Facebook
الدكتـــور محمد مهدي بن الشيخ محمد البصير
الكاتب: محمد الرفاعي   
الثلاثاء, 03 كانون2/يناير 2012 20:40

albseer
الرجل الموسوعة / سياسي، خطيب ، مؤلف، شاعر، أديب، مترجم، ثائر

جمع البصير كل هذه المجالات المهمة والصعبة في عقلية واعية وقابلية قل نظيرها وقد استطاع بحكمة ودراية أن يوزع اهتماماته كل حسب استحقاقه. وأن يكون متفوقاً ومؤثراً فهو بالسياسة سياسي لامع وله دور بالغ التأثير ويحسب له ألف حساب من قبل أعدائه وأصدقائه. وخطيباً مسموعاً تعمل كلمته الخطابية فعلها وتأتي ثمارها وتلهب الحماس وتثير الهمم. وكونه مؤلفاً فله عدة مؤلفات. بالتاريخ والشعر والسياسة. وقد كان أديباً ملماً بكافة صنوف الأدب تقريباً في تلك المرحلة التي كان يعيشها وقد ترجم إلى الفرنسية العديد من النتاجات الأدبية والشعرية والخطابية. وقد كان ثائراً هدَّ مضاجع أعدائه وأعداء الوطن وقد قاتل بكل ما يملك من قوة الخطابة والشعر حتى أنه طورد واعتقل ونفي.

ولادته ونشأته: ولد الدكتور (الموسوعي) محمد مهدي بن الشيخ محمد بن الشيخ عبد الحسين في عام 24-حزيران- 1895م. في محلة الطاق من الحلة القديمة. لقد كان اسمه مركباً أي أن اسمه الأول (محمد مهدي) وأسم والده (محمد عبد الحسين).

نشأته: نشأ في كنف أسرة دينية تمتهن الخطابة على المنابر الحسينية ومن هنا فلابد أن يتأثر البصير بهذه الأجواء والبيئة فنشأ نشأة دينية أدبية خطابية. وقد كان والده يرعاه ويشجعه ويمده بكل ما يحتاجه, وقد بعث به إلى الكتاب لتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم والحديث ودراسة العلوم الشرعية والعلوم العربية. ولقد سارع في التعلم وهو لم يبلغ الخامسة من عمره وتفوق على أقرانه وعلى من هم أكبر من عمره لا بل فاق بعض معلميه.

فقدان بصره: حرم (الدكتور محمد مهدي البصير) نعمة البصر وهو في عمر الخامسة حيث كان مرض الجدري منتشراً في مدينته وقد تحدث عن ذلك بنفسه فقال في إحدى المقابلات كنت قد لقحت ضد مرض الجدري وخرجت إلى الشارع فأبصرت كلباً أسود اللون ضخماً للغاية فخفت خوفاً شديداً ورجعت إلى فراشي فنمت نوماً عميقاً لم استيقظ منه إلا والجدري قد انتشر في جميع أنحاء جسمي وقد فقدت على أثرها بصري.

إن الله العلي القدير قد عوض البصير بنور البصيرة وبذكاء متوقد وحافظة نادرة وصار ذا شأن في الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية والأدبية. وهذا ما يعجز عنه كثير من المبصرين, ولقب محمد مهدي (بالبصير) من باب تسمية الشيء بضده. وقد كان يعرف بهذا اللقب دون لقب عائلته وصار يتميز به حتى بعد انتقاله إلى جوار ربه.

