مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
غابرييل غارثيَّا ماركيث : الاستقلال الوطني والوحدة PDF طباعة
الكاتب: ترجمة: يحيى حمداي   
السبت, 26 كانون2/يناير 2013 13:42
 

 

markez
لايجوز تكرار النشر دون الأشارة لمجلة سطور

 

غابرييل غارثيَّا ماركيث

الاستقلال الوطني والوحدة

حاوره خابيير رُّوبيرت دي بينتوس

ترجمة: يحيى حمداي

يحكى أن دون رَّامون ديل بايّي إنكلان كان، خلال مسامراته، يقول لبيلمونتي مرة بعد الأخرى: "سيد بيلمونتي، أنت مصارع ثيران كبير، أنت تقترب كثيرا من بيت القصيد، غير أن شيئا لا يزال ينقصك، شيء، شيء...". وكان بيلمونتي ينتهي بسؤاله: "لكن، ما الذي ينقصني يا دون رَّامون؟. "ذلك واضح، أي ولدي العزيز: أن تموت على الحلبة".

أتذكر هذه الحكاية الطريفة، التي رواها خوان أنطونيو يانييث، أتذكرها الآن إذ يطلب مني خابيير باديرا وفرناندو ساباتير مدخلا لحوار مع غارثيَّا ماركيث. مدخل لا أنجزه إلا لكونهما يطلبان مني ذلك، مثلما كنت قد كتبت أسئلة الحوار فقط لأني لم أعرف كيف أفلت من إصرار ماريَّا خوسي ودانيلو بارتولين، اللذين ألحا في طلب ذلك. كنا قد تناولنا وجبة العشاء في منزله بهافانا إلى جانب القائد بينييْرو، وإينريكي رُّومان، المدير الجديد للتلفزيون الكوبي، وغارثيَّا ماركيث نفسه. ومع بينييْرو، استحضرنا دردشة سابقة مع مارتا هارنيكير وابنتها العجيبة. يبدأ غارثيَّا ماركيث بالمزاح بشأن سرقة كلاب القائد ("حكاية بديعة: تُسْرَقُ الكلاب من أعلى هرم أمن الدولة")، ويواصل مفسرا المسألة المتمثلة في أنه ليس لكاسترو خليفة من قامته لينتهي مدافعا عن التيار "الصلب" لراوول كاسترو. (تبدو هنا حجج بينيييْرو، الذي لم يكن بالتحديد "ليّنا" أبدا، كأنها للورد انجليزي). وبعد ذلك يتجه غارثيَّا ماركيث نحوي ليكرر لي بأننا نحن الإسبان تحولنا إلى بوابين لأوروبا. ولكي يوضح دفعة واحدة موقفه إزاء المواضيع التي جاءت بي إلى هنا، يبلغني ما قاله له فيدل كاسترو أول أمس: "لماذا لا توجد انتخابات في كوبا؟ ذلك لأنها لا تلزمني"؛ ويوضح لي الكاتب: "إنها أكثر الإجابات التي سمعتها وضوحا، إنها رائعة". وعن حال اليوم الموالي للانتخابات في جمهورية الدومينيكان، يعقّب كذلك: "أنت ترى الآن لماذا تصلح تلك 'الانتخابات الديموقراطية' التي تستهويكم كثيرا؛ لأنْ يفوز فيها أشخاص مثيرون للسخرية والازدراء مثل بالاغير". صمتَ بينيييْرو وهو الآن نصف نائم. تحاول ماريَّا خوسي التوسط. وينتهي غارثيَّا ماركيث بأن يروي لنا كيف يخِفُّ جميع قادة العالم الكبار إلى الرد عليه عبر الهاتف وكيف يستقبلونه. هؤلاء الزعماء الذين، كما يقول الآن بصدد أحدهم، يطوفون دوما "مفسرين قلق شعبه والروح الخلاقة لزمنه"، وبأنهم يثيرون لدى غارثيَّا ماركيث عاطفة لا جدال فيها.

