مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
جلال زنكَابادي : الإبداعُ الأدبي نبعٌ لا ينضب PDF طباعة
الكاتب: حاورته: سوزان سامي جميل   
الأحد, 03 آذار/مارس 2013 16:43

 

jlal1
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

 

جلال زنكبادي، الأديب والمفكر العراقي الذي احتضنت كوردستان- العراق مولدهُ عام 1951 يكتب باللغتين العربية والكوردية ويترجم لأكثر من لغة (الفارسية- الانكليزية- الاسبانية- التركية بما فيها الأذرية بالاضافة طبعاً للغتين الرئيسيتين العربية والكوردية)، عشق الأدب والفن ودأب على تطوير ذاته بنفسه رغم الصعوبات الحياتية التي واجهته. بدأ العمل كمعلم في المدارس الابتدائية عام 1971 واستمر لغاية 1991 لكن شغفه بالعلم والقراءة واللغة ومثابرته على العمل وتقديم الأفضل وطموحه اللامحدود كل هذه العوامل أهلته ليصبح محرراً ثم مشرفاً ثقافياً ولغوياً في العديد من المجلات والجرائد الصادرة باللغتين العربية والكوردية. عمل أيضاً كسكرتير ثم مدير ثم رئيس تحرير لعدد من المجلات والجرائد في كوردستان. راجع ونقح للعديد من الأدباء والباحثين والأساتذة الجامعيين العراقيين عرباً وكورداً. صدرت له منذ 1994 عشرون كتاباً ورقياً وأكثر من عشرة كتب مؤلقة ومترجمة ظهرت على شكل (كتاب العدد) على صفحات المجلات. يكتب في عدة مواقع الكترونية وله أكثر من عشرة كتب قيد الطبع.

إلتقت به سوزان سامي جميل المحررة في سطور عبر (الدردشة في موقع الفيس بوك) وكان لها الحظ في إجراء الحوار معه.

الحوار

* لماذا يكتب جلال زنكبادي؟

- بما أن "الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يقاوم الموت بكل أشكاله، وهو الذي يواجهه الموت بكل أشكاله المختلفة، ويؤكد مجد الحياة والعقل والحرية بما يبنيه من حضارة وما يبدعه من فن وأدب، وكأنه كائن يتحدى الموت دائماً، وكأنه يقول للوجود: إذا كنت سأنتهي للعدم لكنني لست عدماً؛ وسأترك ما يدل على وجودي" حسب تشخيص أستاذ الأجيال وصديقي العلاّمة عبدالغفار مكّاوي (1930- 2013)؛ فقد وعيت ذاتي واكتشفت نفسي مبكّراً جدّاً بصفتي إنساناً لابدّ له من أن يخلّف أثراً لماهيّة وجوده في الوجود حاضراً ومستقبلاً، وهكذا أثر ينطوي على موقفي من الوجود في الوقت نفسه. وطبعاً يعبّر الإنسان عن وجوده بشتى الأفعال: يحب، يكره، يمارس الجنس، ينجب، يضحك، يبكي، يغني، يرقص، يغضب، يتمرّد ويثور، لكنما يظل فعل الكتابة الإبداعيّة أخلد ممّا عداه، وقد تجلّى هذا منذ اجتراح الكتابة قبل آلاف السّنين لحد الآن، وسيدوم حتى انقراض كوكبنا المبتلى بأنانيّة وحماقات معظم الساسة، وجرائمهم المتمادية بحق البشريّة والطبيعة.

إن ما سلف يعلّل "لماذا أكتب" ولكن هذا السّؤال وجوابه متواشجان جدليّاً مع سؤالين آخرين هما: "ماذا نكتب؟" و "لمن نكتب؟" وهي الأسئلة الشهيرة التي طرحها الفيلسوف سارتر(1905- 1980) في كتابه المهم (الأدب الملتزم) والتي سبقه برتولد بريخت (1898- 1956) بطرحها مع أجوبتها سنة 1935 في مبحثه المركّز (خمس صعوبات عند كتابة الحقيقة) وللأسف لامجال هنا للإجابة عن السؤالين المكمّلين.