الخطابة: ذكرنا بأن أسرته اشتهرت بالخطابة. وقد أراد له أبوه أن يكون خطيباً فسهل له الاتصال بالأدباء والشعراء والخطباء وتعلم (القرآن الكريم) ولم يكد يبلغ السابعة عشرة من عمره حتى رأى والده بأن ولده بلغ المرام وهو أهل بارتداء (العِمَّة) وان يمضي قدماً في الدروس والعلوم العربية والدينية. علمه والده كيف تكون الخطابة على المنبر حيث سمح له في أول الأمر أن يقرأ (البصير) المقدمة وهي إلقاء ما تيسر من الشعر ويكمل والده القسم الثاني وهو الوعظ والإرشاد وما يتصل بمأساة (الحسين) (ع) ولكن البصير كان ينتهز فرصة غياب والده فيكمل القسم الثاني بنفسه كما حدث في ذات يوم حيث بدأ المقدمة واستمر في القسم الثاني وكان والده بين الجالسين يستمع لحديثه فأعجبه ومنذ ذلك الحين فك الشراكة مع والده حيث صار خطيباً يعتمد على ذاته. ولقبته الجماهير بخطيب ثورة العشرين (وميرابو) العراقتشبيهاً بخطيب الثورة الفرنسية.

السياسة: ظهرت ميول البصير السياسية في وقت مبكر من حياته منذ الحرب العالمية الأولى حيث نظم أول قصيدة سياسية في هذه الحرب. فقد كان قبل ذلك ذو اهتمامات دينية وكانت قصائده ضمن ذلك المضمار. وبما أنه شاعر متميز وصاحب كلمة مؤثرة وان أغلبية الشعراء في العراق يؤيدون الدولة العثمانية في مواقفها وحروبها ضد بريطانيا والحلفاء. فكانت جريدة (صدى الإسلام) تنشر قصائدهم المساندة للحكومة العثمانية لأنهم يعتقدون بأنها دولة مسلمة ولابد من مساندتها لأن التيار الإسلامي والمعتقد الديني هو المؤثر بجانب الدور السياسي. وقد تغير موقف البصير من مساندة الدولة العثمانية لاكتشافه بأنها ساندت ألمانيا وبذلك تكون قد باعت نفسها لألمانيا, وقد انتقد الساسة العثمانيين في قصائده كونهم اتبعوا سياسة التتريك وضرب العناصر التي ترفض هذه السياسة.

البصير يدخل مرحلة العمل السياسي المنظم: في عام 1919 تألفت في العراق جمعية سرية سياسية تدعى (جمعية حرس الاستقلال) من أهدافها استقلال العراق ومساندة الملك. وتوحيد كلمة العراقيين على اختلاف مللهم ونحلهم وطوائفهم, وطلب من البصير أن يؤسس لها فرعاً في مدينته (الحلة) فأسس الفرع وكان أمين سره. وقد استمر بعمله السياسي حتى قامت ثورة العراق الكبرى عام 1920م فكان قد كرس أدبه وشعره وخطابته لحماسة الجماهير الثائرة وقد أثر تأثيراً مباشراً فيها وصارت كلماته تدوي وتسمع كما يدوي المدفع, وقد كان دوره فيها بارزا وصار يسمى بشاعر ثورة العشرين.

ولعلَ أشهر واروع قصيدة له حافلة بالمعاني الوطنية والتضحية والفداء القاها في جامع الحيدر خانة ببغداد بعد إعلان الثورة العراقية في 30-حزيران-1920 بعنوان (لبيك أيها الوطن) ويقول فيها

إن ضاق يا وطني عَليَّ فضاكا

فلتتسع بي للأمام خطاكا

أجرى ثراك دمي فأن أنا خنته

فلينبذني أن ثويتُ ثراكا

بك همت بل بالموت دونك في الوغى

روحي فداك متى أكون فداكا

هب لي بربك موتة تختارها

يا موطني أَولست من أبناكا

الشعر: ظهر ميل البصير إلى الأدب والشعر في وقت مبكر من حياته وقد كان يحفظ الشعر وهو صبي في عمر السابعة وقد شجعه جده الشيخ عبد الحسين وكان يحفظه ويعلمه ويكافأه عن كل عشرة أبيات يحفظها بقرش وكان البصير شغوفاً بشعر السيد حيدر الحلي.

- وفي سن العاشرة أخذ يغير بكلمات السيد الحلي وينسج على منوالها ويأخذ أبياتاً فيمسخها ليؤلف منها قصيدة. وبقي فترة على ذلك المنوال. وقد عرف البصير الشعر بأنه: كلام عذب ينقل العواطف والأحاسيس من نفس إلى أخرى.