قبل شهرين، في الطريق إلى انتخابات نيكاراغوا، كنت قد توقفت عن قصد في المكسيك لرؤيته ولأطلب مساعيه الحميدة لدى كاسترو. كان غرضي يتمثل في تنظيم لقاء أوروبي-أمريكي يكون بإمكان الكاستريين و، كما يقول هو، "الممانعين"، أن يتحاوروا في إطاره ويرسموا مسار انتقال خاليا من الرضوض. وعلى شرفه، يجب علي أن أقول بأن غارثيَّا ماركيث كان واضحا منذ البداية، كما هو كذلك في الحوار. فهو، إزاء الحربائية المؤورِبة والبيروسترويكاوية، يفضل ذلك الخليط من "النقد الذاتي" الشيوعي و"مقابلة وجهات النظر" المابعد فرانكاوية الذي سماه كاسترو "التصحيح": إنعاش دور الحزب، إضافة إلى "العمل الإيديولوجي"، واستعادة "المارتينية"، الأصلية، واحتكاك أكبر مع تطلعات العمال، والفلاحين والطلبة، إلخ. يقول غارثيَّا ماركيث مدققا : "إن مشروع فيدل بالغ الجدية والعمق"؛ و"يكمن عيبه الوحيد في أنه لم يفسر للخارج بشكل جيد". (وهو في ذلك، على الأقل بالنسبة لي، يشبه أية آلة حزبية إسبانية: من حيث نسبة أي شيء أنجز بشكل سيء إلى أنه "لم يفسر بشكل جيد"). ومع ذلك يعترف بدواعي قلقي، ويَعِدُ بمساعدتي في مسعاي إن كنت أستطيع الذهاب في يونيو المقبل إلى كوبا، عندما يكون هو هناك. تجعلني صراحة الحوار أشعر بالتفاؤل: ليس هناك أفضل من الإبقاء على مواقف كل واحد واضحة من أجل تعاون خال من الخداع في مشروع ما. تنتهي المحادثة بلطف بينما يسخر لمرة أخرى إضافية، ليس بدون مبرر، من نسيان أمريكا اللاتينية من طرف الكثير من الإسبان من ذوي الميول الوحدوية الأوروبية المرتدين ("لكن لا يجب عليهم أن يقلقوا؛ أنا أقول لهم ما جاء في ذلك الإعلان على طريق بارَّانكيَّا: 'لا تَجْرِ، فنحن بانتظارك. مؤسسة العدالة لتجهيز ودفن الموتى' " وحول الانتخابات في البيرو ("يقولون بأني مولت حملة فوجيموري. وذلك صحيح. إن ما لا يعلمونه هو أن ذلك لم يكلفني حتى بيسو واحدا").

وفي كوبا فقط، كما قلت سابقا، بدأ الأمر في التعثر، وبالنسبة لي على حين غرة. أنا أفهم بأن غارثيَّا ماركيث يرى بأن كاسترو "ينقصه شيء بعد" حتى يكون بمستوى الفن. أحترم كذلك وفاءه الإيديولوجي والشخصي، فبسببهما - وليس بالرغم عنهما- طلبت منه تدخله لدى كاسترو. ومن هناك دهشتي عندما راح يبدو لي كمشارك، ليس في حل المشكل من هنا فصاعدا، بل في غياب الإرادة والتصميم على مواجهته. (هذا تقدير فحسب، ذلك واضح، رغم أنه قائم على أساس متين)، ودهشتي كذلك من أن خطابه، بغض النظر عن الحلول اللامعة التي نقلتها، لا يبدو راديكاليا جدا من حيث كونه زلقا ويمكن توقعه؛ أو على الأقل، بدون الاستعجال والدراماتيكية اللذين يمنحان الحياة للكاستريين وللمنشقين الكوبيين على السواء —من بينيييْرو إلى كارلوس أَلْدانا، ومن غوستابو أركوس إلى إليثاردو سانشيث—. فكرت حينها في أنه ربما كان من المجدي أكثر محاورتهم هم. وبعد شهر من ذلك، وأنا في برشلونة، أرسلت لي ماريَّا خوسي ودانيلو إجابات غارثيَّا ماركيث، التي اكتفيت بنقلها لألفريدو رُّوكا.