 

*أي الأجناس الأدبية تقتحم جلال زنكبادي وتجعله يشعر بالراحة والاطمئنان بعد كتابته فيها أو قراءته عنها وهل ما تبحث عنه متطابق في كافة الأجناس الأدبية التي تبحر فيها؟

- أقربها إلى نفسي هو الشعر باللغتين الكرديّة والعربيّة كتابةً وترجمته إليهما عن بضع لغات شرقيّة وغربيّة ، ثمّ كتابة النقد التشكيلي بكلتا اللغتين وترجمته إليهما، أمّا كتابة وترجمة المقالات والدراسات والبحوث في المجالات الثقافيّة الأخرى (زائداً مجال الفنون التشكيليّة) فهما بمثابة روافد تصب في مصب شعري الذي هو محور اهتمامي منذ 1963 حين كنت تلميذاً في الصف السادس الإبتدائي.

 

* برأيك، هل يفترض بالشاعر أن يكون موسوعي الثقافة وإلى أي مدى يتوسع في قراءاته بحيث لا يورّطه هذا المدى في التشتت؟

- لم ولن يوجد شاعر مبدع كبير غير موسوعيّ الثقافة، ابتداءً من المؤلّف المجهول لـ (ملحمة كَلكَامش) مروراً بأوفيدوس، لاوتزي، المعرّي، الخيّام، شوتا روستافلي، مولانا جلال الدين، دانتي، حافظ الشيرازي، الملا الجزيري، احمد خاني، بيدل دهلوي، بوشكين، حتى إقبال، إليوت، ناظم حكمت، أوكتافيو باث، احمد شاملو، كلارا خانيس وأدونيس.

وأقول: لم ولن أشعر ذات يوم بأيّ تشتت، بل أجد تكامل كياني الثقافي في هذا (التشتت!) حيث أحسب الترجمة والبحث فنّين، بل علمين إبداعيين لايقلاّن شأناً عن الإبداعات الأدبيّة والفنيّة...وفي رأيي لم ولن تحيَ ثقافات الأمم والشعوب بالشعر وحده، وهنا أجدني أبوح أيضاً: لولا كوني مترجماً ومراجعاً لتراجم غيري، وخبيراً لغويّاً، ومقاليّاً وباحثاً ومراجعاً لدراسات غيري؛ لمتّ ومات أطفالي جوعاً! فثمّة مفارقة عجيبة وغريبة في العالم قاطبة، ألا وهي رغم تقديس الشعر لدى الخاصّة والعامّة؛ غالباً ما يجب على الشعراء أن يدفعوا تكاليف طباعة مجموعاتهم ودواوينهم، ناهيك عن كساد سوق الشعر! بل أينما يوجّه الشاعر وجهه يسمع من الناشرين وحتى باعة الكتب: "الشعر ما يوكّل خبز!"  

 

*الوهم والخيال والتحليق في الفضاءات اللامرئية هي عوالم ينفرد بها الادباء، ماهي الاشارات والدلائل التي تقودك إلى تلك العوالم وإلى أي مدى تبقيك فيها؟ تحدث لنا عن بداياتك مع عالم الخيال.

- لقد شغفت بالحكاية والشعر حتى قبل دخولي المدرسة، ورحت ألتهم كلّ مايقع تحت يدي من قصص الأطفال والجرائد والمجلات وكتب الصفوف المتقدّمة فمثلاً: كنت أقرأ كتب الصفين الثالث والرابع وأنا في الصف الثاني الإبتدائي، وأقرا كتب الصفين الخامس والسادس وأنا في الصف الثالث، بل رحت أقرأ كتب المنفلوطي وجبران وسلامة موسى منذ الصف الرابع الإبتدائي، وبرزت في درس الإنشاء بروزاً مشهوداً، ثمّ بدأت كتابة الشعر الموزون المقفى في الصف السادس الإبتدائي، ثمّ راحت دائرة قراءاتي تتوسّع وتتنوّع، واختزلت العديد من المراحل، ثمّ بدأت نشر قصائدي في النشرات الجداريّة منذ 1966 في دار المعلمين ومعهد المعلمين بكركوك، وفي جريدة كركوك وملحق جريدة الجمهوريّة منذ 1967 وفي السنة نفسها بدأت قراءة الشعر باللغة الإنكَليزيّة، ثمّ الترجمة عنها في 1969 وفي خريف 1971 تعلّمت قراءة اللغة الكرديّة (الأدبيّة) وكتابتها والترجمة عنها في أقل من ثلاثة أشهر، ثمّ تعلّمت اللهجات الكرديّة الرئيسة خلال سنة، وسرعان ما قادتني الكرديَة إلى تعلّم الفارسيَة في بحر ثلاثة أشهر، وبعدها تعلمت التركيّة (لكنها ظلّت أدنى من إجادتي للفارسيّة) وحاولت تعلّم الأرمنيّة والألمانيّة والروسيّة والسريانيّة، لكنني أخفقت، ومن ثمّ تعلمت الإسبانيّة في (خريف 1995- صيف 1996) علماً باني علّمت نفسي بنفسي اللغات المذكورة وبضعاً اخرى (حدّ القراءة والفهم والإستفادة المعرفيّة دون التمكّن من الترجمة الدقيقة) ولأنني كنت أركز على دراسة قواعد اللغات المذكورة وطرق إملائها، بل قراءة عشرات القواميس (كما لو انني أقرأ روايات !) صرت مترجماً، بل وخبيراً لغويّاً كتحصيل حاصل..أمّا ممارسات كتابة المقالات والدراسات فقد جاءت نتيجة لتراكم قراءاتي الموسوعيّة من أقصى العلوم الإنسانيّة مروراً بالآداب والفنون حتى السحر والشعوذة، وهذا يعني أن التراكم الثقافي (الكمّي) يتحوّل ديالكتيكيّاً إلى حال الكيفيّة، أي يتحوّل القاريء إلى باحث. وقد أنجزت العديد من الدراسات عن ثقافات الشعوب: الأرمن، البلوج، التاجيك، التركمان والباسك، بالإضافة إلى مايتعلق بثقافات الشعوب الإيرانية والتركية الأخرى، فمثلاً: سيبلغ عدد كتبي عن الخيّام وأعماله (وحده) نحو (15 كتاباً) باللغتين العربيّة والكرديّة.

