مواضيع اخرى - تحقیقات

ارشیف التحقیقات

اضغط هنا لقراءة المزید



Facebook
عشرة أسئلة حول ندوة نادي الرافدين في برلين

 

muhnddd234
لايجوز تكرار النشر دون الاشارة لمجلة سطور

 

حوار مهم في الفكر الأسلامي السياسي مع الداعية الاسلامي الشيخ مهند الساعدي

 

يسرنا في رابطة شباب ( انصار الدعوة ) ان نقدم بين ايديكم هذا الحوار الفكري المهم مع الأخ الداعية الشيخ مهند الساعدي ، والذي جاء في سياق النقاش حول مقال بعنوان ( دور المثقف في مواجهة الطائفية ) . وهو حسب ما ورد فيه كان مداخلة وسعت فيما بعد ، للدكتور صادق إطيمش ، في ندوة نادي الرافدين الثقافي في برلين .

ونحن في الرابطة إذ نقدم هذا الحوار ، نؤكد على تبنينا الأصيل للقيم المفاهيمية الكبيرة التي يؤمن بها الاسلام في الحوار، والجدال بالتي هي أحسن ، والدفع بالتي هي احسن ، وعدم الأكراه في الدين ، والصفح ، والهجر الجميل ، ومركزية الدعوة الى كل ذالك التي تعتبر تكليفا ً شرعيا ً كفائيا ً على المسلمين .

القسم الأول (1 )

الرابطة : هناك من يدعو الى التنصل عن المسؤلية الدينية في الانتماء والممارسة بزعم انه انتماء قسري وليس اختياري . كيف تؤثر طبيعة هذا الإنتماء على حياة المتدين ؟

الشيخ الساعدي : بسم الله الرحمن الرحيم ، والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين .

ابتنت الستراتيجية المعرفية ( الابستمولوجية ) لفلاسفة ما يسمى بعصر الانوار وغيرهم ، على نقد الموروث الديني ، ومحاولة بث القطيعة التي لا رجعة فيها ، بين الأنسان وانتماءاته الأبوية ، التي تعتبر في نظرهم انتماءات لاقيمة معرفية لها ،لأنها تتأتى اصلا ً مجردة عن الادوات المقررة في نظرية أو ( نظريات ) المعرفة المعاصرة .

وفي صدق هذا التفسير المبتسر وانطباقه على الانتماء الديني ، شك كبير يقودنا الى حقيقة اكبر . وعلى ضوء هذه الحقيقة نقول أن الانتماء للاسلام يعتبر انتماءا ً أختياريا ً عقلياً يعتمد في عمقه على البديهيات المعرفية التي تراكمت عبر مراحل التاريخ العقلي للأنسانية .

وهذا ما يعتمد هنا على بيان فلسفة بعض الأحكام الشرعية ، وبيان البعض الآخرمن المداليل النصّية في القرآن .

ففي البعد الفقهي لهذه المساءلة ، تفصح احكام التكليف عن نفسها ، باعتبار ان الانسان غير مكلف قبل اتمام سن البلوغ الشرعي ، وهو خمسة عشرة سنه قمرية على ابعد التحديدات . وبعض الناس يعتقد ان هذا يسري في الفروع فقط ، وهذا كلام لا دليل عليه ، حيث نعتقد انه يشمل الأصول أيضا ً .

ومعنى ذلك أن الخطاب الديني في بعده اللالزامي لا يصبح فعليا ً ألا بحق البالغ ، ولكن من هو هذا البالغ ؟ انه بعبارة اخرى الانسان الراشد الذي اكتملت قواه العقلية ، وتوسعت مداركه المعرفية ، وأصبح قادرا ً على الأختيار .

ماذا يعني هذا ؟ هذا يعني ان الله تعالت حكمته لا يقبل دين الرضع ، لا يقبل دين الاطفال أو الصبية ، ويعني أيظا ً ان التكليف في الاسلام قبل ان يكون مشروطا ً بالقدرة الجسمية الفعلية ، فأنه مشروط ٌ قبل ذالك بالقدرة العقلية ، وحتى لو سُلبت هذه القدرة بالمرض اوالعوارض الاخرى كالنوم والأغماء ، فان التكليف الشرعي يرتفع معها . ان العقل والانتماء وفق هذه الفلسفة الاسلامية يولدان في مهد ٍ واحد ، ويدفنان في حفرة واحدة .