سؤال: ما الذي يكشف عنه في إسبانيا ووضعها الراهن الشكلُ الذي تُعرَض به المئوية الخامسة للاستقلال؟ بكلمات أخرى، ما رأيك في المئوية كعلامة.

جواب: بالنسبة لإسبانيا، لا يمكن لإحياء هذه الذكرى المعروفة سوى أن تكون ذات طابع احتفالي، محاولةً لحجب العيوب خلف صخب بلاغي، إلى الحد الذي يجعلنا نتساءل فيه جميعا ما الذي سيفعله الإسبان بعد 1992. تلك احتفالات بالنصر خالية من أي محتوي سياسي حقيقي، بدون نفس تاريخي، وبدون غرض وحدوي كان بإمكان سيمون بوليفار أن يشاطره كتتويج لأحلامه. غير أنه، بما أن إسبانيي الأمس لا يشبهون مواطنيهم الحالين، يجب الثقة في أن هؤلاء ليسوا كلهم، ولا هم يعتقدون نفس ما سيعتقده إسبان الغد. منذ فترة قصيرة، ونحن نتحدث حول هذا الموضوع، قلت لأحد الأصدقاء: "اِجلسْ في باب بيتك، فمن هناك لا بد أن تشهد، عاجلا أو آجلا، عودة الآباء الضالين".

س.: ما الذي قد يثير الإعجاب أو الخجل في الظاهرة المحتفى بها وفي الاحتفال نفسه؟

ج.: لم يكن بوسع إسبانيا أن تتوقع منذ خمسمائة عام بأن هذه المئوية ستجعلها تتفاجأ أبعد من أي وقت مضى من مستعمراتها الأمريكية القديمة وهي تقوم بما يجعلها تستحق اعترافا أوروبيا بدعمها لأوروبا. هذا يعني أنها عازمة على تأسيس منظورها التاريخي على مجرد وحدة اقتصادية، بينما الوحدة الحقيقية ليست وحدة أسواق بل وحدة هوية، وأكثر من أي شيء آخر، في هذه الحالة تحديدا، وحدة هوية ثقافية. وكما يبدو، فقد نسوا بأننا نحن وإياهم من غيرنا معاً مصير العالم منذ خمسة قرون.

س.: لماذا أفضى انعتاق أمريكا اللاتينية، في جل الحالات، إلى التجزئة والتسلط وحكم العسكر؟ هل يمكن اعتبار ذلك إرثا إسبانيا محضا؟

ج.: التجزئة والتسلط وحكم العسكر إرث إسباني بطبيعة الحال، لكن ما يراد منها في أمريكا اللاتينية هو أزمة نمو لم تتحرر من ربقتها في العالم سوى أمم معدودة على أصابع اليد الواحدة. يناهز عمر بلداننا مائة وسبعين عاما من الحياة المستقلة. عمر أوربا يزيد عن ألفين، غير أن المركزية الأوروبية تنتظر منا أن نكون متساوين مع أوروبا، وليس في ما هو جيد فحسب بل حتى في ما هو سيئ وكأن لنا نفس العمر التاريخي. بأي وجه كانت إسبانيا ستحضر إلى مجلس الأمن بالأمم المتحدة في زمن الاستعمار؟ بأي وجه كانت ستمثل أمام لجنة حقوق الإنسان خلال أزمنة محاكم التفتيش؟ أيجب أن نكرر كل يوم، وإلى حين أن يفهموا ذلك، ما سبق أن قاله سيمون بوليفار للأوروبيين: "دعونا نصنع بهدوء عصورنا الوسطى"؟

