مواضيع اخرى - تحقیقات

ارشیف التحقیقات

اضغط هنا لقراءة المزید



Facebook
المعدان اصل الحضارة

Marsh
ahwaar
  • السابق
  • 1 of 2
  • التالي
حيدر شامان الصافي

(المعدان، اللون العراقي الأزرق، القادمون من متاهة التاريخ، والماضون الى متاهاته الأبعد. لم ينصفهم كتاب، ولا وقفت عند احزانهم قصيدة. سُرقت أساطيرهم ودُمرت ذكرياتهم، ولعُنت جواميسه ، وحطمت قوانينهم التي سرقتها آنانا حينما حضرت عرسا في السماء.

المعدان

عرب المكان المغطى بصوت نايات القصب وتدافع الموج البطيء لحظة ركوده الشتائي فيما يكون الطير القادم من آخر الدنيا فأل حسن لهم فبعودته تمتلك الجواميس رغبة الأطالة والعوم في المياه ويطلق عليها باللغة الشعبية ( يكيل ) أي يبقى مستمتعا بقيلولته المائية فيما عصى المعدي الغليضة تجبره على النهوض والذهاب إلى زريبة الحلب حيث يعد حليب الجواميس ممتلكا إلى كمية هائلة من الدسم والذين يصابون بالكسر يلجئون إلى شراب كمية من حليب الجاموس للترميم السريع لعظامهم لاحتوائه على كمية كبيرة من الكالسيوم والمعادن والفيتامينات التي تسهل عملية إعادة البناء داخل الجسد البشري .

عاشت هذه الشريحة المؤمنة بقدر الطبيعة وحظوظه حياة قانعة مهادنة ، لاشغل لها كثيرا بمجريات ما يحدث خارج هذه الطبيعة المائية ، لكنهم يتحولون إلى ذو بأس لا يقهر عندما يشعرون بأن مكانهم مهددا من غازٍ أو ملك أو طامع وعلى حد قول احدهم :

لقد كنا طوال حياتنا نعيش على أمل الحياة بهدوء والموت بسكينة غير إننا لا نرضى أن تتحول حياتنا إلى عبودية أو موتنا من سيف غريب نتركه ُيغرس في جسومنا لمجرد إننا نرفض أن نمنحه هبة الله لنا .

وحتما كان يقصد الأهوار على إنها هذه الهبة التي نظر إليها الكاتب والرحالة الإنكليزي ( ويلفرد ثيسـﮕر ) على إنها مرتبطة بذاكرة أولئك البشر الطيبون الذين ترغمهم دماثة الخلق والبساطة وسذاجة النأي عن الحضارة أن ينظرون إلى كل هاجس ومشهد غريب بدهشة وريبة مع إصغاء عجيب في المسامع وتحليل هائل في النظرات وهذا يلتقي في روحيته بالنسبة إلى الذات الأهوارية مع هاجس الكلمات التي دونها الأديب الميساني ماجد الحسن عن تلك الذاكرة وتلك الشخصية :

(يوتوبيا الاهوار ، لا تستطيع مخيلة أفلاطون أو كامبيلا أن تنسج مثيلها ... يوتوبييا نسجتها مراحل التداخل الماهوي بين الإنسان والماء ... فصار ماهية سرية .

بندقية ايطاليا ، اقتحمها الماء فعاش الإنسان مضطراً تحت جبروته ، وفي الاهوار تداخل الإنسان والماء وعاشا بجبروت واحد .

حاول ذو العينين الزرقاوين ، أن يمسك بقلب ( آبسو ) ينتزع صورتها ... فعاد بذراعين مقطوعين ، وهرب بصورة ( عشتروت المعيدية ) وهي تعتمر ( العصابة ) ... عينان يحف بهما الكحل ذلت وقاحة ( المحتل ) ، تلك هي أول صورة مهربة عبرت إلى اليابسة ، ففتحت أفقاً للمستشرقين والانثروبولوجيين والباحثين عن العيون المستطيلة ، فكان اكتشافهم الأهم

