Facebook
فؤاد التكرلي
الكاتب: محمد الرفاعي   
الجمعة, 02 أيلول/سبتمبر 2011 10:11

foad
ولد ببغداد سنة 1927

وكان جده محمد سعيد التكرلي ، كما يقول الاستاذ حميد المطبعي في ( موسوعة اعلام العراق في اقرن العشرين) ، نقيبا لاشراف بغداد . وفي محلة باب الشيخ ( عبد القادر الكيلاني) المعروفة ببغداد ، بدأ يتلقى علومه فدخل المدرسة الابتدائية ، واكمل الاعدادية ، وتخرج في كلية الحقوق ( القانون حاليا) سنة 1949 . وبعد تخرجه عين ( كاتبا اولا) في محكمة بداءة بعقوبة .

ظهرت اهتمامات فؤاد التكرلي الادبية منذ وقت مبكر من حياته ، وراح يلتقي عددا من زملائه ومجايليه المعروفين بحبهم للادب والشعر والقصة امثال عبد الملك نوري ، وعبد الوهاب البياتي، وشقيقه نهاد التكرلي . وقد نشر اول قصة له سنة 1951 في مجلة الاديب ( البيروتية) بعنوان : ((همس مبهم)) .

كما ابتدأ سنة 1948 بكتابة روايته (بصقة في وجه الحياة) .. وقد سبق ان اشرنا آنفا انه اكملها سنة 1949 ، لكنه لم ينشرها قائلا فيما بعد ان مجتمع العراق آنذاك لم يكن يستوعب نشر مثل هذه الرواية لما تضمنته من افكار ورؤى وتفسيرات كانت تضر بسمعته هو قبل غيره ، وقد نشرت الرواية في بيروت بعد ربع قرن (1980) .

تولى مناصب قضائية كثيرة خاصة بعد عودته من بعقوبة ( محافظة ديالى) الى بغداد، ومن ذلك تعيينه قاضيا في محكمة بداءة بغداد سنة 1964 لكنه لم يلبث في هذا المنصب طويلا ، اذ حصل على اجازة دراسية لمدة سنتين وسافر الى فرنسا ثم عاد ليعين خبيرا قانونيا في وزارة العدل .

لم ينقطع فؤاد التكرلي عن نشر قصصه في الصحف والمجلات العراقية والعربية، فلقد استطاع سنة 1960 من اصدار مجموعة قصصية بعنوان : ( الوجه الاخر) . وفي سنة 1980 صدرت روايته (الرجع البعيد) ، وبعد ذلك بست سنوات أصدر مجموعة حواريات بعنوان : ( الصخرة) . كما صدرت له في تونس سنة 1991 مجموعة قصصية بعنوان : ( موعد النار). وفي سنة 1995 صدرت له رواية (خاتم الرمل)

محطات :

في مقابلة نشرتها مجلة المدى (البغدادية )يوم 16 اذار 2004 )) : كل اعمالي هي ضد السلطة ،ومع ذلك كتبت وانا في العراق وبقيت فيه ... ،ويضيف : كنت أعيش في العراق بشكل طبيعي ... ركزت في كتاباتي على المشاكل الحقيقية لدى الشعب العراقي ،ولم اكن أشتم أو احتج بطريقة فجة ،بل اخترت الكتابة العميقة ....