ان اصالة العقل في الفلسفة الأسلامية حقيقة مهمة لا يغفل عنها واع ، فالمباحث العقلية تغطي نصف علم الأصول الذي يعتبر منطق الفقه ، والى ابعد من ذالك تذهب مباحث المستقلات العقلية ، حيث تتقرر قواعدها بمعزل عن المداليل الشرعية وتستخدم في الاستنباط لاحقا ً . وفي التفسير لا يجروء مفسر على تقديم اي ظاهر من ظواهر القرآن على ضرورة عقلية معينة واوضح من ذالك ما نجده في علم الكلام من نفي ٍ مطلق ٍ للتقليد في التوصل الى الاعتقادات القلبية في العقيدة .

في هذا المجال أسمع من البعض يدعي ان واقع الحال يشير في هذه المساءلة ان ّ الناس تقلد في العقائد أيظا ً ، ويقول هذا البعض الغير مُطلع ان انقسام المسلمين في الأصول الى سنة أشاعرة ، وشيعة أمامية ، ومعتزلة ، وخوارج ، لهو دليل على التقليد في الأصول .

وهذا خطأ كبير مرده لعدم التفريق بين الرجوع الى المجتهد لأخذ الحكم الشرعي المستند الى الدليل ، بدون النظر في هذا الدليل ، والرجوع الى آخر مع النظر الى الدليل ، فالعلماء يقولون أن الرجوع الى من يستند في قوله الى الدليل لا يعد ُ تقليدا ً .

نعم التشريع الأسلامي أوجب على الأبوين حفظ الولد من الوقوع في الأعمال( المحرمة ) في مرحلة ما قبل البلوغ ، لكن هذا الحكم يعتني بالجانب التربوي وأعداد النشيء المسلم لتقبل العقيدة فيما بعد ، ويبقى تكليفا ً للآباء فحسب .

أما حديث ( أن المولود يولد على الفطرة ، وابواه يهودانه او ينصرانه اويمجسانه او يسلمانه ) فأنّ الفطرة هي فطرة التوحيد والعبادة ، والحكم على الأبناء بدين الأباء له معنى واحد ، هو أننا نحكم بذالك فقط من ناحية حقوقية أجرائية قانونية ، إلى حين ان يبلغ ويختار . بالضبط كما تفعل القوانين الوضعية في الحكم بحضانة الطفل لأمه حتى يبلغ ويختار . فأذا احتجنا للتعامل مع هذا الطفل لأي حكم ديني في الأحوال الشخصية أو غيرها مثلا ً ، فأننا نتعامل معه على وفق دين أبيه ، وفيه واقعية قانونية كبيرة كما هو واضح ، ولا علاقة حتمية فيه بين المولود ودين آبائه من ناحية الأعتقاد القلبي العقائدي .

لا ننكر أن الواقع التاريخ يفضي ألى حقيقة واقعية مهمة ، هي أن الأبناء على دين أبائهم غالبا ً ، لكن القرآن يتوجه بالنقد الشديد لهذه الظاهرة ، ويعتبرها ظاهرة سلفية عمياء ، ويعتبر الأنتماء المترتب عليها أنتماء لا يحترم العقل (وإذا قيلَ لهُم تعالوا إلى مآ أنزلَ اللهُ وإلى الرسول قالواحَسبُنا ما وجدنا عَليه ءابآنا أولو كانَ ءابآؤهُم لا يعلمونَ شيئا ًولا يهتدون ) . هذا هو بالضبط ما قلنا عنه أنه تقليدٌ من دون دليل ، لقد رجعوا في دينهم ألى هؤلاء الأباء الذين لا يعلمون شيئا ً ولا يهتدون ، ليس عندهم شيء ، لاعلم ٌ يغني العقل ، ولا هُدىً يملاء القلب .

اذا ً فهذا الذي ابتُلينا به في التاريخ ، ليس نتاجا ً دينيا ً بقدر ما هو سلوك متدينين ، والدافع الأكبر له ليس دافعا ً دينيا ً ، بل هو دافع ٌ مناقض ٌ للدين في عمقه ، وهو الكسل في الفكر والوجدان والقيام بواجبات الأمانة على الوجود والمخلوقات .

نسوق كل هذا لنكشف عن حقيقة مهمة ، يغفل عنها القاصر أو المقصر ، ويتغافل عنها المغرض والكيدي ، وهي أن الأنتماء والايمان بالاسلام هو انتماء لا أبوي ، اختياريٌ في طبيعته ، وعقلي ٌ في طريقته .

