مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
حوار مع المظفر واستراحة المحارب PDF طباعة
الكاتب: كاظم غيلان   
الإثنين, 06 حزيران/يونيو 2011 10:11

هو بحار البحارين بلا منازع، لأنه مظفر النواب، الشاعر الكبير، والمناضل الصلب الذي لم ينحن للحكومات التي تهين كرامة الإنسان، ومنذ أكثر من أربعة عقود غادر بغداد التي يعشقها، حلق كما نورس لايهدأ في فضاءات العالم، واستدار الزمان به طويلا، حتى حط أخيرا في حضن حبيبته بغداد، استراح فيها لبضعة أيام مأخوذا بفتنة دجلتها، هي استراحة المحارب الذي قال منذ زمان بعيد:

mdafralnwaab

أقسمت باسمك ياعراق

اني أحارب

اينما وجد المحارب

او أموت محاربا وحدي

على كل الشفار

الحوار مع مظفر النواب يملي عليك معرفة كل الجزئيات التي تتعلق بحياته وشعره، لأنك بدون هذه المعرفة لايمكن لبوصلة أسئلتك أن تشير لما يريده الآخر، وكم مرة حاولت محاورته (صحفيا) لكنني أتردد، في هذه المرة وبعد ان عدت من مرافقته لزيارة جده الامام موسى بن جعفر ومع عطر الروضة الكاظمية الذي انتشينا به، اقترحت عليه الحوار الذي ابتدأته بإشكالية اللهجة واللغة، ولاننا معا في عروس سفائننا بغداد كان لأجوبته طعم، ولذة استثنائية، هو النواب الذي أطل علينا من الريل وحمد واستوقفـــــنا في وتريـــاته الليلية وسحرنا

بـ (ليل البنفسج) وعبر إطلالته البهية جاءت الأجوبة.

* أرى ثمة إشكالية قائمة بين اللهجة واللغة نعاني منها على صعيد الشعر.. كيف ترى الأمر من وجهة نظرك؟

ـ وجهان لعملة واحدة، العامية تفرض نفسها بجمالية عالية، كذلك الفصحى بجمالية أخرى نظرا للتراكم التاريخي للفصحى، تصلبت احيانا اكثر مما يجب، بينما هناك طواعية في العامية كونها مخلوقا حديث العهد، طريا وطوع أصابع الصانع او النحات، لكن كل هذا منوط بالجمالية التي يمتلكها الفنان، الجمالية التي تأتي من الداخل وليس من الخارج، فالمبدع او العبقري باستطاعته خلق صور وجمل موسيقية بدون صعوبة، يعني شاعر يكتب العامية يبدأ بالارهاصات الأولى غير الواضحة شيئا فشيئا يتمكن من ناصيتها ويجد أن الارهاصات الاولى تجتذب المفردات المناسبة لها، كذلك شاعر الفصحى ومغني الفصحى او النحات، فالاشكالية محلولة سلفا طوع أصابع العبقري الذي يصوغ الجمل.

* تكاد تكون قد ابتعدت بعض الشيء عن التجربة الأولى في الكتابة بالعامية؟

ـ هي تشكيلة أخرى من العامية حديثة الولادة، وهي أكثر قابلية لصياغة الأشياء، هي اجتهاد، بين فترة زمنية وأخرى يجب خلع الملابس عن جسد اللغة لكي تأخذ ملابس أخرى، ليس كتكرار لعملية الخلق انما للتجديد وإكسائها ثيابا جديدة.

* ماعاد المناخ الملحمي او البناء الملحمي ان صح التعبير موجودا في قصائدك الجديدة؟

- ذلك حصل بسبب صعوبة المرض (الباركنسون) الذي يشوش الذهن.. ويؤثر على سرعة الخلق، قد يصيبها بشيء من البطء. البناء الملحمي يقتضي في كل ارتكازات العمل وتكوينه في كل نقطة ان يراقب دائما، ان يكون له حضور بكل حدة وقوة كافيتين. أحاول أن أحتال على المرض بكتابة نصوص قصيرة، مشكلتي أكتب ولن أتمكن من قراءة ما أكتب، قصائد ذات نفس قصير يكتبها احيانا حازم وضرغام لانهما يستطيعان قراءة حروفي وهذه مشكلة أعاني منها كمن يحاول أن يلمس وردة ولايستطيع الاقتراب منها وعدم مسها، القصيدة التي ألجأ لها مركزة وفيها جماليات للتعويض.

