Facebook
الشاعر التركماني عماد الدين نسيمي
الكاتب: محمد الرفاعي   
الأحد, 15 نيسان/أبريل 2012 22:58

torkman
محمد الرفاعي

تتفق أكثر المراجع على أن " عماد الدين النسيمي " ولد قرب بغداد في ناحية تدعى " نسيم" فنسب إليها. كما عرف باسم التبريزي وحسيني, نسبة إلى مدينة تبريز, أو إلى الحسين الحلاج أستاذه الروحي.

توزعت حياة النسيمي بين الربع الأخير من القرن الهجري الثامن, والربع الأول من القرن الهجري الثامن (770 ـ 420 هـ) ويوافق ذلك 1369 ـ 1417م .

وكانت الساحة الإقليمية لحياته وحركته وأسفاره تمتد من العراق إلى أذربيجان والأناضول وحلب.

وأتاحت له هذه الساحة الإقليمية أن يكون مُجيداً للغات الثلاث:

‌أ. العربية: لغة القرآن الكريم والثقافة العالمية في حينه.

‌ب. الفارسية: لغة الثقافة والأدب في المناطق الفارسية.

‌ج. التركية الأذربيجانية, لغته الأصلية.

وكان عصر النسيمي قد نضجت فيه الثقافات المختلفة المتفاعلة في إطار الحضارة الإسلامية. وقد اطلع عليها وأثرت في شخصيته. ومن الواضح في نتاجه الفكري والأدبي والشعري إنه كان على اطلاع واسع على التراث الأدبي العربي وأعلامه الكبار كالمتنبي والمعري والبحتري وأبي نواس, والأعلام الفرس كالفردوسي والخيّام والعطّار والرومي وسعدي. إلى جانب تشبعه المباشر بثقافة

بلده ومكان نشأته.

وخلص من ذلك كله إلى استيعاب فلسفة المتصوفة الذين عرفتهم القرون السابقة من التاريخ الإسلامي. وبرز تأثير كبار هؤلاء في فكره وأدبه وبخاصة الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي والحسين بن منصور الحلاج وجلال الدين الرومي وأستاذه المباشر, فضل الله النعيمي الاسترابادي ت (795 هـ ـ 1394م). وكان ذلك مدخله إلى العقيدة الحروفية.

ركائز تصوف النسيمي

يمكننا تتبع الفكر الصوفي عند النسيمي في نتاجه الأدبي, سواء أكان ذلك في الرباعيات أو المثنوي أو القصائد, وذلك باللغات الثلاث التي كتب بها.

ومن المعلوم أن عظمة عماد الدين النسيمي تكمن في إنه المؤسس الأول للأدب الأذربيجاني بشكله الرفيع الإنساني البديع, والذي كتبه بالتركية الأذربيجانية قبل سبعة قرون.

ومن الجليّ تماماً أن الرجل كان على اطلاع واسع على نتاج الفكر الإسلامي في مدارسه المختلفة, وبخاصة في مجال التصوف. وقد أدى به ذلك إلى الوصول إلى " العشق العرفاني" والتأثر بمفهوم وحدة الوجود. واندغام الخمرة الإلهية بالأرضية وصولاً إلى الحب الإلهي والإنساني الذي مثلّه قبله الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي:

أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني

حين وصل النسيمي إلى حلب بعد تجواله الواسع في مدن فارس وأذربيجان والأناضول, كان قد بلغ الذروة في فهمه لطريقه الصوفي. وأقام في حلب في "حي الفرافرة " قرب الجامع الذي يحمل اسمه حتى اليوم والذي دفن فيه بعد مقتله. ويحمل الجامع اسم " زاوية النسيمي" أمام قلعة حلب من جانبها الشمالي.

وذاع صيته سريعاً في حلب, وأحبّه الناس, وأصبح شعره تتناقله الألسنة لرقته وخفة إيقاعاته ولمحاته الإنسانية.