- والتكرلي، وهو ينهي السنة الثمانين من عمره لايزال صادقا في التعبير عن كل خلجة من خلجات الانسان العراقي ، وهو يواجه التحديات الجديدة ، ويصر على ان يوفق لفترة يحاول العالم ، كما قال ، محوها من تاريخ العراق مع انها من أقسى المراحل التي مر بها تلك هي مرحلة الحصار الظالم البشع ، والذي لم يقتصر على الجوانب الاقتصادية وحسب بل تعداها لتشمل الحصار العلمي والحصار النفسي ، لذلك جاءت روايته الجديدة الموسومة : ( اللاسؤال واللاجواب) لتعكس حالة الانسان العراقي وهو يواجه تلك السنوات القاسية، ومع انه يحس بوطأة الاحتلال ولا معقولية ما يشهده العراق من اوضاع راهنة ، الا ان التكرلي يعترف ، وهو في هذه السن ، بانه لايستطيع:التعبير عن فصول المأساة المستمرة ...فالوضع في العراق يستعصي على أي روائي مهما كانت عبقريته ، انه غير معقول ، ولا ينطبق عليه حتى وصف العبثية ، افكار السرياليين تبدو ساذجة تجاه ما يجري!!

- أن الأديب "فؤاد التكرلي" يفضل ألا تسمى كتاباته المسرحية بالمسرحيات بالمعنى الفعلي للكلمة، حيث يقول في تعريفه على غلاف كتاب المسرحيات الذي يضم تلك الأعمال ضمن سلسلة أعماله الكاملة : " هذه ليست مسرحيات بالمعنى الحرفي والمتفق عليه للكلمة، إنها بالأحرى محاولات في الحوار، استغلت بعض قابليات المسرح لتقديم الواقع منظوراً إليه من زاوية نظر مختلفة وغير مألوفة، إن فيها بحثاً مخلصاً عن الحقائق عبر طرائق ملتوية، ظهرت أحياناً، وكأنها تضمن الوصول إلى الهدف، إلا أنها، في أغلب الأحيان، تبدت غير جديرة بذلك وأشبه بمن ضيع هدفه قبل الخطوة الأخيرة.

من أقواله :

-عندما أتوصّل الى الشكل، أبدأ الكتابة فوراً. فكرة «الرجع البعيد» (1980) جاءتني عام 1963 وبقيت أفكر حتى عام 1969 في كيفية إخراجها فنياً. أنا نادم على الوقت الطويل الذي استغرقته في كتابتها. كان يُمكن اختصار الوقت لو بذلت جهداً أكبر. لا طقوس استثنائية لدي أثناء الكتابة، بضع أوراق وقلم حبر أخضر سيّال، وشيء من الموسيقى الكلاسيكية. أمّا القراءة فمسألة أخرى، قضية حياة... لا يمنعني عنها إلّا المرض.

- لقد أعطت الكتابة معنىً لحياتي... ولم تأخذ مني شيئاً. كانت حبل نجاة من بحيرة الحياة التافهة، وأنقذتني من طموحات الوظيفة. وجعلتني أؤمن بأنّ حياتي لم تكن عبثاً.

يقول (ا.د.ابراهيم خليل العلاف) في موضوع أعده بمركز الدراسات الاقليمية -جامعة الموصل

قلة من الكتاب العراقيين ، هم من انصرفوا لتوثيق تاريخ العراق المعاصر ، قصصيا ، وروائيا ، ومسرحيا ،ولعل ذو النون ايوب ، وفؤاد التكرلي ، وعبد الخالق الركابي أبرزهم على الاطلاق .. فؤاد التكرلي ، كتب روايته الاولى (بصقة في وجه الحياة) سنة 1949 ، وكتب روايته الاخيرة (اللاسؤال واللاجواب) سنة2007 ، وبين 1949 و2007 ،وقعت في العراق الكثير من الاحداث .. في الرواية الاولى أرخ لاوضاع الحرب العالمية الثانية وانعكاساتها على نفسية المواطن العراقي وواقع مجتمعه . وفي الرواية الاخيرة أرخ لسنوات العراق الصعبة ايام الحصار القاسي الذي شهده العراق طيلة المدة من 1990 وحتى 2003 . ولم يتورع التكرلي من ان ينتقد السلطة في العراق ومشاكلها ايا كانت ..

وكل اعماله دعوة الى التمرد على سبئات المجتمع .