من هم المعدان؟

يطلق سكان المدن والأهوار معا تسمية (المعدان) على أصحاب الجاموس حيث كان ولايزال يستعمل هذا التعبير بكثير من الغموض، فسكان المدن في العراق يستعملونه في معان مختلفة للتدليل على سكان الأهوار عامة وبلا تمييز، ان كلمة (معيدي او معدان) تطلق على الذين يسكنون مناطق الأهوار ويعتنون بتربية الجاموس ويعتبرونها مهنتهم الأولى، إضافة لممارستهم صيد الطيور والأسماك وصناعة الحصران (البواري) كما تطلق كلمة (بدوي او بدو) على الذين يسكنون البوادي ويعتنون بتربية الجمال، وما هذه النعوت إلا وصف لنوع من الحياة التي فرضتها ظروف الحاجة والبيئة التي يعيشون فيها، وبنفس الوقت نوع من

أنواع الحرف التي يزاولها الإنسان لكسب رزقه، شأنها شأن الحرف الأخرى، أي ان هذه التسمية ما هي إلا وصف لمهنة وليس عيبا من عيوب الجنس البشري، هذا ومن المعروف ان الجماعة المقصودة بكلمة (معيدي) او (معدان) ينتمون الى قبائل عربية معروفة النسب والحسب والجذور.

سكن المعدان

هم في حركة دائمة وكثيرو التنقل طلبا لمتطلبات حياتهم ومتطلبات حيواناتهم فهم في حقيقة أمرهم أشباه بدو في بيئة أهوارية، يتنقلون بحيواناتهم في أعماق الأهوار او الى حافاتها حسب الفصول والظروف الطبيعية، ولا يتعلق سكنهم ببقعة جغرافية معينة ويكون تنقلهم على شكل مجاميع، تربطهم علاقة العشيرة الواحدة ويقتصر بناء مساكنهم على الصرائف (جمع صريفة) والأكواخ الصغيرة وهي أبسط أنواع المساكن وأكثرها شيوعا في مناطق الأهوار قاطبة. وتشيد الصرائف من حزمات من القصب يتناسب طولها وقصرها مع إرتفاعها وتنشأ على شكل أقواس متتالية تربط من الأعلى، وهناك إختلاف بسيط بين بناء الصرائف والأكواخ الصغيرة، وهذه الصرائف او الأكواخ مقسمة الى قسمين، القسم الأول خاص للإستقبال، اما القسم الثاني فهو مخصص لأفراد العائلة، ويفصل ما بين القسمين بأن يضع صاحب الكوخ ما لديه من حاجيات في وسطه، بحيث تفصل القسمين عن بعضهما، ويسمى القسم الخلفي (العمرة) او (الربعة) ويقيم صاحب الجاموس دائما أمام كوخه حاجزين من القصب متقابلين وبشكل مائل الى الداخل وملتصقين بالكوخ ويكونان بمثابة (حظيرة) للحيوانات وتسمى هذه الحظيرة بإسم (ستارة) لوقاية الحيوانات من برد الشتاء ورياحه الباردة، وتكون أمام الدار فسحة صغيرة تسمى (مشول).

ولا يستغرق بناء سكن العائلة الواحدة وحظيرة حيواناتهم من هذا النوع أكثر من يوم واحد

حضارة المعدان

وحضارة المعدان عرفها الانسان، حسب تقدير العلماء، لمدة الف عام. كانت هذه المنطقة تفيض بخير وفير يفي باحتياجات عرب الاهوار "المعدان"، وكانوا يستخدمون قصب المنطقة الشهير لبناء بيوتهم الطافية على مجاري المياه واليابسة والتي لا تغرق مع الفيضان، بل تطفو فوق مائه لتهبط ثانية بعد زواله.. ويؤكد العديد من الانثروبولوجيين ان المعدان بقايا السومريين ويستدلون على ذلك بان منطقة الاهوار كانت موطن السومريين، حيث مدن اكد واور، كذلك من وجود الادوات والعدد السومرية التي لا تزال مستخدمة عند المعدان، مثل "الفالة" و "المشحوف" والاخير وسيلة التنقل الوحيدة لديهم عبر المياه والادغال.. ويبدو ان المتفق عليه انهم من اصول سامية، وهناك من يؤكد انهم ينحدرون من ارومة عربية..