 

*الزمن الخيالي الذي يهيم فيه الشاعر فيكتب شعراً يختلف تماماً عن الزمن الواقعي الذي يعيشه المؤرخ ليكتب عن شخصية معينة فهل حصل أن تضارب الزمنان في وقت واحد لديك وكيف عالجت هذا التضارب؟ ولمن كانت السيادة؟

- لست مؤرّخاً بالمفهوم الإصطلاحي، ومع ذلك ألتزم بصرامة بالزمن الموضوعي الكرونولوجي عند الكتابة عن أيّ علم في أيّ مجال، أو عن أيّ واقعة أو حدث في أيّ مضمار، بل قلّما يوجد كمثلي من يثبت تواريخ الوقائع والأحداث وتواريخ حيوات الأعلام، أمّا أغلب شعري فيغلب عليه الزمن المطلق بالمفهوم العرفاني الغنوصي المستند إلى الشطح، وبالأخصّ لكون الـ (أنا) تتماهى في الـ (نحن) وبالعكس، ويتجلّى بأسطع صوره في كتابي الشعري الإشكاليّ جدّاً (هكذا شطح الكائن مستقبلئذ/ ملحمة مضادّة / خريف 1993) والذي نشرته من جديد في شباط 2013 وثمّة تقديم يستجلي مفهومي للزمن الشعري، ويتعذر حتى تلخيصه في هذه الفسحة المتاحة.

 

*برأيك كمترجم محترف وفي عدة لغات كيف تحدد مكانة الأدب الكوردي في ملف الأدب العالمي أو الشرقي؟ وهل يندرج تحت مسمى الحداثة ؟

- نعم، وهي أي الحداثة سّائدة في الفنون الأدبية والتشكيليّة كافة، أمّا التيّار السلفي فهو ضئيل الحضور جدّاً ويقتصر على الشعر، لكنّما ثمّة حقيقة مريرة، ألا وهي أن أدعياء الحداثة والمنتحلين لطروحاتها وثمراتها هم الأكثر عدداً ولغطاً في راهن المشهد الثقافي الكردستاني، وقد سمّيت صنيعهم قبل (14 سنة) بـ (الحداثة الخلّبيّة) ورحت أفضح (الأباطرة العراة)؛ فنشب بيني وبين بعضهم سجال حامٍ؛ وسرعان ما أدبروا مندحرين مخذولين، رغم إستنجادهم ببعض المدرّسين الجامعيين؛ فأضطرّوا إلى الإستنجاد بالقيادة الإعلاميّة لأحد الأحزاب الكبيرة؛ فأمرت رئيس تحرير الجريدة التي احتضنت السجال، بأن ينشر شتائمهم المقذعة ضدّي، ثمّ يسدّ باب السجال منعاً لردّي عليهم ! ورغم ذلك استطعت فضح عوراتهم بمقالتين فقط ؛ بحيث غدوا مدعاة للتندّر والسخريّة منذئذ حتى الآن !

