Facebook
اعلام عراقيـة - يوسف الصـائــــــغ
الكاتب: محمد الرفاعي   
الأربعاء, 31 آب/أغسطس 2011 11:25

ل

yosf
م يدر في خلد المثقف العراقي أن الصورة المؤسسية التي أحاطت برحيل السياب وتشييعه على النحو المذل في ما بعد، ستتكرر

مرات كثيرة، لاحقا؛ مع رموز وشخصيات فكرية وإبداعية، وعلى النحو نفسه من الإهمال والإجحاف والشذوذ. ويبدو أن المثقف العراقي ليس وحده من امتحن خيبة ظنه بهذا، فقد عبر عن هذا الإحساس،

منذ أيام أحد المثقفين العرب الذين التقيتهم في أحد

أنشطة الشارقة الثقافية مؤخرا، حين قال: يبدو أن مصيرنا لن يختلف عن مصائر هؤلاء الرموز طبعا، فلم أجد بدا من التصديق على كلامه. وإذا كان الموقف من السياب هو أبرز صور العقوق التي شهدها التاريخ الثقافي للعراق الحديث في الخمسينات،

فإن ربع القرن الأخير شهد من الإهمال والإجحاف بحق جمهرة من المبدعين والرموز الثقافية العراقية، من دون أن يبدو في الأفق أمل، لتصحيح الخطأ أو تجاوز الشذوذ.

من كان يتوقع أن الزمن الراهن الذي كنا نأمل منه أن يكون بداية لتصحيح الموقف السياسي من المثقف يشهد اليوم مظاهر التجاهل والإهمال والتقصير بحق الرموز التي تهاوت -ولا تزال- تتهاوى تباعا، في الداخل والخارج، مرضا وهرما وغربة وكمدا وحاجة.

فمنهم من يموت وهو على كرسيه كالبياتي، ومنهم من يموت نازفا حتى النهاية مثل كمال، ومنهم من يموت إثر صدمة نفسية جراء ما يحدث من مشاهد مروعة لقتل الآمنين مثل مهدي عيسى الصقر، ومنهم من يموت على رصيف المارة مثل عقيل مهدي، ومنهم من يموت في لحظة الاحتفاء به وبتعبه وإبداعه بعد مرحلة من الانسحاق،

وسط دهشة صحبه وأناسه المحتفين به مثل كزار حنتوش، ومنهم من يموت بعدما وطئت قدماه جنة الغرب الموعودة ضمن طوابير

علب اللجوء مثل جان دمو، ومنهم من يموت بعدما ظل ممسكا بجمرة العزة والكرامة ولم يهنأ بما كان يأمل من ثمار العهد الجديد، مثل عناد غزوان ومدني صالح ومحمد مبارك وسواهم،

في مقابل أولئك الذين يملأون المشهد اليوم، في تزاحمهم على الفتنة والمناصب والامتيازات ولبس الأقنعة والتلون، تبعا لمقتضيات الحال وانتهاء المآل.

في ما مر وقفنا عند رمزين فكريين عراقيين غابا عن حياتنا الثقافية من دون أن يكون للدولة موقف أو مسؤولية تجاههما أو تجاه ما ألمّ بهما وأدى إلى مواجهتهما المصير وحيدين عاجزين إلا من قوة فكرهما، وهما محمد مبارك ومدني صالح. في هذه الحلقة سنتناول قصة غياب الشاعر العراقي يوسف الصايغ الذي ربما كان الظلم الذي حاق به مضاعفا في حياته وبعد وفاته معا، إذ يأتي موته هذه المرة وسط تجاهل الأوساط الثقافية على خلفية مواقف سابقة ولاحقة للشاعر.

توفي يوسف الصايغ أحد أبرز شعراء ما بعد مرحلة الرواد محبطا مخذولا في دمشق في 12/12/2005 ليدفن في مقبرة الغرباء التي استقبلت من قبل جثامين الجواهري والبياتي ومصطفى جمال الدين، بسبب مشاكل صحية، عن عمر ناهز ال72 عاما.

ولد يوسف الصايغ عام 1933 وانتقل إلى بغداد ولديه 18 سنة، ثم انتمى إلى الحزب الشيوعي في مرحلة لاحقة. تزوج (جولي) التي رافقته حتى وفاتها إثر حادث انقلاب سيارتهما التي أقلتهما مع بعض الأصدقاء، ليصدر مجموعة شعرية خاصة عنها وشّحت أطراف صفحاتها بالسواد ومثلت لوناً شعرياً حديثاً مزج الحب بالرثاء.

