مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
الروائي فيصل عبدالحسن متحدثاً عن سنوات كازابلانكا PDF طباعة
الكاتب: اجرى الحوار : حكمت الحاج   
السبت, 22 كانون1/ديسمبر 2012 12:17

fesl3bd
snwat
  • السابق
  • 1 of 2
  • التالي
حكاية الجذور وموت العراقيين في المنافي.....

الروائي العراقي فيصل عبد الحسن متحدثاً عن سنوات كازابلانكا....

أصدر الكاتب العراقي فيصل عبد الحسن روايته الجديدة سنوات كازابلانكا عن منشورات إي ــ كتب الالكترونية بلندن، وهي الرواية السادسة في رصيده بعد ثلاث مجموعات قصصية وعدد لا يستهان به من الدراسات والمراجعات والمعالجات النقدية، فضلا عن إسهاماته المتواصلة في المجال الاعلامي لسنوات طويلة.

إنه يقيم الآن ومن قبل في المملكة المغربية، وهذا ما يفسر بعض الشئ عنوان روايته المذكورة آنفا والتي حملت عنوانا جانبيا دالا هو الآخر على شكل سيرة دينار في بلاد الدراهم . سألت فيصل عبد الحسن أولا عن ذلك الإحساس الذي انتابني وأنا اقرأ سنوات كازابلانكا فلقد غرقت في بحر من الحزن العميق والاكتئاب الأسود من أول الرواية الى منتهاها فلم أظافر بلحظة هناء واحدة في كل ثنيات السرد الروائي أو حتى في خيالات شخوص الرواية.

هل هذا هو الجو العراقي بامتياز حيث السواد هو اللون الأوحد وحيث أخبار الموت والقتل والانتحار والشتات في المنافي هو زوادة العراقي أينما حلَّ وارتحل؟

* بالرغم من سوداوية المواقف التي يعانيها المهاجر من العراق إلى بلاد الغربة، فإن هناك مواقف تدعو إلى الضحك والسخرية مما آلت إليه الأمور.

وقد حاولت دائما أن أتناول هذا الجانب الساخر في أعمالي الروائية ومنها في سنوات كازابلانكا آخر رواياتي، التي صدرت عام 2011، وليس الأمر جديدا على الأدب العربي وخصوصا في الشعر العربي. اسمع الشاعر ابن الرومي، وهو يهجو الزمان الصعب، الذي لم ينل فيه الأنسان المتعلم والمثقف فرصته في الحياة المرفهة، وهو يحكي قصة أبي صدر الجاهل الذي ولي إحدى إدارات الدولة عجب الناس من أبي الصقر إذ ولي بعد البطالة الديوانا» إن للحظ كيمياء إذا ما مَسَّ كلبا أحاله إنسانا» يصنع الله ما يشاء كما يشاء متى شاء كائنا ما كانا»... وكذلك نتذكر ما قاله الشاعر أبو الحسين الجزار، الذي ترك قول الشعر وبحث له عن مهنة يعيش منها، فلم يجد غير الجزارة، فصار جزارا، فجاء إليه نخبة من أصدقائه الشعراء يواسونه، لأنه انحدر من عالم الشعر والشهرة إلى الخمول ونسيان الذكر، وانحدر من ارتياد دواوين الملوك والوزراء ليصير واحدا من عامة الناس ويمتهن مهنهم، فسمعوه يشكر في القصابة مهنته الجديدة ومنافعها، فأستغربوا حاله، فقال في ذلك شعرا ساخرا، لخص حال الأدباء والمثقفين من أمثاله، وأقنعهم بحاله » كيف لا أشكر القصابة ما عشت حياتي وأهجر الآدابا» وبها صارت الكلاب ترجيني وبالشعر كنت أرجو الكلابا..