س.: لماذا لا تظهر حتى الآن في أمريكا اللاتينية انعكاسات التعافي التكنولوجي والمالي التي تظهر منذ مدة في جنوب شرق آسيا؟

ج.: يبدو لي السؤال حول جنوب شرق آسيا ملتبسا نوعا ما. ليس واردا أن يكون المقصود به بنجلاديش أو الفييتنام. أما إذا كان المراد به سنغافورة، وتايوان، وتايلاند فإن المثال سيكون أسوأ: ما يوجد هناك عبارة عن معاقل استعبادية تقريبا لتصنيع تكنولوجيا مستعارة وتمويلات جشعة، في خدمة الاستعمار الجديد المنحط. لا، لا تلك البلدان تستحق تلك المحنة، ولا نحن سفهاء حتى نفرضها على ذوينا.

س.: يبدو واضحا أن الاتحاد الأوروبي "يقلق" على أمريكا اللاتينية أكثر مما "يهتم" بها. يمارس الحمائية إزاء المنتوجات الفلاحية لأمريكا اللاتينية، ويمنحها بعد ذلك "مساعدات". هل يمكن لذلك أن يتم بشكل آخر؟ ما الذي يمكن لإسبانيا أن تقوم به بهذا الخصوص وكيف؟

ج.: لا يمكن التطلع إلى أن يختفي قريبا الشره الحمائي لأوروبا ومويولها الاستعمارية. ما يقوم به الأوروبيون إزاء أمريكا اللاتينية — وبصفة عامة إزاء العالم الثالث— هو نفس ما كان يفعله السادة الفيوداليون عندما كانوا يدفعون العشور والبواكير للكنيسة من أجل أن يغفر الله لهم خطاياهم. لكن لنكن عادلين، فما دام العالم كما هو، فيستحيل على الأوروبيين حماية مصالحهم ومصالحنا في نفس الوقت. ومن جانبنا، سيكون من السذاجة انتظار ذلك منهم، كما هو مستحيل توقع أن تقوم طبقاتنا الغنية، بإرادتها وعن طيب خاطر، بالتخلي عن ممتلكاتها لصالح الفقراء. أقصى ما يمكنهم أن يفعلوه، سواء أتعلق الأمر بالطبقات أو بالبلدان الغنية، وهُمْ يفعلون ذلك من حين لآخر، هو تهدئة ضمائرهم وتنويم ضمائر الآخرين بواسطة الأعمال الخيرية.

وبما أن وضعية اللامساواة هذه تزداد رسوخا بين يوم وآخر، فإن أملنا الوحيد الآن، نحن الذين لا ننتج سوى مواد أولية وثروات ثقافية، هو أن نحصل على استقلال كاف وموهبة خلاقة لنجعل الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، واليابان، باختصار: البلدان الأكثر قوة، تفهم بأن حاجة بعضنا للبعض الآخر ستحقق المساواة بيننا إن عاجلا أو آجلا، وبشكل لا مناص منه. سيكون قتالا مريرا وربما داميا في حالات كثيرة لكن طريقه في أمريكا اللاتينية واضح ووحيد: الاستقلال الوطني والوحدة.

س.: هل بإمكان أحد أن يواجه المشكل البيروفي؟

ج.: مشكل البيرو واحد من المشاكل الأكثر خطورة في أمريكا اللاتينية، غير أنه هو نفسه في العمق: سوء توزيع الفقر. حل ذلك ليس بيد رئيس، بل في تغيير الشروط العامة للقارة. وبالنسبة لبلداننا، كل واحد على حدة وكمجموع، يجب إعادة التفكير فيها من البداية، حول أساس أن التحليلات التي ورثناها، والتي اتخذنا بمقتضاها قرارات خلال أزيد من قرن، كانت قد أنجزت بمعايير ذات نزعة إرادية، وتدليسات طبقية، وبإيديولوجيات أجنبية لا تتلاءم مع واقعنا. ثمة خريطة مستعارة تغطي الخريطة الحقيقية للقارة كأنها قناع شكلاني إذا تأملناه فسنجد بأن الطبقة المحافظة في الفكر الإسباني ليست بريئة تماما من تهمة إيجاده، قناع لا يزال يعيق تعريفا دقيقا لهويتنا.