وأستميحك إستعارة الإجابة من مقالة منشورة لي في (2007) إختزالاً للوقت والجهد ونشداناً للدقّة: ليس الأدب الكردي بجذوره الضاربة في القرن السابع قبل الميلاد، والذي ترقى بواكيره الناضجة إلى مطلع القرن التاسع الميلادي؛ ليس أقل عراقة وأصالة من أكثر وأقدم آداب الأمم الحية في العصر الحديث، وللبرهان على ذلك لاندحة هنا من الإشارة إلى بدايات نشوء أوسع الآداب العالمية إنتشاراً في عصرنا الحديث (علماً أن التواريخ الآتية تقريبية، وتختلف نوعمّا من مصدر إلى آخر): الأدب الصيني (القرن 14ق.م)/ الأدب اليوناني (القرن 10ق.م)/ الأدب الفارسي (القرن7 ق.م)/ الأدب الهندي (القرن 6 ق.م)/ الأدب العربي (القرن 5 م)،/ الأدب الأرمني (القرن 5 م)/ الأدب الإنكَليزي (القرن 8 م)/ الأدب الياباني (القرن 8 م)/ الأدب الفرنسي (القرن 9 م)/ الأدب التركي (القرن 9 م)/ الأدب الألماني (القرن 12م)/ الأدب الإيطالي (القرن 13م)/ الأدب الإسباني (القرن 13م)/ الأدب الدانماركي (القرن 15م)/ الأدب البرتغالي (القرن 13م) الأدب الروسي (القرن 16م)/ الأدب الأمريكي (القرن 18م)/ الأدب السويدي (القرن 18م)/ الأدب الشيلاني (القرن 18م)/ الأدب المكسيكي (القرن 19م)/ والأدب النرويجي (القرن 19م).

ورغم قدم الأدب الكردي وغناه بنصوص إبداعية كثيرة يضاهي بعضها عيون الآداب العالمية ، ظل لأسباب ذاتية وموضوعية، أهمها: غياب اللغة الأدبية الموحدة، إضافة إلى إنعدام دولة كردية موحدة لأجزاء كردستان من قبل ومن بعد ظل رهين التشرذم اللهجوي والتقوقع في الغيتو وشبه مجهول حتى في أقرب اللغات والآداب إليها! في حين أن اللغة الكردية رغم تدوينها بثلاث أبجديات (العربية ، اللاتينية والسيريلية) مثل االبنجابية بأبجدياتها الثلاث (للسيخ والهندوس والمسلمين) تعد أفضل حالاَ بكثير من اللغة الصينية مثلاَ؛ حيث تعاني من مشكلات، بل معضلات أضعاف مافي اللغة الكردية، أبرزها: وجود تسعة وأربعين ألف حرف لاتنتج سوى أربعمائة وإثني عشر صوتا ممكناً! ومن الأسباب الأخرى لغيتو الأدب الكردي هو إنعدام حركة ترجمة منظمة عن الكردية إلى اللغات الأخرى حتى من قبل أبنائها أنفسهم! لأن الجادّين المجاهدين بينهم قلائل وأكثرهم إمّا دعي مهذار أو أناني مافيوي أو حاسد مهمّش لغيره أو كسول، بل أن بعضهم يجمع بين الصفات الذميمة كافة! وجلّهم ينشد الأضواء والأمجاد الزائفة،ناهيكم عن شبه إنعدام للمعاجم الضرورية والأنتولوجيات الأدبية والدراسات المعمقة والشاملة الشافية حتى التي تغطي تاريخ الأدب الكردي، باللغة الكرديّة نفسها! وعموماً أرى أن الأدب الكردي الحديث يتبوّأ المركز الرابع في الآداب الشرقأوسطيّة بعد الآداب: العربيّة، الفارسيّة والتركيّة، لكنه رهينة الغيتو والحصار اللغويين لضعف وهزال حركة الترجمة المنشودة إلى اللغات الأخرى بما فيها القريبة: العربيّة والفارسيّة والتركيّة..