الرابطة : على فرض ما تفضلتم به من توجيه لفلسفة الأنتماء الديني للأسلام ، فأن البعض يقول أن العلاقة المترتبة على ذالك هي علاقة شخصية بين العبد وربه . وهي علاقة محددة وغير مطلقة ؟

الشيخ الساعدي : الأسلام يختزن في داخله خواص ذاتية ، في العقيدة والتشريع ، تمنع تحديد هذه العلاقات الثلاثة بالشكل الكيفي ، والمرتجل ، والجاهز ، الذي يردده الأصوليون العلمانيون ، ودهاقنة الديمقراطية الجُدد في داخل المجتمع الأسلامي . منذ ُ اكثر من قرن ونحن ُ نسمع هذا التجني .

إنّ العلاقة الطولية مع الخالق ، هي التي تحدد العلاقة العَرَضية للأنسان مع كُل ٍ من الطبيعة وأخيه الأنسان الشريعة الأسلامية هي التي تنظم هذه العلاقات الثلاثة ، فالصلاة علاقة مع الله وهي حكم شرعي ، والزواج علاقة مع الأنسان وهو حكم شرعي ، واستخراج الثروات الطبيعية من داخل الارض علاقة مع الطبيعة وهو حكم شرعي أيظا ً . لامعنى للعلاقة مع الله بدون طاعة وامتثال ، ولا ضمان لممارسة هذه الطاعة من دون كفالة للحريات ، ولا حماية لهذه الحريات بدون دولة ، ولا دولة بدون سياسة ، ولاسياسة بدون أحزاب . ثم يأتي بعد ذالك من يقول لنا : لقد ظهر الأسلام السياسي . شكرا ً على نقل الخبر ، ولكن متى اختفى هذا الاسلام لكي يظهر ؟

خذ مثالا ً على عدم امكانية حصر العلاقة الدينية بين المسلم وربه : الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. ودع عنك في هذا المجال بعض الممارسات السلفية المتحجرة تحت هذا العنوان ، والتي تقوم بها بعض الهيئات الرسمية في بعض الدول الاسلامية ، والميليشيات في مناطق أخرى . والتي لاهم لها سوى منع النساء من ركوب السيارة ، ومطاردة الحلاقين .والتي تنقلب أحيانا ً إلى الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ، بئس َ بضاعة الجاهلين .

لكن دعنا نعود لبيان هذا الحكم الشرعي والمفهوم الراقي الذي يحتويه ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هو وسيلة الحماية المجتمعية للقوانين والتشريعات . فصحيح أن القانون وضع لحماية حقوق الناس والدفاع عنها ، لكنه بحاجة إلى من يدافع عنه أيظا ً . المجتمع مكلف بالدفاع عن قوانينه التي أختارها ، وهي بدورها تدافع عنه ، في علاقة تبادلية مستمرة .

لكن كيف يمارس المسلم هذا الفرض بينه وبين خالقه ؟ هناك أستحالة ذاتية مخزونة في داخل هذا الحكم تجعل من الصعب تطبيقه من دون عملية اجتماعية وسياسية واسعة . وهذا هو جوهر الإشكالية .

هناك عملية احتيال على السياقات التاريخية التي دفعت التجربة الغربية إلى المقدمة ، وجعلتها تحدد موقع الدين في الحياة ، والمتهم الأول في هذا الأحتيال هو الخطاب اللاديني العربي الراهن .

هذا الخطاب ما فتئ يحاول تقديم التجربة الغربية مع الكنيسة على أنها تجربة قابلة للأستنساخ الحرفي في التعامل مع الأسلام . والحقيقة هي غير ذالك ، لأنّ الاسلام وإن اشترك مع المسيحية في كونهما دين ، إلا أنه يتباين بمسافات شاسعة عن التجربة المسيحية في عمق وسعة التشريعات . كذالك التجربة التاريخية ، في الدولة ، والسياسة ، وبناء المجتمع . فالسيد المسيح لم يبن ِ دولة ، ولم يحارب ، ولم يحكم وعندما رُفع إلى الله ترك وراءه ُ الحواريين مبشرين . أما الرسول محمد (ص) فقد بنى دولة ، وحارب الجيوش ، وحكم ، وعندما مات ، ترك وراءه ُ خلفاء حكموا القارات .

الاسلام هو الأسلام ولاشيء آخر ، والمجتمع الأسلامي هو المجتمع الأسلامي بكل خصوصياته ، وكل محاولات الأسقاط العشوائي للتجارب الاخرى ما هي إلاضرب ٌ من إضاعة الوقت ، سوف يستنزف طاقات الناس ويدفع بها الى تسلق الظل ، وهو عين الوهم .