كما شهدت حياة الشاعر تجميداً لأنشطته المهنية والثقافية إثر خروجه من السجن، في أعقاب انهيار الجبهة الوطنية التقدمية للأحزاب المؤتلفة مع السلطة وتعقب وقتل بعض أعضائها. لكن الشاعر ما لبث أن أعلن طلاقه من عقيدته الماركسية في بيان شهير نشر في جريدة الثورة، لسان الحزب الحاكم واحتل صفحة كاملة، وكان له وقع غريب على المشهد الثقافي العراقي تحت عنوان (مقدمة لقصيدة حب فاشل).

ومن التحولات البارزة الأخرى التي شهدتها حياة الصايغ تحوله من المسيحية إلى الإسلام وزواجه بزميلة له مسلمة.

عمل الشاعر بعد خروجه من الحزب في جريدة الثورة كاتبا لزاوية في الصفحة الأخيرة، بعنوان جهينة، وهي امتداد لزاويته الشهيرة في مجلة ألف باء أيام انتمائه للحزب المعروفة ب(أفكار بصوت عال)،

ليعين مديرا عاما للسينما والمسرح في ما بعد.

انطوى الشاعر يوسف الصايغ على إمكانات إبداعية كبيرة متعددة، فلم يقتصر نتاجه على الشعر بل تجاوزه إلى الرواية والمسرحية والعمود الصحافي والفن التشكيلي وكتابة السيناريو. ولم يكن نتاجه في أي حقل من هذه الحقول متوسطاً أو متواضعا، بل كان متميزا في جميع ما عالج وكتب.

ومما صدر له: "قصائد غير صالحة للنشر" ،1957 وهي مجموعة شعرية اشترك فيها مع الشاعر شاذل طاقة وهاشم الطعّان وعبد الحميد اللاوند،

"اعترافات مالك بن الريب" ،1973 "الاعتراف الأخير لمالك بن الريب ج،1ج2"

، "سيدة التفاحات الأربع" ،1976

المعلم، ثم "المجموعة الشعرية الكاملة" عن دار الشؤون الثقافية العامة

،1992 ومسرحية "الباب" (فازت بجائزة أفضل نص مسرحي في مهرجان قرطاج ،1987

ثم مسرحية "العودة" ،1986 وفازت بالمركز الأول في المسرح العراقي

،1988 ومسرحية "دزدمونة" ،1989 وفازت بجائزة أفضل نص مسرحي في مهرجان قرطاج ،1989

ثم رواية "اللعبة" 1972 التي أخرجها للسينما العراقية المخرج محمد شكري جميل، وفازت بجائزة أحسن رواية عراقية ،1970 رواية "المسافة" ،1974 اتحاد الكتاب العرب في دمشق ،1974 ثم رواية "السرداب" رقم ،2 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر،1997 ثم "السودان ثورة وشهداء"، قصيدة نثر سياسية، 1970 كما للشاعر رسالة ماجستير حصل عليها عام ،1976 بعنوان "الشعر الحر في العراق".

وله غير ما نشر مذكرات، ومجموعة شعرية بعنوان "يوسف أعرض عن هذا"، ومسرحيتان إحداهما باسم البديل.

ترك لنا سيرة ذاتية لم تنشر في حياته، بل تولت دار الشروق في القاهرة نشرها بعد وفاته (عام 2008) بعنوان "الاعتراف الأخير لمالك بن الريب" مع تقديم مختصر لإبراهيم أصلان.

وطبعة دار الشروق كانت ستكون جميلة وجليلة، لولا عشرات الأخطاء التي انطوت عليها، سواء كان ذلك في التواء الكثير من العبارات، والأخطاء النحوية واللغوية، ولعل أحداً لم يدقق في النصوص او يصححها، بغياب كاتبها في ملكوت الله، والتدقيق والتصويب واجبان على ما نرى، في الطبعة الثانية لهذا الكتاب، لا في ما ينال جوهر الكتابة وموضوعية السيرة والسرد، بل في ما يتعلق بسلامة اللغة والتركيب...