فعلى سبيل المثال كان التكرلي جريئا في روايته (المسرات والاوجاع) ، هذه الرواية التي صدرت سنة 1999 . والتكرلي في تشريحه للمجتمع العراقي ووضعه اليد على معايبه ومشكلاته ، كان أديبا واقعيا صادقا لهذا لم يتعرض لاي مضايقة او ملاحقة ، هذا فضلا عن ان السلطة في كل مراحل تاريخ العراق كانت تعرف بان التكرلي ، وهو قاض نبيل ومعروف ، واحد من رجالات القصة والرواية والابداع لذلك لم يكن من الصواب ان تتعرض له لأي سبب من الاسباب ،لابالعكس كانت تقدره وتضعه في المكان الذي يستحق.

وقد كتب عنه الناقد الادبي الكبير الاستاذ الدكتور (علي جواد الطاهر )فقال : ان التكرلي ليس قصاصا حسب ، انه مثقف في فن القصة ،وفي علمها : قواعدها ، قوانينها ، سماتها . أما القاص والروائي (محمد خضير)، فقد قال عند تكريم جريدة المدى (البغدادية) للتكرلي ، معقبا على بعض أحداث وشخوص روايته ( الوجه الاخر) نحن الان نشم فيه النسمات الاخيرة لشارع الرشيد . ولم ينس الروائي (علي بدر) ان يؤكد حقيقة مهمة في ما قدمه التكرلي حين قال : بأن الاجيال القادمة ستتذكر بأن ملامح الشخصية العراقية موجودة في اعمال فؤاد التكرلي. كما اشار الناقد والشاعر فاروق سلوم في مقال له منشور على موقع كتابات (الالكتروني) يوم 6 ايلول 2007 الى ان فؤاد التكرلي أصر على النزعة البغدادية المدينية.. مقابل أي اتجاه آخر، كان رهانه العالمي على هويته فشخصياته كلها من الواقع العراقي المعاصر الرافض لكل قيد .. فتوفيق بطل رواية ( المسرات والاوجاع) فاسد لكنه نتيجة حياة مرة ومجتمع صعب ، اما عدنان ومدحت بطلا روايته ( الرجع البعيد) فهما علامة فارقة لمجتمع متنوع ومتوافق يقبل الفساد .. ويقبل العفة . لقد عاصر التكرلي اجيالا من السياسيين ، وشهد تقلبات العراق السياسية ، لحقب ثكلى ومحملة بالاسى .. وكان مسؤولا في قاعة المحكمة عن الظلم والمظلومين ، لكنه ظل ، يقول سلوم ، يريد كشف جوهر الصراع ، وخباياه النفسية والاجتماعية والتربوية ، ويلتقط الباحث (كرم نعمة ) الخيط في موقع جريدة البينة (2005) ليقرأ بعضا مما جاء في ( المسرات والاوجاع) ، هذه الرواية التي وصفها الناقد (صبري حافظ )بانها (رواية العصر الكبرى) ، قائلا : انه عندما نستذكر بطل هذه الرواية في الخاتمة، وقد نزل عليه مبلغ هائل من المال ،وهو يتجول في الكرادة ، ويقتني قطعة حلوى ...نشعر ان المكان في ذاكرة التكرلي قائم ومخلص لعراقيته.

أما (اسماعيل زاير ) الناقد والصحفي المعروف ، فأكد في تقديمه لملف كامل عن التكرلي نشرته جريدة الصباح الجديد في عددها الصادر يوم (10 ايلول 2007) : ان التكرلي من أفضل وأجمل تعبيرات الذات العراقية الحرة والمنطلقة على هواها وبما تمليه سجيتها .

قال الناقد (ماجد السامرائي )في حوار له مع التكرلي نشرته الحياة (البيروتية) يوم 26 تشرين الاول 2003: ان الرؤية الاجتماعية الواقعية هي التي أطرت ادب التكرلي القصصي والروائي والمسرحي كما انها كانت دافعا لاحداث التنوع فيه.

