مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
كريم راهي: ساعي بريد الغرقى كتاب حبّ وليس مراثٍ PDF طباعة
الكاتب: حاورهُ في بغداد: رياض الفرطوسي   
السبت, 16 آذار/مارس 2013 21:01

 

qq
ha
  • السابق
  • 1 of 2
  • التالي
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

-

-      ها هو أمامي إذن! (ساعي بريد الغرقى). مكتوبٌ أنّهُ صدر عام 2012 بينما تقول أنت أنّك نشرت أولى نصوصك عام 1977.. هل كنتَ تتنزّهُ طيلة السنوات الخمس وثلاثين تلك؟ لِمَ لمْ يكن لك صوتٌ مسموعٌ فيها؟

-      لم تكن حياتي تلك السنوات نزهةً يا صديقي، جبتُ سجوناً ومنافٍ و خبرت حروباً وحصاراً أتى على اليابس والأخضر، وسالت من أبناء جيلي أنهارٌ حقيقيّةٌ من الدماء، مات من صحبي الكثيرون، عنك من لم يُعثَر له على أثر. أمّا عن صوتي آنذاك فقد كان مهموساً بسبب من أنني لم أكن حاضراً بإرادتي في الساحة ولم يكن لي سجل أدبي مكشوف، إلاّ أنني كنتُ أكتب وأنشر خلف الأسوار. داخلها لم يكن النشر متاحاً لمن له صحيفة سوداء في سجل الأمن آنذاك مثلي، عنك إنني لم أكن منتمياً لجوق ممجدي الطاغية وحماقاته ممن كانوا ولا يزالون يستكثرون أن يخرج أحدٌ ما بيدٍ بيضاء. ثمّ لا تنسَ أنَّ كلّ ما كتبتُه حينها كان مِراناً على هذا الكتاب.

-      كيف تسنّى لك إذن أن تظهر على حين غرّة بعد كلّ هذه السنوات وبين يديك كتابٌ أوّل؟

-      هذا لأنني تنفّستُ هواءً أكثرَ في وطنٍ أتاح لي التفكير بصمتٍ أقل، ولم يكن هنالك من بدّ لأن أنشر في فترة لا غبار على النشر فيها بعيداً عن تلك الماكنة الحزبية. كتابي الأوّل هذا صدر وأنا بعمر متأخر، وكلُّ نصوصهِ جاءت ثمرة لصراعي من أجل الإبقاء على قلبي متّقداً ونابضاً، هذا الكتاب هو تمجيدٌ للحب الخالد.

-      هو كتاب حبّ إذن؟ ظننتُهُ كتابَ مراثٍ أو ما شابه. جدران القصائد فيه تتّشحُ بالسواد والحديث فيه عن الموت يغلب.

-      نعم! كلُّ ما في كتابي هذا هو للحب وعنهُ، كتبته من داخل التجربة ودوّنت فيه كل خساراتي فيما بعد. صحيحٌ أنّ فيه من الموتى والمعذّبين أكثر ممن هم على قيد الحياة، لكّن حضورهم ذاك كان وأنا في غمرة احتضاري. الحبّ الحقيقيّ احتضار وكلّ الغائبين والمغيّبين كانوا يحفّون بي أيّامها ويحتفون بقربي منهم.

-      عادةً ما يصفون ما تكتب على أنّه أقرب لروح الشعر المترجم منه إلى نصوص النثر التي تنتمي مفرداتها إلى بيئتك الأمّ؟ كيف تدافع عن نفسك في هذا؟

-      هذه نظرة قاصرةٌ عن النثر وتهمة جاهزة ضد الشعر الحديث. النصوص المنشورة كتبتُها وأنا في بيئةٍ مغرقةٍ في غرابتها واختلافها عن بيئتي الأم. كنتُ أسكنُ في أرخبيلٍ حقيقي، قريباً من بحر وبيتي كان يقع في غابة، وغالباً ما كنتُ أرى بحّارةً وصيادي محار وأيائل، وطواحينُ الهواءِ كانت في زمنٍ ما على مرمى من بصري قريب. لكن رغم هذا تُشمُّ رائحةُ بارودٍ فاضحةٌ في كتابي وتُسمعُ استغاثاتُ معذَّبين ونحيب أمّهاتٍ ثكالى. كنتُ أكتب ومادّتي أصوات تضّج بها ذاكرتي. ثم إن ميلي كان للجملة التي تكسر نمط البنية السائد في العربية. جملي إسمية في الغالب، وهذا بتأثير التماس اليومي مع لغة غريبة منحتني بعض خواصّها. أن تتحدث بلسان أهل تلك البلاد لسنين طويلة يكسبك شيئاً مختلفاً سينعكس بالتأكيد على لغتك التي تكتب بها، وهذا ما حدث.