وبعد هذه المرحلة أخذ البصير يتابع حركة الشعر في محافظته وبقية المحافظات العراقية ويتردد على الشعراء ليتزود المعرفة منهم كما واصل قراءة الدواوين الشعرية منها (ديوان المتنبي وديوان الشريف الرضي وأبي العلاء المعري) وحفظ الشيء الكثير من شعر (المقتبسات) أي الشعر المقتبس من القرآن الكريم.

أول بيتين قالهما البصير من نظمه.

سلسال ثغرك يا رشا لم يرومنهُ العاشقونا

وبريقك المعسول فل يتنافس المتنافسونا

وقد نظمهما وهو في الرابعة عشرة من عمره ومن ذلك التاريخ وهو يكتب الشعر وقد ألف الكثير من قصائد المدح والرثاء والغزل إضافة إلى القصائد الدينية التي تمجد رسول الله (ص) وآل بيته الكرام.

حافظته: يذكر بأن الدكتور البصير يتمتع بحافظة كبيرة ومشهودة له كما كان المعري معروفاً بأنه قال: (ما سمعت شيئاً إلا وحفظته وما حفظت شيء ونسيته). والبصير مثال نادر لقوة الذاكرة وقدرة عجيبة في الحفظ فقد كان يحفظ الشعر والأخبار والنصوص بمجرد سماعها مرة واحدة, وهناك طرائف رافقت حياة الدكتور البصير لقوة ذاكرته وموهبته الفذة. فقد كان يزور (حبيب بيك بن محمد باشا) وكان هذا أديباً يحفظ الشعر الجيد ويحب مجالسة الأدباء والشعراء وقد كان أحد أفراد أسرة الشاوي موجوداً مع حبيب بك فقال الشاوي للبصير يا شيخ وردتني قصيدة من خالي في الإستانة وأود أن تسمعها مع الحضور. ولما كان الشاوي يقرأ وكان البصير يستعيد ويستحسن وما أن فرغ القارئ حتى قال له البصير أرجو أن لا تغضب مني فهذه القصيدة من نظمي وأن شئت قرأتها لك.

فقرأها!! ثم قال له ولها تتمة فانشدها وكانت منسجمة معها في المعنى والقافية, عجب الشاوي من هذا الأمر وتحير. فحين علم بحيرته قال له لا تعجب ولا تتحير فالقصيدة لخالك وأن حفظتها منك فوراً ونظمت تتمتها ارتجالاً.

زار الدكتور محمد مهدي البصير الدكتور والأديب المصري المعروف طه حسين في القاهرة وقد كان قريب الشبه له بكل شيء في العمر والأدب والشعر وحتى الدراسة في فرنسا وقد كان صديقاً حميماً له وحين استقبله وسأله عن صحته قال البصير له هل تعلم بأن هذه الجلسة ينقصها الشاعر أبي العلاء المعري فهو تماماً يكملنا. والمعروف بأن المعري قد أصيب وهو طفل بالجدري وفقد عينيه تماماً كطه حسين والبصير.

(تجدر الإشارة إن الأديب الكويتي المعاصر عبد الرزاق البصير الذي هو الآخر فقد بصره بعمر 3 سنوات بسبب مرض الجدري قد سأل والده بأن يلقحه ضد المرض أحد أقطاب الفقه في وقتها فأشار عليه بأن التلقيح حرام!!)

بعض من كتبه ودواوينه المطبوعة والمنشورة: 1- ديوان الشذرات. 2- ديوان المختصر. 3- تاريخ القضية العراقية. 4- دولة الدخلاء. 5- أطروحته التي تقدم بها لنيل شهادة الدكتوراه (شعر كورني الغنائي). 6- بعث الشعر الجاهلي. 7- عصر القرآن. 8- البركان (ديوان شعر سياسي). 9- المجموعة الشعرية الكاملة. 10- سواغ (خطب، مقالات، محاضرات).

أنتقل إلى الرفيق الأعلى في 19-10-1974 تغمده الله برحمته الواسعة فقد كان احد اعمدة الأدباء العراقيين واروعهم