س.: ما الذي يعنيه تأكيدك "سيكون كافيا لكولومبيا إزالة ما هو شر فيها".

ج.: أود القول بأن أهوال الناركو-إرهاب (narcoterrorismo)، والعصابات ذات الوجود الأبدي، والإجرام المجنون، والطبقة السياسية العاجزة والضارية، وكل الشرور الوطنية التي بها تشكلت الصورة الحالية لكولومبيا في الخارج ليست عوامل حاسمة في تحليل عميق لكولومبيا الحقيقية، وبشكل أقل في ما يتعلق بكولومبيا الألفية الثالثة. إذا أزلنا عن البلد هذه العوائق الكبرى فلن يبقى هناك أي جزء بلا هوية، بل بلدا كاملا وسليما، يواصل نموه بخطى واثقة، عند منتصف النزيف، وبدَفعة خلاقة وقوة ثقافية يتمناها آخرون لأجل آحادهم السعيدة.

س.: هل صحيح أن "الكوكايينية" منحت الولايات المتحدة الأمريكية ذريعة جديدة للتدخل هناك حيث لم تعد أمور "الشيوعية" تسير على ما يرام؟

ج.: في حوالي سنة 1982 أوجدت الولايات المتحدة الأمريكية كلمة "ناركو-عصابات" (narcoguerrillas). كان ذلك اكتشافا عبقريا من منظور مصالحها السياسية: يتعلق الأمر بسماحنا لهم بالتدخل في حياة بلداننا بالسلاح والجيش، ليحاولوا دحر العصابات بدعوى تجارة المخدرات. لم تقع أي من حكومات أمريكا اللاتينية في الفخ. والآن، أمام تراجع الصراع المسلح في القارة، وفقدان الشيوعية لبريقها عبر العالم، لم يعد أمام الولايات المتحدة من ذريعة للتدخل غير حرب مفترضة ضد تجارة المخدرات. سمح لهم ذلك بغزو بنما في المقام الأول لأجل حل نزاع شخصي بين الرئيس بوش، المدير السابق لـ CIA، والجنرال نورييغا، رئيسها السابق، وفي المقام الثاني، لمنع تسليم قناة بنما في سنة 2000.

يمكن البرهنة بالأرقام على أن حجة محاربة عصابات المخدرات حجة واهية: إذا كان بالولايات المتحدة 20 مليون مدمن مخدرات، الذين يعتبرون مجرمين بمقتضى القانون، بَيْدَ أنهم يذرعون الشوارع طلقاء، فإن تحقيق اكتفاء ذاتي لهم عبر تموينهم بالمخدرات يتطلب منظمة تهريب مخدرات داخلية أكبر بكثير، وأعقد وأكثر عمومية من شبكات الزراعة، والتصنيع، والتسويق ببلداننا. لكن لا أحد يتكلم عن هذه المافيا الداخلية، لا أحد يلاحقها، لا أحد منها في السجن، لا أحد بَحَثَ إلى أي حد بلغ حضورها وقوتها بداخل السلطات العمومية للولايات المتحدة. إن عمدة واشنطن، المتورط في تناول المخدرات، والذي تحوم حوله الشكوك بشأن المتاجرة فيها والتستر على من يقومون بذلك، ليس حرا فحسب، بل هو يستعد للترشح مرة أخرى لنفس المنصب. ما الذي كانت ستقوله الولايات المتحدة لو أن عمدات بوغوتا وليما ولاباث كانوا قد فعلوا نفس الشيء؟