أما الناقد( ناطق خلوصي )فكتب مقالة بعنوان : مدرسة التكرلي في الابداع منشورة على موقع قناة الشرقية ( الفضائية) جاء فيها ان التكرلي أول من تناول موضوعة الجنس في روايته تناولا مباشرا وصريحا احيانا ، مع ان الاقتراب من هذه الموضوعة كان يصطدم بالمحرمات الدينية والاخلاقية والاجتماعية .. ويقينا انه استفاد من عمله ، كقاض ومن هنا فان تعامله مع شخصياته ، كان تعاملا وفق منظور نفسي ـ اجتماعي ..

فهو يعطي للعوامل والظروف الاجتماعية والاقتصادية ما تستحقه من اهتمام ، ويسعى للتوغل في أعماق الشخصيات .. ويضيف( خلوصي )الى ذلك قوله ان التكرلي في مجمل أعماله الروائية كان يحرص على تقديم استقراء لتاريخ العراق المعاصر وخاصة في ال50 سنة الاخيرة .. ويبدو ان التكرلي ، وهو ابن الطبقة الوسطى ، مع أنه عد يساريا في افكاره ، كان على علم ببواطن وخفايا واسرار هذه الطبقة لهذا حرص على اختيار شخصياته منها مع رغبة متناهية في ادانة كل انواع الظلم الاجتماعي ، والسياسي ، والاقتصادي .كان التكرلي يعد كتابة الرواية عملية غامضة وممتعة ،ومحاطة بالمعاناة، والحرية الداخلية ،بنظره ،تطلق طاقة الابداع .

ويضع الناقد والشاعر (ياسين طه حافظ )، فؤاد التكرلي ضمن سياق زمنه وعصره ، فيقول : ( ان فؤادا ، وقد بلغ الثمانين من العمر طوى عصورا ثقافية ، وازمنة انسانية وهو يتابع حركة الانسان وعذاباته في طريق الشمس . ويضيف : فؤاد كاتب كبير فنا ، وفؤاد قبل هذا وبعده انسان اخلاقي كبير .

أما الناقد( جمال كريم ) :فيؤكد في الملف انف الذكر ان التكرلي وثق للمكان والاحداث في حقب جد مهمة وشائكة في تاريخ العراق المعاصر السياسي والاجتماعي ولكن من وجهة نظر روائي محايد ومتمكن من أدوات فنه السردي .ويضرب على ذلك مثلا فيضيف الى ذلك قوله انه في مرحلة ما بعد ثورة 14 تموز 1958 ،وما خلفت من تداعيات على صعد حياة المجتمع العراقي انذاك ،بل وما رافقها من صراعات سياسية على دفة الحكم وخزائن الثروة ،فالاحداث والشخصيات المحورية ،بمختلف انتمائاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية تتحرك على فضاءات مكانية عراقية وخاصة في بغداد العاصمة وضمن جغرافية الاحياء (المحلات ) الشعبية ومنها محلة باب الشيخ وما يتبعها من ازقة أو شارع الكفاح (غازي )وما يتماس أو يتقاطع معه من شوارع ،يحاول التكرلي ،تبعا لخصوصية هذه الامكنة، من حيث المشكلات الاجتماعية ومستويات الفقر، وعمق معاناتها ،وحدة صراعاتها ،ان يتعامل معها بمنتهى الواقعية

كان فؤاد التكرلي آخر رموز الخمسينيات، هو من جيل الريادة الحقيقية في القصة العراقية الذي سعى إلى تأسيس شكل جديد من النثر العراقي.