ولعله كان من أوائل الشعراء العرب الذين استعملوا التراث العربي والأسطورة العربية، في بناء ورؤية القصيدة الحديثة، مقيماً بذلك توازناً مع شعراء عرب آخرين، استعملوا الأقنعة والأساطير اليونانية او الرومانية القديمة في شعرهم، تأثراً بما فعله بعض آباء ورواد الحداثة الشعرية في الغرب. فظهرت في اشعار بدر شاكر السيّاب على سبيل المثال، رموز مأخوذة من الأساطير الإغريقية القديمة، مثل عيون ميدوزا، وكلب الجحيم سربروس، وعوليس وبنلوب وما الى ذلك. إن يوسف الصائغ بادر الى استيحاء التراث العربي والأسطورة العربية واستعان برموز وأسماء من التاريخ العربي القديم او الحكاية التاريخية او الدينية لصنع قصيدة عربية معاصرة من خلال القناع والإسقاط وتداخل الأزمنة. وأشهر قصائده في هذا الباب قصيدة "اعترافات مالك بن الريب"، حيث يلبس الشاعر العراقي المعاصر شخص الشاعر العربي القديم مالك بن الريب، الذي قال قصيدة يائية يرثي فيها نفسه بعد ان لدغته افعى وهو في الصحراء، وأحس بسريان السم في جسده، فأخذ قلمه وكتب يائيته الحزينة المشهورة، التي يقول فيها مخاطباً صاحبي رحله وهما رفيقاه في السفر

"خذاني فجراني بثوبي إليكما

وردّا على عيني فضل ردائي

وخطّا بأطراف الأسنة مضجعي

فقد كنت قبل اليوم صعباً قياديا..."

واختيار يوسف الصائغ لمالك بن الريب ليكون السارد الموازي له في سيرته الذاتية، يجعل من هذه السيرة جزءاً من سيرة شعرية، ذلك ان الشاعر يستعيد من خلال بعض محطات ا لسرد ومواقعه، نصوصاً شعرية متفرقة كان قد كتبها في مثل هذه المواقع والمحطات، فقدم مواءمات شعرية مع مواضع من السيرة. فهو يكتب، على سبيل المثال، لحظة ربيعية وأمسية هادئة ألقت به في احد شوارع بغداد العابقة بشذى قدّاح مبكر، وإذ تذوق عميقاً وحدته، فإنه تذرع بالشعر ليحن الى السجن الذي كان كفاه التشرد:

"لا شيء يا أحباب في وطني

سوى القدّاح أزهر مرة اخرى وغالبني الحنين:

ـ نسيت؟

ـ بل عُميَ الفؤاد إذا نسيتُ

بيتي هناك سكنته خمساً/ وغرّبت الرياح حُمِلتُ عنه/ أين يا وطني أبيتُ؟

مسّا المسا

قلبي غريب الدار في وطني/ طرقت ديار أهلي/ ما ارتضيت ُولا ارتضيتً..."

ما يفاجئ في هذه السيرة ويمنحها خصوصيتها، هي انها ليست بالسيرة السياسية للشاعر، ولا بالسيرة الشطارية على غرار ما كتب المغربي محمد شكري في "الخبز الحافي"، ولا هي بالسيرة الأدبية على غرار ما كتب طه حسين في الأيام، او ما كتب أحمد أمين في "حياتي"..

. بل هي سيرة طقوس دينية مسيحية، وتكاد تكون كهنوتية، مع ما يكتنف ذلك من تعاليم وأسرار وكلمات وصلوات وأدعية، عاشها يوسف الصائغ، في كنف عائلة مسيحية في الموصل، حيث يلعب العم الكاهن الأمير دوراً في تأسيس وتشكيل حياة ورؤية الشاعر في صغره، كما تلعب سيرة والده الطقوسية دوراً آخر...

ويكون الدير والكنيسة والمعتكف (الآزيل) وتراتيل المصلين وطقوس عيد الميلاد، والساعور جاذب حبل الجرس الكنسي، والذبيحة، والصلوات... كلها تشكل البئر الاولى العميقة لمياه طفولته.

والشاعر فنان في رسم صور الاشخاص الذين التقى بهم وأثروا في تربيته، وتركوا في ذاته بصمات عميقة. الأب، والأم، والعم الكاهن الذي يسميه الأمير، والعمة الحولاء التي لا يذكرها في موقع من مواقع السيرة، إلا ويقرن اسمها بصفتها "عمتي الحولاء"... ويذكر فلسفتها في الحياة، وتعاليمها له، ونتلمس على امتداد فصول حياة الصبي والفتى والكهل يوسف الصائغ، أثيراً كهنوتياً

مسيحياً وطقوسياً يتنفس فيه، ويختزنه في لا وعيه، ويملي عليه العبارة والاشارة كما يملي عليه الأحلام.