الرابطة : لكن سماحة الشيخ هناك من يقول أنّ الأسلام السياسي سيأتي علينا بالصراع الطائفي ، فالأسلام أصبحَ طوائف ، وكل طائفة تتعصب لنفسها ، وتدعي أمتلاك الحقيقة المطلقة ، وسمة التاريخ الأسلامي هي الأنقسام المذهبي ، وأنه اصبح ملل ونحل ، تعدت الأثنين وسبعين فرقة ، إلى 428 على رأي بعض الباحثين المتأخرين . كيف تردون على هذه الحقيقة ؟

الشيخ الساعدي : هذا إن كانت حقيقة فعلا ً ؟

الرابطة : وهل تشكّون في هذه الوقائع ، والمعطيات التاريخية ؟

الشيخ الساعدي : لا نُسلم هكذا أنّ الأسلام أنقسم الى كل هذا العدد من الطوائف والمذاهب والملل والنحل وذالك راجع إلى المنهج الذي كان متبعا ً من قبل الجيل الأول من المؤرخين الذين صنفوا كتب ما اصطلح عليه بالملل والنحل . فهؤلاء ِ احيانا ً كانوا يصنفون كل رأي على أنه فرقة ، حتى لو كان القائل به شخص ٌ واحد . كذالك حديث أن أمتي ستفترق إلى إثنين وسبعين فرقة ، فالتسليم بقطعية صدور هذا الحديث قاد البعض من المؤرخين إلى تقصي اعداد الفرق التي تكونت ، وتصنيفها ، وأعادة تشكيل وتقسيم البعض الآخر ، وتجزيء الفرقة الواحدة الى ما أمكن من أجزاء ، بهدف الوصول ألى العدد أثنين وسبعين .

المهم أن هذا المنهج قاد المؤرخين فيما بعد ُ إلى التساهل في أطلاق تسمية ( فرقة ) على كل رأي من الآراء .

علاوة على ذالك فأن العديد من هذه الفرق التي ظهرت في ضروف وتعقيدات أختلط فيها السياسي مع الأجتماعي فأنعكس على الآراء الكلامية لأصحابها ، سرعان ما اختفت ، ولفها النسيان ، مطوية ً في مغزل الأحداث الكبرى التي عصفت بالامة الاسلامية . قل لي أين يوجد الشيعة الكيسانية اليوم ؟ وفي أي بلد يمكن أن أعثر على الخوارج الأزارقة ؟ وكم عدد الجارودية ؟ وهل فعلا ً توجد فرقة شيعية باسم الفطحية ؟ أم ان عبد الله الأفطح تبنى رائيا ً ، فسمع به البعض ، فسماهم الناس ( فرقة ) ؟

الرابطة : لكن ما تبقى منها موجود وهو جزء من الصراع السياسي الطائفي الذي نعيشه ونراه ؟

الشيخ الساعدي : لاشك في ذالك ، فأنا لا أنكر أن اغلب السعوديين هم سنة أشاعرة ، وأنّ أغلب الايرانيين وأكثر من نصف العراقيين هم شيعة أمامية ، وأنّ اليمن زيدية ، وعُمان إباضية ، وحكام سورية علويين . هذا واقع تاريخي وجغرافي وثقافي لا ينكر ، ولكن ونحن ُ نواجه هذ الواقع لا بد ّ لنا من الأجابة على عدة أسئلة :

اولا ً ــ هل أن ظاهرة الأنقسام والتعدد المذهبي والطائفي هي ّ من خصوصيات الاسلام ، أم أنها ظاهرة أنسانية عامة ؟

ثانيا ً ــ هل أن الطوائف الدينية تتعصب لنفسها ؟ أم أنها تمارس السلوك العصبي ؟
فهناك فرق ٌ كبيرٌ سنبيـنه .