س.: هل يمكن لكوبا، في الشروط الخارجية الحالية، أن تواصل كونها الفاعل، والرمز والطليعة، دون أن تجد نفسها قد انحدرت لتصبح موضوعا سلبيا للأحداث؟ أليس ثمة ذلك الخطر المتمثل في أن تباين اللجوء إلى نزعتي الإيثار والبطولة قد تنتهي –كما يحدث مع العشق المنهجي– إلى فقدان الفعالية؟

ج.: يسمح الأوروبيون لأنفسهم بترف التصرف بنفعية مع أنفسهم غير أنهم يتحولون إلى مثاليين عندما يتعلق الأمر بتعاملهم معنا. لقد تمكنوا، بعد آلاف السنوات، من أن يصيروا كما يشتهون، غير أنهم ينتظرون منا أن نكون مثلهم. أما أنا، على النقيض من ذلك، فلدي مفهوما لاتينوأمريكيا بخصوص واقع أمريكا اللاتينية، ولا أفهم لماذا يجب أن يكون هناك مفهوم آخر مغاير بالنسبة لكوبا. في إطار هذا المفهوم، ليس من المقبول الاعتراض على أي من مبادئ الثورة الكوبية: الااستقلال الوطني، والعدالة الاجتماعية، ووحدة أمريكا اللاتينية. لكي تجد أصوله، ليس عليك الذهاب بعيدا: إنها في مارتي وبوليفار، اللذين يعتبران مصدر إلهام لما تسميه أنت كاسترية.

وإذا لم يكن بإمكان كل ذلك أن يتحقق خلال ثلاثين سنة فمردّ ذلك إلى أنه يزعج الهذيانات الخلاصية للولايات المتحدة الأمريكية. ويعتبر قليلا جدا ما لم تحاوله هذه الأخيرة إزاء كوبا: حصار شامل، وإنزالات مسلحة، وأعمال تخريبية من كل نوع، ومضايقة دبلوماسية، وتدمير للمحاصيل والحيوانات عن طريق تسريب الأوبئة، وحملات التشنيع وزرع القلاقل، والتجسس على محطات الراديو والتلفزة، وتفجير الطائرات المدنية وهي في الجو، والإغواء الدنيء للموظفين والرياضيين والفنانين، ثم أكثر من خمسين محاولة اغتيال ضد شخص كاسترو، اعترف بها الكونغرس الأمريكي نفسه. لذلك فاللجوء الراسخ لنزعتي الإيثار والبطولة كما تسميها أنت لن تفقد فعاليتها، لأنها رد فعل طبيعي لبلد صغير وفقير في مواجهة التهديد والاعتداءات المستمرة لأعتى قوة عسكرية في العالم. إضافة إلى ذلك، يجب القول بأن جميع بلدان أمريكا اللاتينية، بما فيها تلك التي لا تجرأ على الاعتراف بذلك، استفادت من الإصرار والشرف اللذين واجهت بهما كوبا هذه الحرب الهائلة.

هذا يفسر الجملة التي سمعت أحد الكوبيين المعارضين يتفوه بها منذ فترة قصيرة: "أنا أعاني من نظام فيدل كاسترو منذ ثلاثين سنة، لكني لست غير مستعد لإسقاطه فحسب، بل سأرفع السلاح في وجه الغزاة الأمريكيين، ولو كان ذلك فقط من أجل عدم دفع ثمن كراء البيت، والطبيب، وطبيب الأسنان، أو تعليم أبنائي". فاطمئن إذن، واقلق أكثر بشأن العشق، لأن الباقي سيهتم به الكوبيون.