ولعل استعارته لكلمة "الاعتراف" في قصيدته المشهورة "اعترافات مالك بن الريب"، وللكلمة نفسها في تسمية سيرته الذاتية "الاعتراف الأخير..." مصدره سر الاعتراف في المعتقد المسيحي، وطقوسه، وعلاقة الإنسان في ما هو جسد ونفس، وأهواء وخطايا، بسر الاعتراف لدى الكاهن.

يذوب كل شيء في هذا الاعتراف. ويبرز معنى الخطيئة والغفران، والجسد، والتبتل، جلياً في سيرة يوسف الصائغ.

إن الفصل الثاني عشر والأخير في السيرة، يشكل بمفرده، فصلاً مفرداً على سوية عالية من السرد والتشويق؟ والغوص في أسرار

الجسد والنفس، والجمال والعذرية والخطيئة والتكفير، من خلال أسلوب روائي يمزج بين الواقع والمتخيل، حيث يقود الكاتب نصاً أخّاذاً ونادراً من نصوص السيرة، يبدأ بوصف عرس مجلجل وشعبي يقيمه والده لأخيه الأكبر،

حيث يشارك في إعداد اليوم المشهود

للعرس وجلوة العروس، الارملة العوراء "لولو" والعمة الحولاء، وصانعة الحلوى، وصانعو الشراب، وحيث تبرز فجأة في المشهد، "انثى سرية" يسميها "جميلة"... وأوصافها تظهر انها امرأة بين الواقع والحلم، بين الشهوة والصلاة، بين الجسد والروح... ويصف جميلة، او يتخيلها، لا احد يعلم الفرق بين الرؤية والمخيلة، على ضفة الغدير في احد بساتين الدير "وكانت قد خلعت ريشها وجناحيها وراحت تغتسل بماء العين البارد القلق

. ولقد رأيتها دون إرادتي من موقع سَمْتِ رأسها، فبدت مكتنزة ولامعة مثل حيوان كبير أملس...".

وأوصاف "جميلة" تظهر انها واقع وفكرة معاً... بل هي مختلطة، وحكاية ورؤيا بمقدار ما هي حقيقية. وتستولي "جميلة" على الدير بإنشادها.. ثم ماذا؟

الضربة الأخيرة في مشهد جميلة ضربة صاعقة. إنها تخص الأخ قرياقوس في الدير.

ـ ماذا به؟

ـ مريض وأخذوه للمستشفى.

ـ هكذا إذن. ما مرضه؟

فتحوا أيديهم وأغمضوا عيونهم، ولكن الظهيرة جاءت فوزعت مع الأرغفة وشايات لها رائحة الدم، وقد بلغت الوشاية أمي، وأبي، وبلغت جميلة، فوضعت يدها على فمها والتمعت عيناها وقالت شيئاً لم افهمه.

ماذا فعل الأخ قرياقوس بنفسه؟

كان عليّ ان انتظر عدة سنوات لكي أدرك أن الأخ قرياقوس اخذ فأساً وأهوى به على رجولته فامتلأ الدير بالدم والنميمة"

ان ما يلفت النظر في قصائد الصائغ هو الهيمنة العميقة للروح الغنائية التي ظلت هاجسه اللغوي والصوتي والنفسي، اذ انه نزع اليها دون ان يجعل منها لازمة محددة، بقدر ما انفتح على فضاءاتها وكأنها تنزاح الى تشكيل عناصر نغمية متعددة لا تنتمي الى جنس حسي محدد ولا تتمثل لايهامات الروح المسيحية التي يتم استحضار طبيعتها العرفانية كمهيمن صوتي في المخاطبات والاناشيد، لكنه هنا استحضرها كقوة سرية عميقة توحي بلذته، مثلما توحي باستحضارها كتوليفات لغوية ذات معان ودلالات باذخة، اذ تتشكل مستوياتها البنائية بالقرينة مع مقابلات صوتية/نغمية، يتمثلان معا الى اصطناع مناخ حسي يعمده الشاعر عبر توظيفاته لما تزخر به البنيات العروضية والتفعيلية من مساحات مفتوحة، والتي تبدو وكأنها اشبه بالحركة الدائرية الحافظة للصوت وايقاعه الخفيض الذي يشبه الهمس احيانا.