ثالثا ً ــ هل المذهبية تساوي الطائفية ؟ أم يوجد فرق ٌ بين الإثنين ؟

أن الأختلاف ، ومن ثم التباين والانقسام ، والتنافس والأصتدام ، وأخيرا ً الأحتراب ، هي عملية تفاعل وصيرورة مستمرة طبعت التاريخ الأنساني منذ ُ القدم ، بل أصبح الأختلاف هو الحيز الذي تتحرك فيه القيم والمفاهيم الأخلاقية ، التي تلعب دور المنظم والمحدد لما يجوز وما لا يجوز فعله عند الأختلاف . وهذا ما يقع عندنا في الفكر القرآني تحت عنوان الابتلاء ، فالله سبحانه وتعالى جعل الاختلاف ميدانا ًللبلاء ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في مآ ء َاتاكم فاستبقوا الخيرات ) . من المحتمل دائما ً أن تجد نفسك في حالة حرب ، ليست الحرب شيئا ًسيئا ً دائما ً ، بل قد تصبح حلا ً واجبا ًللكثير من مشاكل الأنسانية ، مثل الظلم ، والطغيان ، والتعدي ، وأغتصاب الحقوق . فليس المشكلة أن تحارب ، بل أي قيم تحكم عند الحرب ؟ وأي معايير أخلاقية تقيم ؟ . وهكذا في مراحل الاختلاف الادنى .

الناس لا تنقسم دينيا إلى مذاهب وطوائف وتقتتل فقط ، العشائر أيظا ً تنقسم وتقتتل ، والقوميات بل القومية الواحدة أحيانا ً ، الاقتتال في الحروب الصليبية كان بين أديان ، وفي الحربين العالميتين بين دول وفي كردستان العراق كان بين أحزاب ، وفي توكو بين عشائر ، وفي افغانستان ولبنان، والبلقان والسودان ، كانت خليطا ً من ذالك كله . الأحزاب ليست بعيدة عن هذه السنة السياسية والأجتماعية ، إلى كم شيوعية أنقسمت شيوعية ماركس ؟ وإلى كم بعثية أنقسم بعث عفلق والبيطار ؟ الحزب الواحد ينقسم إلى يمين ويسار ، ثم أقصى اليمين وأقصى اليسار ، ثم يمين معتدل وآخر محافظ ، ويسار طفولي وآخر أنتهازي ، ليمتليء القاموس السياسي الحزبي بسلسلة متوالدة الحلقات ، يُخيل للمتابع أنها سوف لا تنتهي . فهل يأتي بعد ذالك من يقول أن الأسلام لا يستحق كل هذا النجاح والتقدم في الشارع السياسي ، لأنه سبق أن أنقسم إلى اثنين وسبعين فرقة ، قبل أكثر من 1400 سنة ؟!

ليست المذهبية الأسلامية هي التي تقتتل ، المذهبية ليست موضوعا ً للأقتتال ، المذهبية أعتقادات في القلوب ، وآراء في الكتب ، متجاورة في المكتبات ، كما هي في المدن والشوارع والأزقة ، المذاهب يسائل بعضها البعض الآخر كما كان عمر يسائل علي ، ويدرس بعضها عند البعض الآخر ، كما كان أبو حنيفة يدرس عند الصادق .ويتزوج بعضها البعض الآخر كما تزوج الإمام الجواد بنت المأمون . المذاهب تتعايش في المدن ، كما تعايشنا في بغداد وبيروت والمنامة ، وتتجاور في الأحياء كما تجاورة الكاظمية مع الأعظمية .

نعم يتفق أن يتضامن أبناء المذهب الواحد سياسيا ً أو اجتماعيا ً ، يتكتلون ويتعصبون لتحقيق مكاسب وامتيازات ، فيتحول هنا ــ وهذا أمر مهم ــ العنوان المذهبي إلى شيءٍ آخر ، يشبه التجمع القومي أو الوطني ، وهذا الأجتماع والتضامن قد يبدوا للمتابع في صورته الأولى مذهبيا ً ، إلا إنه ليس كذالك . بل قد يُحتاج أليه فيما بعد للحفاض على المكاسب تحت شعار المذهب ، وهو ليس من المذهبية بشيء .

العصبية مرض شعوري أخلاقي داخلي ، وهو ذاتي عند الانسان ، فمن تلبسه السلوك العصبي يحمله معه إينما وجد ، فإذا أنتمى لدين ، تعصب للدين ، وإذا أنتمى لحزب تعصب للحزب ، وهكذا للعائلة والعشيرة بل حتى لفريق كرة القدم . بل أنه اذا لم يجد موضوعا ً للعصبية ، ابتدعه لنفسه أبتداعا ً . ولا يُستبعد في هذه الحالة أن يقسم نفسه إلى نصفين ، فيتعصب لنصفه على النصف الآخر ، كما قال الشاعر:
وأحيانا ً على بكر ٍ أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا

يتبع الجزء الثاني من اللقاء