 

*كيف تنظر كأديب ومؤرخ وموسوعي إلى الانسان في عصر مابعد العولمة والنت من حيث السلوكيات والاهتمامات والطموحات؟

- ثمّة إيجابيّات هائلة، ربّما لم يكن يحلم بها حتى أغلب أبناء جيلي قبل ربع قرن ومنها: التواصل السريع جدّاً بين البشر، بحيث يطلعون لحظة بلحظة على أخبار المعمورة قاطبة، في حين كان ذلك يستغرق ذلك أيّاماً، شهوراً قبل قرن، وربّما سنيناً قبل قرون وهذا التواصل يحسّس البشر ويشعّرهم بمصائرهم المشتركة (رغم آلاف الأميال الفاصلة بينهم) أمام كوارث الطبيعة وبلايا الحروب ورزاياها، ناهيكم عن المستجدّات والمتغيّرات الثقافيّة حتى الرياضيّة ومن ثمّ يعزّز توعيتهم بكونهم ليسوا جزراً معزولة متناثرة، لا أثر لبعضها على بعضها الآخر، كما يوفّر مصادر ومراجع (الكترونيّة) غزيرة جدّاً ونوعيّة للأدباء والباحثين والمترجمين، يتعذر الحصول على عشر معشار نظيراتها الورقيّة، وفضلاً عمّا سلف أرى في النت نعمة تكنولوجيّة هائلة بقهرها للدكتاتوريّات السياسيّة وللمافيات الثقافيّة الإستحواذيّة هنا وهناك فلولاها لظلّ أمثالي من الأدباء والفنانين المبدعين المستقلين الأباة رهائن مستضعفين للإقصاء والتغييب والتهميش والتعتيم من قبل مافيات الأقزام المتعملقين (وعاظ السّلاطين) حتى أبد الآبدين! وهذا الحوار الفيسبوكي أقرب برهان على رأيي .

أمّا العولمة على سائر الصّعد، فهي في منظوري الجدليّ، سلاح ذو حدّين. مادامت أنظمة الغرب منافقة تبطن نواياها الحقيقيّة الرامية إلى تحقيق مصالحها الأنانيّة عبر فرض إمبرياليّتها الإقتصاديّة والثقافيّة على الشعوب المستضعفة واستغلال بلدانها بمثابة مناجم مجانية وشبه مجانية، ناهبةً ثرواتها المعدنيّة بالأخص، واستغلالها أيضاً كأسواق رائجة لبضائعها الكاسدة وغير الكاسدة، لاسيّما لبيع أسلحتها إلى أنظمة الحكم والقوى المعارضة في آن واحد! والأنكى من ذلك انها تتشدّق ليل نهار بدعمها للقوى الوطنيّة العلمانيّة وإرساء الديمقراطيّة والعدالة والمساواة وتتظاهر بترويج الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بينما نجدها أقوى ظهيرة لقوى العماء الأصولي الرجعي، ولنا في أدوار استحالة (الربيع العربي!) أسطع مثال وبرهان حيث نشهد دعمها الهائل (من خلف الكواليس) للقوى الأصوليّة المتأسلمة الرجعيّة الإرهابيّة؛ لشراء ذمم وأصوات الناس الجياع (كما حدث ويحدث في مصر) لتستولي على كراسي الحكم، وتعيد عجلة التاريخ إلى الوراء قرناً، بل قروناً لكي تظلّ الشعوب المنكوبة المستضعفة بقرات حلوبة تدرّ الفوائد العظيمة لأوربا وأمريكا حتى بنزيف أدمغتها المبدعة المضطرّة إلى الهجرة واللجوء للغرب بصفتها كوادر جاهزة للإستغلال.

أمّا النت، بما فيها الفيسبوك وغيرها، فهي أيضاً سلاح ذو حدّين ولها سلبيّاتها الكثيرة كمثل إيجابيّاتها، فباستخدامها المنحرف تساهم في نشر دعوات الإنفلات الجنسي بما فيه الشواذ الذي يسعى الغرب إلى شرعنته وقوننته تحت تسمية (المثليّة) وجليّ أن الإنفلات المقصود سيطغى طارداً الحب الإنساني الحقيقي مادامت (العملة الرديئة تطرد العملة الجيّدة من السّوق) ومن ثمّ يهدم بنية العائلة المتماسكة التي هي لبنة مدماك صرح المجتمع السوي .