لقد دأب الصائغ على تنمية هذه الميزة الصوتية الخفيضة في قصائده المبكرة والمتأخرة في سياق تعاطيه مع علاقات وصفية يتصاعد

فيها النبر الشعري عبر متواليات واعية يكون فيها المستوى الصوتي حاضرا عبر علاقات التناظر والتشابه والمفارقة..

انا لا انظر من ثقب الباب الى وطني

لكني انظر من قلب مثقوب

واميّز بين الوطن الغالب

والوطن المغلوب..

ومن المستويات المهمة في شعرية الصائغ ذات الطابع الحسي هو مستوى التوازي ما بين المرأة/ الحبيبة كرمز لحيوية الشهوة والشوق والرحم وما بين الموت كعلامة للحلول والتجدد، وبما يعطي لهذا التوازي دالات متحركة ومفتوحة على الاندماج بالكوني كما تقول (خالدة سعيد) اذ يتحول فعل الموت الى تبادل والى فعل مشاهدة....

هذا التوازي يستعير (بنيته الداخلية ) من توظيف كل مكونات المشهد المحمول على اندفاعات حسية، والمندغم في علاقات ومستويات يتراكب فيها الحسي مع التعبيري، بدءا من التوهجات الاستعارية للحظة الحب والشهوة، وانتهاء بتوليدات ما يوحي به الجسد من استغوار تعويضي لفعل اللذة والتماهي مع رمزيتها كنذر ايقوني او كدال حسي ينسحب عبر تركيب لغوي ودرامي يحتفي برمزية نقيضة للموت الذي لا يجعله شائعا، وبما يجعل هذه اللحظة هي المجال اللغوي للتكاشف والتقابل ما بين الحسي و الرمزي. ولعل اغلب قصائد مجموعته (سيدة التفاحات الاربع) كانت تهجس بهذه التقابلات التي لا تلغي فعل الموت، لكنها تجعله ايضا بعثا ومسافة مفتوحة على لحيوات يمكن استعادتها عبر دينامية اللغة في مستوياتها الرمزية ..

حين صبّوا على القبر

ماء الوداع الاخير

فكرت،

لعبة الموت مضحكة،

وراحت تقارن

بين تابوتها والسرير

المجال اللغوي عند الصائغ هو مجال طقوسي، وهذا المجال يجعله دائما امام فضاء توليدي لا يمكن حصره، او السيطرة على ترميزاته ودهشته. ولعله ازاء هذه الخاصية يسعى الى الى الانشداد لدينامية خاصة تستجلي النص اللغوي في نوبته الشعرية وكأنه نص (جسداني) مفعم بدلالات اللذة وحميمية البوح وفتنة التحول، فضلا عن محاولاته الدائبة لاستحضار (اناه) الفاعلة والثائرة والمهزومة والقلقة ازاء ازمة وجودية، هي ازمة الانسان ذاته.

ورغم انه لا يعطيها بعدا اسطوريا او تاريخيا كما دأب السياب وادونيس وانما يعطيها بعدا وجوديا حسيا متحركا في تفاصيله اليومية وحيز دلالاتها المكشوف، وهو بهذا يصنع له فضاء خاصا تتلاقى عنده الكثير من التناقضات التي يتأملها بريبة الشاعر ويحاول القبض على توليداتها الصورية المكثفة الحاملة لاسئلته، اسئلة انسانه المباح والقلق وصانع المراثي المحاصر من اوهام الاخرين ..

لماذا

ايها الانتظار المرائي

اذا كنت حقا صديقي

كن الى جانبي في طريقي،

انما

ايها الانتظار المرائي

لماذا تسيير ورائي ..

سيـرة ذاتـيـة

يوسف نعوم الصائغ (العراق).

ولد عام 1933 في مدينة الموصل.

نشأ بين أسرة دينية تهتم بالأدب والسياسة, وبعد أن أكمل دراسته الثانوية بالموصل التحق بدار المعلمين العالية, ثم حصل على درجة الماجستير بمرتبة الشرف.

عمل بعد تخرجه في التدريس خمسة وعشرين عاماً, ويشغل منصب مدير عام لدائرة السينما والمسرح, كما يعمل بالصحافة منذ أكثر من ربع قرن.

عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق, وجمعية الفنانين العراقيين, ونقابة الصحفيين العراقيين, واللجنة العليا لمهرجان المربد, ومهرجان بابل.

نشر العديد من دراساته في الدوريات العربية.

دواوينه الشعرية: قصائد غير صالحة للنشر 1957 ـ اعترافات مالك بن الريب 1972 ـ سيدة التفاحات الأربع 1976 ـ اعترافات 1978 ـ المعلم 1985 ـ قصائد يوسف الصائغ (مجموعة كاملة) 1993.

أعماله الإبداعية الأخرى: الروايات: اللعبة1972 ـ المسافة 1974, والمسرحيات: الباب 1986 ـ العودة 1987 ـ ديزايمونة 1989.

مؤلفاته: الشعر الحر في العراق (رسالة ماجستير) ـ الاعتراف الأخير (سيرة ذاتية).

حصل على جائزة أفضل نص مسرحي في مهرجان قرطاج ووسام الاستحقاق الثقافي من رئيس الجمهورية التونسية.

مختارات من شعره

أهــذا إذن كــل مــا يتبــقــى..?

إذا انتصف الليل.. واسودَّ....

ليل بلا قمرٍ أو نجوم,

وصار الندى مبهماً في الحديقة...

سيدتي,

ستجيء كعادتها,

ستعبر هذا الممر الكئيب,

وتمشي على العشب حافيةً,

لحظةً,

وأرى وجهها , ملصقاً, في زجاجة نافذتي,

من هنا,

حيث ينكسر الضوء والوهمُ:

عينان ذاهلتان,

وشعرٌ من الأبنوس, قد اخضرَّ من بلل الليل,

والتمعت خصلة منه,

فوق الجبين,

ومن دونما كلمة,

وبصمْت المحبين,

سوف تمد أصابعها

وتشير إلى بنصرٍ نزعوا خاتم الحب عنه,

فموضعه أبيض مثل جرح قديم,

وتبسم لي..

هكذا .. لمحةً

وتغيب,

وتترك فوق ضباب الزجاجة,

هذا الحنين الغريب..

حنين غريب...

أنا .. يشبه القبلات حنيني...

سأبحث عن شعرة علقتْ في الوسادةِ

قنينة عطرٍ .. علاها الغبار,

قميصٍ به عَرَقُ امرأةٍ...

أهذا , إذن, كل ما يتبقى من الحب?

فــاكـهــة المـرأة النـائمــة

كانت المرأة النائمهْ

وهي في قبرها..

تتسمع أصواتهم,

وتغالبُ ضحكتها

.............

حين صبوا على القبر,

ماء الوداع الأخير

فكرتْ:

لعبة الموت مضحكة

وراحت تقارنُ , بين تابوتها

والسريرْ

.......

لم تعد تسمعُ الآن صوتاً

لقد ذهبوا كلهمْ....

وأحسَّتْ نعاساً من الحزن

يملأ تابوتها

وشيئاً من الجوع

مدتْ أصابعها, إلى باقة الورْد

قرب مخدتها...

أكلت وردتين

.... ونامتْ...

من قصيدة: المعلــــــم

هي سبورة,

عرضها العمر,

تمتد دوني..

وصف صغير

بمدرسة عند (باب المعظم)

والوقت

بين الصباح

وبين الضحى

لكأن المعلم

يأتي إلى الصف

محتمياً خلف نظارتيه

ويكتب فوق طفولتنا بالطباشير

بيتاً من الشعر:

- من يقرأ البيت?

قلت:

ـ أنا..

واعترتني , من الزهو

في نبرتي رعْدةٌ

ونهضت

- على مهل

قال لي:

- تهجأْ على مهل..

إنها كلمة...

ليس يخطئها القلب

يا ولدي,,

ففتحت فمي...

وتنفست

ثم تهجأتها دفعة واحدة

- وطني

وأجاب الصدى:

(وطني ... وطني)

فمن أين تأتي القصيدة

والوزن مختلف

والزمان قديم?

كان صوت المعلم, يسبقنا:

- وطني لو شغلت...

ونحن نردد:

- بالخلد عنه

فيصغى إلينا

ويمسح دمعته , بارتباك

فنضحك

الله..

يبكي .. ونضحك..

حتى يضيق بنا.. فيهمس

- ما بالكم تضحكون ..

أيها الأشقياء الصغار

سيأتي زمان..

وأشغل عنه

وأنتم ستبكون....