وليس مجال بحثنا الآن في ظروف محاكمة النسيمي وما شابَها من تحامل وحسد وتلفيق معلومات. فهذا قد تناوله الإخوة الباحثون. ولسنا الآن كذلك في مجال دراسة خلفيات هذه المحاكمة, سواء أكانت سياسية أم دينية أم شخصية. فالمهم في نهاية المطاف أن زاوية النسيمي بقيت في حلب موضع احترام وتقدير, وأصبح كلّ من ينهض بأعباء هذه الزاوية يطلق عليه لقب " النسيمي".

تشكل الحروفية محوراً بارزاً هاماً في التصوف. وليس الاهتمام بالحروف والأرقام ودلالاتها أمراً طارئاً, فقد عرفته الحضارات القديمة منذ البابليين والمصريين القدماء والإغريق. وتطور الأمر وتوسع مع تداخل الحضارات والتيارات الفكرية وارتبط ذلك ببعض الأرقام مثل 3 ـ 7 ـ 12 ـ 60, والدلالات الرمزية لكل رقم وارتباطه بفكرة محددة.

وفي الحروفية المتصوفة التي تبلورت على يد النعيمي الاسترابادي ثم النسيمي كان هناك تأثر بكلّ تلك الحضارات القديمة, وتأثر واضح بفلسفة الكندي الذي أوجد علم " التعمية " أي ترميز الحروف والأرقام, وهو العلم الذي يعرف باسم "الشيفرة ". وكان ذلك بداية التعامل مع الحروف ودلالاتها ورموزها.

كما تناول الموضوع نفسه الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي في" الفتوحات المكيّة " وفي " فصوص الحِكم". وللشيخ الرئيس ابن سينا دور في ذلك من خلال بعض رسائله في الحروف والكلمات. وكذلك كان شأن إخوان الصفا, بتعاملهم مع الحروف كرموز وإشارات ودلالات.

يقول النسيمي:

" على وجهك تكشف الحقيقة اليوم الموعود كلّ دلالات الأحرف تبرهن على ذلك".

ويعتبر بعض الدارسين أن" الحروفية " كانت غطاء لمعارضات سياسية واجتماعية وفكرية, ومن هنا نشأت التيارات المعادية التي حاربت هذا التوجه في التصوف.

ونحن في هذه العجالة لا نستطيع الغوص عميقاً في أبعاد حروفية التصوف, فهذا يحتاج إلى مقام آخر أوسع. ولكن الأمر المؤكد أن عماد الدين النسيمي كان يملك ذلك البعد الإنساني الصادق العميق الذي مثله كبار المتصوفة الذين تأثر بهم وبخاصة الحلاج وابن عربي وجلال الدين الرومي وأستاذه النعيمي.

هذا البعد الإنساني الرفيع نجده في أقواله:

أيّها الإنسان... يجب أن تدرك أن نعمة الله هي الإنسان وأن سيادة الكون من حق الإنسان وأن الذروة العليا للخلق هي الإنسان.

وهكذا قاده هذا الفكر الإنساني العميق إلى الحبّ بدلالاته الإلهية والبشرية والعرفانية. ورأى الجمال في كل شيء أوجدته الذات

الإلهية:

" أمام شمعة وجهك, ليست الشمس إلا فراشة ليل, وجهك لؤلؤة, وشفتاك ياقوتتان مترعتان بالشهد, المسجد والحانة.. كلّ منهما عاشق لك, متيم بك"

.

وفي شعر آخر يقول:

حبّ الجمال يملأ قلبي ويطغى عليه.

أو قوله:

أعطني اليوم الحب, وخذ لنفسك كلّ الغد, إن ساعة من الزمن أقضيها مع حبيبتي لا يمكنني استبدالها بحقبة زمن طويلة.

ويذوب في عشقه حين يقول:

بأهدابك الساحرة تطعنين قلب العاشق, أية سهام قاتلة تنطلق من أهدابك, إنني أبيع العالم كله من أجل ترنيمة أهدابك.

وهذا العشق للجمال مرادف للإيمان العميق بالذات الإلهية:

عندما تأملت وجهك الجميل, قلت: سبّحوا الله, وعندما أبصرت قامتك, قلت: لا إله إلا الله, وفي ضفائر شعرك التي تنثر العطر وتحيط بحاجبيك رأيت قنطرة من الجمال فقلت: حفظك الله. عيناك سارقتان.. ومع ذلك حفظهما الله.