في كتابه الجديد «حديث الأشجار» (دار المدى)، يقدّم التكرلي ستّ قصص قصيرة وستّ حواريات. وإذا كنّا قد ألفنا طبيعة النص القصصي لدى التكرلي وإشكالاته (الواقعية والبساطة والنهايات الملغزة)، فإنّ الحواريات ـــــ وهي وصف موارب للمسرحيات ذات الفصل الواحد ــــــ تفسح له المجال ليكون مباشراً. يحمِّل التكرلي الشخصيات القليلة بعضاً من أفكاره وآرائه بما يجري الآن، مع الإيجاز والصياغة الرمزية للحدث والسخرية التي تختزنها كلمات المتحاورين.

كما أنّ التكرلي يلجأ في حوارياته إلى تقديم رؤى فلسفية يعالج بها طبيعة الموقف الفانتازي الذي تنحرف إليه الشخصيات.

في الحوارية الأولى، يطلب الشيخ من عجوز أن تحدّثه عن حوارها مع الأشجار فترد عليه: «هذه الأشجار يا سيدي لا تقول لي كلاماً واضحاً لكنّها هي هكذا

دائماً. تفهمني وتلعق جراحي وتواسيني على طريقتها». ونكتشف في النهاية أنّ كليهما ضائع، ولا مكان له في ليل طويل.

في الحوارية الثانية بعنوان «الأشباح»، يبدو الإطار العام للحدث كابوسيّاً، يتبادل الرجل الذي يقوم بالاختطاف وضحيّته المربوطة إلى الحائط جملاً حادةً، قصيرة وعدائية، يحاولان من خلالها تصفية حسابات الماضي. وفي الختام، يقول الخاطِف لضحيته ناعياً عليه أنّه يتكلّم بمسكنة وبلهجة يصفها ساخراً بالدرامية: «أنا لست طيباً، أنا رجل شرير يمارس الشر بأمانة وأنا مثل بقية العراقيين الأسوياء هذه الأيام أخدم مصلحتي. أبحث عنها لأنها الشيء الوحيد الذي بقي لي».

في الحوارية الأخيرة «الهواتف الملوّنة» ميلٌ أكثر فجاجة إلى مقاربة الواقع، الرجل الوحيد على المسرح المفترض يتبادل حوارات موجزة عبر هواتفه مع شخصيات لا نعرف ماذا تقول له لكنّنا نفهم ما تريده من خلال ردود أفعال الرجل وطريقة إجابته. تدريجاً، تختلط الحوارات وردود الأفعال لنكتشف أنّ الرجل يدير عصابة للقتل والاختطاف. يتلقّى الأوامر من جهات عليا ويدفع الرشى لها ليحصل على منصب وزاري. ثمة إشارات عديدة في النص تحيلنا على شخصيات معيّنة في المشهد العراقي الراهن، لكنّ الرصاصة التي يطلقها الخادم الذي يظهر أخيراً تُنهي كل ارتباط بالواقع.

في القسم الآخر من الكتاب الذي يضمّ ست قصص قصيرة، نستعيد الخصائص الأساسية التي يتميز بها النص القصصي لدى التكرلي: البساطة الآسرة، التأكيد على المكان، الوصف الدقيق للمشاعر والأفعال، وضوح المقاصد لدى الشخصيات الرئيسة ووضوح علاقتها مع المحيط الخارجي. وعلى رغم ذلك الوضوح، فهي تواجه القارئ دائماً بسرٍّ ما: جريمة خفية أو علاقة غير مشروعة أو حب محرم.

في نهاية قصة «سر الطفل»، نكتشف علاقة جسدية بين الأب الذي يحاول كتابة قصة مع ابنه وبين جارته الأرملة. فيما تروي قصة «الاختيار» المراحل المتتالية غير الظاهرة ولكن المحسوسة لخطّة يضعها رجل لقتل أمه، متحرياً في لقاءاته مع صديقه المحامي عن العقوبة التي يُحتمل أن يتلقاها. أمّا «تحت شجرة وارفة الظلال»، فتروي قصة موت معلن، ينجح راوي القصة في إيقافه ليعود بعد ذلك إلى الظلمات التي جاء منها. أما قصة «البجعة» وهي أطول نصوص الكتاب، فتصوّر موتاً مأساوياً لرجل عاش وحيداً مدرس لغة عربية متقاعد، أعزب، مسيحي، يراقب من شرفته بناية وزارة الإعلام التي يحتشد فيها الصحافيون والمراسلون الأجانب. وهو يرى أنّ وجودهم المستمر يعني أنّ الحرب مازالت مؤجلة.