لقد وجدت الانثروبولوجيا في هكذا نمط من البشر بديهيات التصاق التأثير الطبيعي وموجداته في السلوك. لقد كان "معدان الاهوار" جزءاً من يعاربة المكان، ربما منذ النزوح السامي لأكد، الذين هم من بطون العرب الآتين من شبه الجزيرة العربية، وما دام القرآن الكريم قد تحدث عن عروبة ابراهيم "ع"، فان انتماءه الاكدي ربما اقرب لانتمائه السومري، بعد ان نعلم ان أور السومرية خضعت في فترة من الفترات الى هيمنة الامبراطورية الاكدية، التي حكمت في الاديم عصوراً وملكها العظيم "سرجون الاكدي" الملقب "ملك الجهات الاربع" والتي تلتقي قصة ولادته في الشكل والرؤية مع ولادة النبي موسى "ع" قبل ان تنهض سومر وتبني سلالتها الثالثة على يد المشرع الكبير، وصاحب العدل، وباني اكبر معبد في التاريخ القديم "زقورة اور" الملك اور - نمو ويشير الكاتب نعيم عبد مهلهل في مقالته "المعدان عرب الاهوار.. زادهم الفطرة والتشيع والكرم" الاّ ان الاصول الباقية في ملامح الكثير من هؤلاء القوم، اذ تنبئ السحنة والشكل والقوام على جدلية الترابط التكويني والعادات بين اولئك الذين صنعوا مجد اكد وسومر وبين سكان الاهوار، يضاف اليهم في السكن عرب اقحاح أتوا من هجرات القبائل التاريخية عبر العصور، وسكنوا مع المعدان في ذات البيئة، كما فعلت قبيلة بني اسد كبرى قبائل منطقة الجبايش، وهي قبيلة عربية من افخاذ كثيرة سكنت بطائح اهوار الجبايش جراء نزوحها من حرب لها مع المماليك عام 556هـ، بعد ان كانت تسكن الفرات الاوسط.

وعلى هذه الشاكلة نزح العديد من القبائل الكبيرة لتسكن المنطقة وحوافها على مجمل الاهوار الممتدة بين الناصرية والعمارة والبصرة، غير ان المعدان ظلوا يتميزون بنمط الحياة الاهوارية الخاصة، فيما كان افراد القبائل العربية الاخرى يمارسون اضافة الى سبل العيش في بيئة الهور يمارسون الزراعة، التي لم يقترب لها المعدان كثيراً، لانهم كما يبدو لهم ازل مميز في المعيشة وهي تربية الجاموس، والعيش منه، وما يدر من منتوج، وهنا ينقل لنا نعيم مهلهل نصاً من كتاب "الاهوار.. دراسة تاريخية ديموغرافية طوبغرافية، لمؤلفه الباحث حسن علي خلف، ص 47": "فمهما كانت التسميات التي يطلقها اهل المدن او الباحثون على سكان الاهوار، وخاصة تسمية "المعدان" او عرب الاهوار او سكان الاهوار فان عملية التجانس في اسلوب المعيشة بين هؤلاء السكان هي القاسم المشترك، تضاف اليها الروابط التاريخية الاخرى مثل القرابة والمصاهرة والدم والدين واللغة والتفكير المشترك".

ان مثل هذه الروابط بقيمتها الحضارية والاجتماعية جعلت التجانس الحياتي بصورتها البيئية تجانساً يقنع الجميع، حيث ان القبائل النازحة لم تضغط على من وجدتهم متفردين بنمط العيش، ولم تذبهم في عاداتها وتقاليدها، فلقد بقي المعدان يتمسكون بالنمط المعيشي الموروث من اكد وسومر، وظلت عمارة بيوتهم المكونة من القصب بمقدمته المقوسة على شكل "المضيف"، التي وصفها الرحالة والكاتب الانكليزي السير ويلفر ثيسكر في كتابه قائلاً:"طول المضيف.. كما قسمته فيما بعد. ستون قدماً، وعرضه عشرون وارتفاعه ثمانية، لكنه يعطي انطباعاً بسعة اكبر، خاصة حين دخلته للمرة الاولى. احد عشر قوساً تدعم السقف، وكلها مثل عمودي المدخل مرصوصة من باقات القصب العملاقة، يبلغ سمكها عند القاعدة تسعة اقدام، وقدمين ونصفاً عند القمة.. هذا القصب - كما اكتشفت - يمكن ان ينمو الى ارتفاع قدره خمسة وعشرون قدماً. كانت هناك حصران من القصب لاتمام عملية البناء موضوعة فوق بعضها، مربوطة من الخارج الى الاعمدة.