هل من واجب الكتابة الروائية إضفاء الفكاهة على المأساة

*إن الأدب بفرعيه الشعر والنثر هما أداتان لرواية مأساة الإنسان، وأبراز معاناته، ولكن أيهما أقرب للقارىء، طرح المأساة كما هي بفجيعتها وسوداويتها ويأسها أم بأسباغ الأديب عليها من روحه المتهكمة الساخرة، ليضفي على معاناة أبطاله هالة من الحياة؟ فليس هناك مأساة خالية تماما من روح الفكاهة. ففي الرواية على سبيل المثال، فصل عن عمل دينار بطل الرواية في شركة لنقل الموتى في مدينة الدار البيضاء، وهي شركة كبيرة تقوم بنقل جثث الموتى عبر العالم، وهي متخصصة بهذا العمل، ولديها ورشة لعمل التوابيت لهؤلاء الموتى، حيث يصطدم دينار الذي كان مهندسا في العراق، برغبات ووصايا هؤلاء الميتين لأشكال توابيتهم، فبعضهم يريد أن يصمم له تابوته على شكل قوقعة حلزون، وآخر يريد من مصمم تابوته، انه يجعله يصدر صوتا عند فتح بوابة الخشب الرئيسية، يقول بما يشبه صوت الطائر كوكو كوكو وآخر يريد تابوته على شكل طائر النسر. في المهجر الآن أكثر من أربعة ملايين عراقي وأغلب هؤلاء يتمنون العودة إلى الوطن حتى ولو بعد الموت. ومعظم هؤلاء لا يملكون ثمن العودة بتوابيت شركة نقل الموتى الباهظة الثمن، لكنهم يبقون يتمنون العودة للدفن قرب قبور أهلهم، وأن لا تبقى جثثهم في مقابر الغرباء.

المنفى في الادب

حول تمظهر المنفى وأشكال معاناته في العمل الأدبي بعامة ، كيفي تناول الروائي لهذه العوالم المميزة ومن مثلها عالم المهاجرين واللاجئين العراقيين في شتى بقاع الدنيا ؟

*إنه بالفعل عالم سوداوي تماما والكتابة عن المنفيين العراقيين خارج وطنهم وما يعيشونه في مهاجرهم عملية صعبة جدا، وتتطلب من الكاتب صبر نبينا أيوب عليه السلام، لما تحمله من ذكريات مؤلمة وحقيقية عاشها الكاتب بذاته. وأنا أتمنى أن يطلع عليها أبناء شعبنا العراقي ليعرفوا حجم مآساة العراقيين في خارج وطنهم، والتي لا تقل مأساوية عن حياة العراقيين في داخل الوطن. وللأسف فإن روايتي سنوات كازابلانكا طبعت طبعة ألكترونية فقط، ولم تطبع ورقيا وذلك لعدم وجود ناشر يتحمل نفقات الطبع الورقي. فنحن كتاب الهم العراقي يتامى لا أب لنا ولا أم ونحفر الأرض بأظافرنا.

ولكن ماذا عن مغزى ودلالة أن يكون بطل الرواية يحمل إسم دينار العراقي؟

الدرهم هو جزء من الدينار في المفهوم النقودي العراقي ولكن الدرهم أيضاً هو العملة الرئيسية في المغرب فأية إشارة تريد الرواية أن توصلها إلينا؟. هل الأمر إن عراقيا له سيرة حياة في المغرب أم المقصود ربما إن العراقي قد تفتت كما البلاد تفتت حتى اضمحل وصار دراهما ونحن نعلم إن الدراهم المعدنية لم تعد موجودة وقد انقرض التعامل بها في العراق الآن؟

*إن التسمية لبطل الرواية لها علاقة بماضي الانسان العراقي الذي كان مرفها جدا في السبعينات والثمانينات، وكان الدينار يضاهي العملات الخليجية الحالية ويتفوق عليها، وكانت الكثير من الدول الأوربية تعطي الفيزا للعراقي خلال أربع وعشرين ساعة من طلبها، وآل المآل حاليا إلى أن بعض الدول الأفريقية تمتنع عن أعطاء الفيزا للعراقيين وحتى لا تسمح لهم بالمرور في أراضيها، والتي كنا في السبعينات حين يعرض علينا السفر إليها للسياحة نسرع الى المغاسل لنتقيأ ــ من مجرد احتمال السفر إليها لشدة فقرها وقذارة مدنها، وكثرة المتسولين فيها، وبؤس الحياة فيها. فتسمية البطل تحمل التناقض بين ما عشناه وما يعيشه العراقي حاليا في المهاجر، وما يعانيه من ذل وفقر وحاجة في دول لا تعطي فرصة لغريب أن يعيش على الكفاف حتى على أراضيها.