أمّا انسحابهم، فيشير إلى أنّها أصبحت وشيكة. يعتكف الرجل في شقّته مع الموسيقى والكتب والطيور التي يعتني بها، فيما تفصح الفتاة الصغيرة التي تروي القصة عن حب مستحيل له: «وأنا أراقبه يمشي ببطء، عرفت أنّ القلق السري الذي يسكنني سببه جزعي من المستقبل الذي سيواجهه هذا الرجل. ولم أسأل نفسي ولا الآخرين عن علاقتي بذلك. فقد كنت غارقة في موجة من عواطف لم أعهدها قبلاً». كان الرجل قد وصفها مرة بالبجعة البيضاء التي تشع نوراً ، بينما استسلمت هي لبعض ما تفهم منه غير مبالية لما لا تفهم على حد تعبيرها.

هنا كما في قصص وحواريات أخرى في الكتاب حوار متصل بين الشيخوخة والفتوة، بين الموت الوشيك والحياة المتجددة في إطار محاولة خيالية لاختراق ما لا يمكن اختراقه، الخيال يفرض نفسه بقوة ليعيد التوازن إلى ذات الكاتب قبل أن يعيدها إلى النص. في حوارية « انتظرني عند شجرة الدردار» يجعل التكرلي عمر الرجل في الثلاثين بينما تتجاوز المرأة التي يحاورها الخمسين برغم أنهما يستعيدان ذكريات مشتركة أو يحاولان تخيلها، تقول المرأة للشاب أو لصورته كما تركتها منذ ثلاثين سنة: أنا لست تماماً تلك التي تنتظرها، لست هي بالتحديد، هناك فرق شاسع بيننا، هوة سحيقة من نوع ما، بينما يعجز هو عن حل ألغازها المتكررة حينما يقرر ثانيةً الذهاب للبحث عنها.

التكرلي في «حديث الأشجار» يبحث عن مصائر نقيضة عن المتوقع لشخصياته،

التكرلي الذي عاش سنوات حياته الأولى في حي «باب الشيخ» العريق، حيث مرقد المتصوف عبد القادر الكيلاني، ظلّ أشبه بالأسطة البغدادي المتمكّن من أسرار صنعته، برغم أنّه كان أقرب من ناحية التصرف إلى ابن الذوات الدمث، الواثق من مكانته في مواجهة تحوّلات الزمان. وهو ما كان ينأى به دائماً عن خوض معارك ثقافية. بل إن موقفه السياسي ظلّ غامضاً على الدوام، فبينما عدّه كثيرون يسارياً كما هي الحال بالنسبة إلى معظم أبناء جيله، رآه آخرون مناوئاً للشيوعيين وخصوصاً بعد التحقيق معهم ـــــ بحكم موقعه الرسمي كقاض ـــــ بعد انقلاب 8 شباط الذي نفّذه البعثيون. والتكرلي أيضاً أدركته حرفة المنفى منذ منتصف التسعينيات فعاش متنقلاً بين تونس ودمشق وعمان قبل أن يرحل غريبا عن 81 عاما في 11 شباط / فبراير 2008 في عمان بعد صراع مرير مع المرض ليُنقل جثمانه إلى بغداد ويوارى الثرى.

مؤلفاته :

قصة :

-العيون الخضر

روايات :

- خاتم الرمل

- بصقة في وجه الحياة

- المسرات والأوجاع

مسرحيات :

- أوديب الملك السعيد / ملهاة مأسوية في منظر واحد

- مسرحية "الصخرة