وهنا لابدّ من تشخيص بعض آثار النت السّلبيّة على الإبداعات (الأدبيّة ، الفنيّة ، البحثيّة والعلميّة) فقد أدّت سهولة النشر إلى تكاثر (الذباب الطفيلي) بنسبة 90% مقابل (النحل المنتج) النادر أصلاً، بل أرى الكثير من النحل المبدع يلوذ بالنت (الفيس خاصّةً) طوعاً، والقليل منه كرهاً ويهدر الكثير من وقته الثمين (بل من عمره) في ممارسة الحضور الفيسبوكي، مختزلاً الإبداع إلى نشر المزيد من الصور وتبادل جمل وعبارات المجاملة (سواء أكانت صادقة أو نفاقيّة زائفة) ممّا يفضي ذلك إلى تضحيل الثقافة وتسطيحها، وطغيان النفاق المتبادل، ورواج الجدالات السفسطيّة والتفاهات.      

 

*كيف تنظر لمستقبل الكتابة الورقية وهل تتنبأ بعودة للورق بعد اقتحام الحاسوب لكل مجالات الحياة؟

- مهما تسيّد النشر الإلكتروني سيظل النشر الورقي مطلوباً ، لأنه يتميّز بالتوثيق ، بل ان المنشور الورقي بمثابة ذاكرة خالدة منذ آلاف السنين ، ونسبة سرقته وانتحاله ضئيلة جدّاً بالمقارنة مع النشر الإلكتروني المعرض لشتى فنون اللصوصيّة ! وهكذا رغم الإيجابيّات الهائلة للنشر الإلكتروني (والتي أشرت إلى بعضها في إجابة أخرى) لن يكون بديلاً للنشر الورقي (التوثيقي) وثمّة تساؤل: يا ترى هل أن القرّاء والقارئات كافة (ومنهم القرويّون والأطفال والفتيان والصبايا) يجيدون / يُجِدْن استخدام الكومبيوترات والنت والفيس وغيرها، ناهيك عن امتلاكها! إن أغلب أدبائنا وفنانينا وباقي إنتلجنسيانا لايجيدون إستخدام الكومبيوتر، بل يفتقرون حتى إلى إيميلات!

وعليه لا أرى في النشر الإلكتروني بديلاً واقعيّاً للنشر الورقي لإنه (رغم انتشاره اللامحدود) معرّض في كلّ لحظة للإعدام بفايروس أو ضغطة زر! لكنه أعظم ظهير للنشر الورقي بما يوفره من مصادر ومراجع بشتى اللغات قد لاتخطر على بال القاريء والمترجم والباحث، كما انه يمكن أن يروّج المنشورات الورقيّة، ومن هذا المنطلق أحبّذ نشر أعمالي ورقيّاً، ثمّ إلكترونيّاً، و قد دشّنت هذا النزوع منذ بضع سنين وهذا يعني ضرورة التكافل بين النشرين.

 

*هل تتمنى أن تتطرق لموضوع لم يسبق لك التطرق إليه ويمنعك عن ذلك ظرف معين؟

- لمْ يمنعني أيّ ظرف (مهما كان قاهراً وغير مؤاتٍ، حتى في عزّ سلطة العفالقة) من التطرّق إلى أيّ موضوع جهراً أو ترميزاً أو توريةً فمثلاً: نشرت دراسة طويلة في أحد أعداد مجلّة (الثقافة) لسنة 1979 تتناول الثقافة الكرديّة في الإتحاد السوفياتي، وهاجمت فيها النازيّة والفاشيّة ومعاداة الشيوعيّة والنزعة العسكريتاريا (وكنت أعني بكل ذلك العفلقيّة أعلى مراحل الفاشيّة) بل نشرت في (المجلّة) نفسها، وفي السنة نفسها ملفاً عن الثقافة الإيرانيّة الثوريّة المناهضة للنظام الشاهنشاهي الإستبدادي، وضمّنته قصّتي السّاخرة من شعارات البعث ورموزه (في السنة الحادية عشرة) على انها قصّة إيرانيّة مترجمة من قبلي (طبعاً نسّبتها لكاتب إيراني معارض باسم مستعار هو منوجهر كشاورزاده)!

* كلمة تحب أن توجهها للقرّاء والقارئات ولموقع سطور.

- إمتناني الجزيل من خلالكِ لموقع (سطور) ولروّادها الأفاضل ورائداتها العزيزات، ولك من قبل ومن بعد على هذا الإستذكار الباذخ، متمنيّاً ألاّ ينهدر وقت القرّاء في قراءة هذا الحوار، وأن تجديه بضعة سطور ولو...    

* أستاذنا القدير جلال زنكبادي، لك المودة والشكر من (سطور) لسعة صدرك في إجاباتك الوافية والموضوعية على الأسئلة.