-      مادّة وشكل الكتابة في الشعر، من أن تأتيك عادةً؟

-      أووه!! الخسارات والخيبات هما مادّتان أساسيتان في ما أكتب وما يكتب أغلب الشعراء باعتقادي، ثمَّ ما يمكن الإمساكُ بِه من ذكرى، والحبّ طبعاً. إن كتابة لحظةٍ شعرية لهو أمرٌ يصعب تفسيره، لكن يمكن تشبيهه بعملية بناء حلم يقظة، ففي الحلم تتشكل المادة (الفلمية) من شرارة يقدحها حدثٌ ما، مرّ بك اليوم، أو استدعاهُ حدثٌ آخر، مبهم في العادة. ثم تتوالى تداعيات وأحداث مرتبطة بهذا الأمر يقوم اللاوعي بمنتجتها بمعقولية داخل الحلم فقط. الشعر أشبهُ بالحلم وهذان هما الميتافيزيقيا الوحيدة التي أصدّقها. هذا ما يحدث داخل الكتابة نفسها، باختلاف مادّة البناء وأدوات الصانع. أمّا عن صوت الشعر الذي أكتبُ فيه، فإنّه متأتٍ من تجربة طويلة مع الإيقاع والموسيقى وشروط البنى اللغوية والصوتية لبناء جملة شعرية مثقّفة وموجزة تجنح لتمرير النيّة بكسر قواعد الشكل اللغوي السائد وتأسيس بديل على أنقاض القديم بمهارة الصانع المرمّم. ولي في هذا حديث يطول.

-      وماذا يمنعك؟ حدّثني!

-      طيب.. هنالك مثلاً ما هو غير مقبول في الشعر، أعني الشعر المسموع، الخليل وضع قوانينه مستنداً إلى ذائقة عصره، وأتى المجددون بعده مستندين لمعطيات زمنٍ مختلف مع الكثير مما حُذفَ وأضيف. أين الغرابة في ذلك؟ خذ على سبيل المثال كلمات يلتقي فيها ساكنان مثل (مادّة، قارّة،شاقٌ)كانت مما يتحسر الشاعر على قوله وفق شروط الميزان، لكن الشاعر الآن بات بوسعه الخروج عن القيود تلك، بينما أن تتلاحق خمس متحركات لا زال ثقيلاً على السمع حتى نثراً. هذان مثالان فقط فيما يخص المسموع، عنك أغراض الشعر نفسها وزوايا النظر لموضوعتهِ والنظريات الفلسفية والنقدية التي قلبت موازين الفكر وأتت وما زالت تأتي كل يوم بجديد.

-      سمعتك تتحدث عن ضمائر القصد في الكتابة، ما معنى ذلك؟

-      سأجيبك بتفصيل كبير في موضوع خاص، فهذا الأمر يشغلني ولطالما حاورت الكثير من الشعراء بهذا الشأن ولم أجد منهم من لا يوافقني عليه. وأنا بصدد إتمام كتابة موضوع بهذا الشأن قريباً.

-      هنالك من يتهم ما يُكتب من شعرٍ الآن على أنه مادة متعالية وأن الشاعر كائنٌ مترفع، هل في ذلك حقيقة يمكن إسنادُها أو نقضها؟ أنتم تقولون ما لا يُفهَم. لا تُجب بأنهم لا يفهمون مايُقال.

-      الشعر عتادُ الشاعر، ومبرره للبقاء قيد الحياة، وما يقال بهذا الصدد صحيح إلى حدّ ما. لا يكتب الشاعر إلا لمن يلتقي معه في طبقة من طبقات الدلالة في النصّ، وكلّما كانَ المتلقي أقرب للقاع كان أقرب للدلالة. لكنّه لن يلتقي والشاعر قطعاً. الشعر تجريد للأفكار بمفاتيح عامّة يتقن الوصول لأسرارها إلا من كانت مكوناته أقرب لبداهات الشاعر وقصدياته. ليس على الشاعر أن يكتب ليُفهم أو لا يُفهم. عليه فقط أن يعترف ويدوّن.

-      تزخر النصوص الحديثة بأسماء ذات جذور غربية، هل هذا استعراض عضلات معرفي؟ القاريء قد لا يستمر حين يرى نصوصك مثلاً مليئة بالرموز التي لا سبيل إلى فهمها وقد يلقي بالكتاب جانباً.

-      قولك فيه نوع من الصحّة، لكن محركات البحث معروفة والوصول الآن إلى (الويكيبيديا) متاح لدى الغالبية، لا يكلف الأمر أكثر من ضغطة زر لتعرف من هو (كاتولوس) أو أين تقع (فوبرتال) مثلاً. ألم أقل لك أن لكل عصر معطياته؟ ثمَّ إنني عشت في بيئة غربية وقرأت بلغة أهلها ونهلت من ثقافتهم الشيء الكثير، وهذا لا يدع مجالاً لأن ترد أسماء الأماكن والأعلام كما هي في نصوصي،كما إنّ نسبة كبيرة من الأدب العالمي تعاطى ولا يزال ذلك الشأن، بغاية إثراء النص وإحالة القاريء إلى التقصيّ. الشعر حافز هنا على المعرفة وسبيل آمن للوصول إليها وهذه ميزة تحسب لصالحه.