التباين بين الزخرف الافقي وشكل الاقواس العمودية يشكل طرازاً مدهشاً يرى من الداخل. السقف ذاته مغطى بحصران مصنوعة من القصب تلتف على بعضها تشبه تلك المفروشة على الارض، فحاطة الى الاضلاع بطريقة تؤكد متانتها وسمكها، لجوانب الغرفة لون ذهبي باهت، لكن السقف كان معتماً، منحه الدخان لوناً بنياً يعطي انطباعاً بانه مدهون"..

هذه البيوت والمضايف هي ذاتها التي سكن بها ابناء السلالات، والتي ما زالت مرسومة على الكثير من الالواح ومسلات الحجر وحتى اليوم، وقد اظهرت تنقيبات اور الكبرى، التي قام بها العلامة ليوناردو وولي لصالح جامعة بنسلفانيا الاميركية الكثير من الشواهد المرسومة، ومنها ما كشفه وولي في نزوله في التنقيب الى الطبقات العميقة من المكان الثري.

ان اور كانت في يوم ما مدينة على ساحل مائي ضخم، كما اكد كلامه السير ماكس مالوان الذي رافق وولي في رحلة التنقيب في كتابه "ماكس مالوان".

وفي احدى محاضراته تحدث مالوان مبيناً ان الاصول السومرية والبابلية والاكدية ما زالت باقية عند اجناس من البشر هم اليوم سكان الاهوار الداخلية ويطلقون عليهم لقب "المعدان"، وهناك عدة رؤى وافتراضات لاصول تلك الشريحة الاصيلة من الناس تعيدهم الى العصور الحضارية الاولى، ومهما تعددت اماكن تواجدهم فان اصولهم باقية تحوم في ذات المكان اي اراضي بلاد الرافدين.

ويقدم الكاتب نعيم عبد مهلهل جزءاً من وصف المخرج قاسم حول للمعدان في الرسائل المتبادلة معه، فقد عمل حول فيلمه الوثائقي "الاهوار" في سبعينيات القرن الماضي حيث يقول انهم قوم يتمتعون بطهر روحي عجيب من البساطة والاقتناع بقدر البيئة ومؤثرها، وقد تبينت له هذه الصورة حيث صور بمشهد حي لحظة موت عجوز من المعدان على جبيشة القصب، كانت تغرز نواظرها في السماء بشكل عجيب، وكان الهدوء وقرارة النفس في راحة البال مسيطرة على الم سكرة الموت، ومن ثم تغمض العجوز "المعيدية" عينيها بهدوء وثقة وسعادة، وهي تعرف ان مثواها الاخير سيكون قريباً قبراً ينهل من صباحات ضوء الذهب الآتية من قباب ضريح الامام علي "ع" في النجف الاشرف ثم يقدم مهلهل وصفاً ميدانياً للمنطقة خلال زيارته عام 1975 في قضاء الجبايش، التي قضاها مع عائلة من عوائل المعدان حيث يقول على جبيشة قصب وسط الماء، وهي عبارة عن "صوباط" من القصب مصنوع من البواري ومثبت باعمدة قصبية وسط الماء لترى انك في نومتك كأنك جالس في سفينة نوح، اذ تشعر في روجة الماء ان المكان يتحرك بك، فيما تسطع نجوم السماء الصافية في ابتهاج عجيب ورغم قرص الحشرات، وتداخل اصوات كائنات الماء كالضفادع والطيور وخفق زعانف السمك في الماء، وتصادم القصب بزوارق الصيادين كان المعيدي ينام بهدوء عجيب، ويطلق شخيره بانتظام مزمار اما انا، ومازال الكلام لنعيم عبد مهلهل، فلم انم ليلتي اذ كانت رماح "الحرمس" تطبع على جسدي آثار مسامير الصحوة والانشداد الى هذا الكون الواسع، الذي يضيق في افق اية مخيلة، حيث انتهى سمرهم معي، وناموا مـع شخيرهـم واحلام الفجر حيث ينهضـون لحلـب الجواميـس.