* تتابع شعر العامية العراقية من خلال الفضائيات، ما مستوى قبولك عنه؟

- الأنواع الجيدة والمبدعة قليلة، وهنالك مبدعون، الفضائيات غير مشغولة بهذا وهذا ليس اتهاما، هنالك انهيارات في هندسة المدن لعبت دورا في التأثير، كل هذا يلعب دورا في خلق قصيدة شعبية جديدة، ويؤسفني ان لا أحفظ البعض من النماذج.

* أرى في سوق الكتاب العراقي اصدارات عديدة من أشعارك وأشك في مصادرها الطباعية؟

- ليس لي في المطبوع الشعري سوى (للريل وحمد) و(حجام البريس) بالعامية، وفي الفصحى (وتريات ليلية) و( المساورة امام الباب الثاني) اما ما تبقى فهي إصدارات مشوهة ومن غير استئذاني ولا حتى الأخذ برأيي.

* ما الشعور الذي خالجك وأنت تدخل الحضرة الكاظمية؟

- شعور اي انسان يزور الاماكن التي يحبها بمقدار حبي لعظمة الخلق، اي الابداع، هذا الابداع أجده في شخوص من التاريخ احيانا وهذا الحب ايضا للشخوص المعاصرين في العالم، في الوتريات قلت هذا:

" احتشد الفلاحون علي

وبينهم كان علي وابو ذر

والاحوازي ولومبا او جيفارا اوماركس او ماو

لا اتذكر

فالثوار لهم وجه واحد في روحي "

انا افهم الامام الكاظم الثائر الذي وقف بوجه القمع والسلطة والدكتاتورية والذي دافع عن الانسان عبر التاريخ ، وعبرت عن ذلك كما اسلفت في الوتريات.

* في ظل المتغيرات التي نعيشها كيف تجد ضرورات دفاع الثقافة العراقية عن هويتها؟

ـ ان تبنى المؤسسات الثقافية وثانيا ان نبحث او نعمل من أجل بناء سلطة وحكومة او دولة تتحلى بالديمقراطية حقا وليس مكسبا ضيقا، فيه ما فيه من التفاهة، انا ضد الدولة بما هي قمع وبجانب الدولة بما هي ديمقراطية،اذا صح التعبير، ولماذا اقول اذا صح التعبير؟ لان هناك تناقضا جوهريا بين المثقف والسياسي، غير بناء المؤسسات ايضا، ان نوجد أرضية اجتماعية تؤمن بالعمل الفني.. اي ان نكون الارضية الثقافية في اوساط الشعب، ارضية ديمقراطية حيث ان ارضية ثقافية متخلفة لايمكن ان تنتج الا التخلف.

* غادرت بغداد منذ أكثر من اربعة عقود وعدت اليها وها انت تغادرها لوقت وتعود اليها، هل هذا بما افسره قلق مظفر النواب ام خياراته؟

ـ كلها خيارات وكلها قلق، ليس ثمة سلسلة تربط يدي، ضمن وضاع سياسية معادية بامكانك ان تتخلص من القمع بمقدار استخدام ذكائك والخبرة التي منحتها لك والتجربة، وبغداد لاول مرة دخلتها بشكل طبيعي من المطار، فالسلطة من جهة (سابقا) تريدك ان تبقى في العراق بدون صوتك، والسلطة نفسها تريدك ان تغادر العراق لكي تأمن مايسببه لها شعرك من دوخة راس، فالحالان موجودان، القلق والخيار، وانا ساعود لان حنيني للعراق يزداد يوما بعد يوم.

جاءت فترات لم تأمن فيها من دوخة راسك حتى وانت في الخارج تبعا لتركيبة نظام السلطة السابقة التي هي مجموعة متناقضات.

* بوصفك مقارعا ومناهضا للحكومات فما هي طبيعة الحكومة التي تنشدها؟

ـ حكومة عادلة منتخبة بشكل صحيح وليس بتزويرات، حكومة ديمقراطية حقا ( وهذا صعب طبعا) حكومة تفهم الابداع وتقيمه هذا يسهم ايضا في السؤال المتعلق بواقع الثقافة الذي تفضلت به قبل قليل.

* هل انصف النقد تجربتك الشعرية؟

- بشكـــــــــــــــــــــــــــــل عام هنالك قصور، لاينفي ان تكون هنالك نماذج جديـــــــــدة وفعالة، اي بشــــــــــــــــــــــكل عام كنت اتمـــــــــــنى وجود نقد اعمق مهما كانت ابعاده.

عن الصباح