذين يسقّطون سياراتهم.

• ماذا تستخرجون منها؟

ـ توجد فيها مادتا الألمنيوم والنحاس.

ـ ما سعر كيلو غرام من مادتي الألمنيوم والنحاس؟

ـ الكيلو بمبلغ ثلاثة آلاف دينار.

• إلى أين تذهب هذه المواد؟

ـ يقومون بصهرها وبعدها تُصبّ على شكل سبيكة، وعذراً لا أعرف أين تذهب بعد ذلك.

• أرى "صوبات "علاء الدين؟

ـ نعم نقوم بشرائها لكي نستخرج منها مادة البراص. هذه النوعية قديمة جداً تسمى "علاء الدين" وتوجد مادة البراص فيها في قاعدتها.

• هل هناك من يشتريها؟

ـ نعم، تأتي إلينا سيارات كبيرة الحجم فنقوم بتحميلها بهذه الصوبات، علماً أن بيعها يكون بنظام الكيلوغرام.

• قطعة الأرض هذه، هل هي لك؟

ـ لا، استأجرتها وكانت يوماً ما بيتاً وتمّ هدمه من قبل صاحبه بعد أن زحفت المهنة بأوساخها وفوضاها عليه، فقمت باستئجاره منه.

التقينا بعامل آخر وسألناه أولاً عن اسمه ثم سألناه عن طبيعة عمله بين زملاء المهنة، إذ تتفرّع منها تخصّصات عدّة؟

ـ اسمي محمد وأنا أعمل بمادة الصفر "في سوق الدجاج". أقوم بنقل الصفر من مكان إلى آخر، وأقوم أيضا بفرز المواد مثل الحديد في مكان، والألمنيوم في مكان آخر.. هذا هو عملي.

• ما أجورك في اليوم؟

ـ أجور عملي ليست ثابتة.. يوماً يعطونني خمسة آلاف دينار، ويوماً سبعة ويوماً عشرة.. الأجور غير ثابتة بحسب عملي.

• من أي ساعة تعمل وإلى أي ساعة؟

ـ من الصباح حتى الساعة الرابعة عصرا.

• كم عمرك محمد؟

ـ عمري عشر سنوات.

• أنت طالب؟

ـ نعم، ونجحتُ من الصف الرابع إلى الخامس.

• ماذا تفعل عندما يبدأ الدوام في المدارس؟

ـ إذا كان دوامي صباحاً آتي بعد الظهر، أما إذا كان دوامي ظهراً آتي للعمل صباحاً.

• كم عدد أفراد عائلتك؟

ـ عائلتي مكوّنة من ستة أفراد، لي أخ واحد، والباقي بنات، وأمي وأبي، الرجل المريض العاجز عن العمل.

معلمون يعملون بـ(السكراب) ويبيعون الطبّاخات المستعملة..!!

أمرٌ بات معقولاً إلى حد ما أن ترى وتسمع عن طلاب تركوا مدارسهم وانخرطوا بهذا العمل، ولكن أن نرى مجموعة من المعلّمين يشتركون بهذا العمل مع التلاميذ المتسربين فهذه قضية تثير الأسئلة.. لهذا سألنا أبو سجّاد (معلّم):

• ماذا تعمل في هذا المكان؟

ـ أعمل في الطباخات منذ سنة 1990.

• ماذا تعمل بالضبط؟

ـ هناك أعطال بسيطة تحدث في الطباخات التي يبيعها الناس، فأشتريها من "الدوّارة". عملي هو تصليحها وإعادتها للعمل مرّة أخرى وأقوم ببيعها.

• هل لديك ورشة تعمل فيها؟

ـ كانت لديّ ورشة، أما الآن فلا أملك أية ورشة. أصلح الطباخات وأبيعها بنفس الوقت لأصحاب الورش.

• كم تكسب من هذا العمل؟

ـ كسبي غير ثابت، هناك طباخ أربح منه خمسة آلاف وآخر أربح منه عشرة آلاف. وفي بعض المرات أخسر في بيعه حين أضطر إلى بيعه لامرأة فقيرة!.

• كيف تحصل على هذه الطباخات؟

ـ أنت تعلم أن هناك عوائل عند شرائها طباخاً جديداً تقوم ببيع القديم أو رميه في النفايات. نحن نقوم بشراء القديم وصيانته وبيعه للعوائل الفقيرة، ونقوم أيضاً بجمعها من مكان تُرمى فيه. هناك أنواع من الطباخات نشتريها بمائة ألف دينار. وكما قلت لك نقوم بتصليحها ثم نبيعها بسعر مائة وعشرين ألف دينار أو أكثر لمحال في سوق مريدي.

قبل الوداع

قبل أن أطوي أوراقي لأعود إلى عملي في جريدة (العهد) ثمة مشهد لم أستغربه برغم عدم انسجامه مع الشائع في حياتنا التي يتخللها الطمع والتسقيط. كان اسمه جبار، شخص تجسّدتْ في سلوكه الطيبة العراقية، فهو يعدّ (قبلة) لكل العاملين، لقد استأجر قطعةَ أرض وجعلها مشاعة لكل العاملين فجعلوها مطعماً لهم في وقت الغداء، وكذلك محطة استراحة ومصلّى، فضلاً عن قيامه بدور اجتماعي مهم، فهو (الفريضة) في حلّ المعضلات والمشاجرات التي تنشأ بينهم... واللافت للنظر أن هناك نظاماً متوازناً أشبه بالقانون يطيعه الجميع ويعدّ ضابطاً أخلاقياً للمهنة، وهو أقرب إلى ميثاق شرف لها، �

�ذ لا يتطاول أي من العاملين على جهود أو تخصّص غيره من نظرائه في المهنة.. لقد توصلّوا إلى نظام والتزموا به من أجل ديمومة العمل والعلاقات النبيلة التي تجمعهم في معاناتهم اليومية. كلّ هذا بفضل السلطة المحببة لجبار!