س.: لديك حق، قد يكون ذلك لأنني إذْ أمضيت سحابة يومي أسمع هنا عن ما يسمى بــ "النزعة العالمية" فلربما اُصبت بخلل ما. غير أن ذلك صحيح: أنا وأنت لسنا كوبيين. لكن حسنا، من غير كوبي إلى غير كوبي، هل تعتقد بأن كوبا في حاجة، في الوقت الراهن، لتغيير حقيقي؟

ج.: أنا مع الرأي القائل بأن كوبا في حاجة لتصحيح هام لنظامها السياسي ولإصلاح ديموقراطي أكثر عمقا. إن أول من يفصح عن ذلك هو فيدل كاسترو، والعملية في طور الإنجاز حتى قبل أن تبدأ التغييرات في أوروبا الشرقية. غير أن من يحتاج إلى ذلك ليست كوبا لوحدها، بل كل أمريكا اللاتينية، ولا أعتقد بأن الحل السحري يكمن في الانتخابات العامة. هذه الأخيرة ليست في الواقع سوى واحدة من ا أدوات المتعددة للديموقراطية، غير أنها ليست الوحيدة ولا أكثرها حسما.

تُقام في كل بلدان أمريكا اللاتينية انتخابات بشكل دوري، غير أن أحدا منها لم يتمكن من حل المشكل الجوهري المتمثل في غياب مشاركة شعبية فعلية. يخلد النظام الانتخابي في كولومبيا، الذي يعتبر الأكثر قِدما و دِقَّةً، في السلطة قافلة من السياسيين العاطلين والفاسدين الذين يصرخ بهم الناخبون، في الشوارع وحتى أمام صناديق الاقتراع دون أن يفلحوا في إبعادهم. والنتيجة أن نسبة العزوف عن الانتخابات أصبحت منذ زمن أكبر من نسبة مجموع الأصوات المدلى بها كرفض وطني لا غبار عليه.

وليس على كوبا تحديدا، بل على أمريكا اللاتينية كلها الاستناد إلى مواهبها للبحث عن طُرُقِ ديموقراطية حقيقية. وليس هناك ما يدعو لأن يكون النظام واحدا بالنسبة للجميع، ولا حتى مشابها لما هو عليه الأمر في أجزاء أخرى من العالم ذات تجارب تاريخية وثقافية مختلفة، مع أنه بإمكانها الاستفادة من تلك التي قد تبدو لنا نافعة ويمكن تبيئتها. هكذا كانت طريقة تفكيري منذ ردح من الزمن، ومن هناك بدأت مشاطرتي للثورة الكوبية انطلاقا من أصولها، ومن هناك تتواصل.إن العائق الأكبر الذي يحول دون أن يشق هذا المعيار طريقه هو المقاومة النشطة والوقحة للولايات المتحدة، بتواطؤ مع القوى الداخلية الأكثر رجعية ببلداننا.

في فخامة الفكر البراغماتي، على العالم الغربي أن يفهم تلك الحقيقة، والدرس واضح: ليست كوبا، وإنما الولايات المتحدة هي من عليها التغير أولا. ينجز الاتحاد السوفياتي تغييراته الراهنة، لأن إنسانيا ملهما عرف كيف يفهم، بنظرة عامة، انشغالات شعبه والزخم المجدد لزمنه. وكانت هذه التغييرات، وليس فقط القروض الشعبية الداخلية، هي التي سمحت بجعل أوروبا الشرقية ليبرالية.

تصفق الولايات المتحدة لتلك العملية، وبوقاحة مضحكة، وتعلنها نصرا شخصيا. غير أنها تحجم عن الاعتراف بأن عليها هي أيضا أن تتغير في العالم الذي يتغير فيه كل شيء. إن الإصلاحات الداخلية العميقة التي لا تقوم بها الولايات المتحدة هي ما نحن في أمس الحاجة له. إن الحاجة لبيروسترويكا الولايات المتحدة ملحة للجميع، ولها هي في المقام الأول. وفقط عندما يحدث ذلك، ستتوفر لأمريكا اللاتينية، بما فيها كوبا بطبيعة الحال، الشروط لصياغة هويتها وتقرير مصيرها.

من كتاب "أوروبا الجديدة ومستقبل أمريكا اللاتينية"، الذي نشرته بلدية برشلونة والجمعية الوطنية للمئوية الخامسة.