ثمة سؤال عن تلك الحدود التي يسمح بها السرد الروائي ما بين السيرة الذاتية للمؤلف وبين الصيرورة الحياتية للشخوص داخل الرواية خيالات كانت أم وقائع أم كليهما معا. لن تخفى على القارئ ملامح السيرة الذاتية للمؤلف ولكن يبدو لي انه من الصعب جداً اعتبار سنوات كازابلانكا رواية سيروية. ترى كيف يرى فيصل عبد الحسن الى هذا الأمر؟

*أعترف إن التجنيس الأدبي يؤرقني حقا. وقد وجدت من خلال دراستي للعديد من الاعمال الروائية العربية ان الرواية بدأت تتداخل مع السيرة الذاتية، وتصير جنسا لا هو بالرواية، ولا هو بالسيرة، وكما هو معروف فإن السيرة جنس أدبي مستقل والرواية كذلك، ولكن ما كتب في الثمانينات والتسعينات في الرواية العربية يحيلنا إلى هذه الأشكالية، كتابة الرواية السيرة، وقد كتبت سير السياسيين المشهورين على شكل روايات، بوقائع واقعية، وحوارات مسجلة ووثائق ثابتة، ولولا ما جاء فيها من طرائق العمل الروائي، وجودة السرد ودقة وفنية الحوارات، لما نالت تلك الكتب شهرتها وأهميتها الفكرية. فالحساسية الجديدة التي أثرت على أجيال مختلفة من أجيالنا الأدبية في العالم العربي، أتت بسبب الاتصال بالأدب الغربي والترجمة عنه، فظهرت واضحة جلية في الكثير من أعمال كتابنا الإبداعية الجديدة منذ بداية التسعينات من القرن الماضي وحتى الوقت الحاضر. فقد تداخلت الأجناس خدمة للإبداع، فكل ما يزين النص الأدبي، ويزيده وهجا وقربا من تجربة الكاتب، ويزيده عمقا، صار مشاعا للاستخدام، فهناك تبدلات كبرى قد حصلت في شكل الكتابة الروائية والقصصية، كما حدث في كل شؤون الحياة منذ نهاية القرن الثامن عشر حتى التاريخ الحالي، يقول عن بداية تلك التبدلات الناقد الفرنسي بيير بورجلان في مقال عن كتاب الكلمات والأشياء لميشيل فوكو لم يعد النظام كامنا في الحركة المتواصلة للتشابهات، بل في إقامة المتتاليات والجداول التي تتعاقب فيها التمثلات وتتجاوز. فاللغة تفصم فيه مقاربتها القديمة بالأشياء. ويدخل التشابه هنا عصرا هو بالنسبة له عصر الحمق والخيال. إن دون كيخوته هو الكتاب الذي يتم التعبير فيه عن هذا الانتقال من التشابه إلى الجنون، إن هذا العصر الذي صار تحليليا، من الآن فصاعدا، لا يريد أن يعرف غير شكلين من أشكال المقارنة هما مقارنة القياس ومقارنة النظام.

من التنظير الى النقد. هذا ما أتلمسه من كلامك أعلاه. لكن هل هذه هي رحلة الكاتب الروائي من النظر في إبداعه هو إلى النظر في إبداعات الآخرين؟ هلّا أوضحت لي خلاصة رؤيتك النقدية هذه؟

*عملت على الجانب النظري من النقد الأدبي، الذي يرى في صيرورة الرواية العربية الحديثة، وقد عملت على هذا الجانب عدة سنوات ونشرت العديد من الدراسات الأدبية في مجلات ثقافية عربية كمجلة البحرين الثقافية ومجلة نزوى العمانية، وما أنشره بشكل متفرق في الصحافة. لقد حاولت أن أجمل مزايا هذه الحساسية، ومفرداتها في دراسة العديد من النصوص الإبداعية في القصة القصيرة والرواية والحكاية، وأضعها بين يدي القارئ المتخصص والقارئ العادي، لمعرفة لماذا ازدوجت المقاييس في تقنيات الفن القصصي والروائي، وعدنا من جديد نقرأ روايات هي في الحقيقة قريبة جدا من تقنيات كتابة السيرة بل هي تلبس لبوسها في أحيان كثيرة مع المحافظة على قناع هنا وهناك لشخصياتها، بدافع حياء كاتبها العربي من إشارة النقد لهذه الحياة المسرودة في المتن القصصي أو الروائي وليس سرا فقد أستل هذا القناع من تقنيات وآليات العمل الروائي. وتناولت في كاتباتي عن نظرية الرواية الجديدة، أو الحساسية الجديدة في الرواية العربية دارسا الكثير من التجارب العالمية في الكتابة الأدبية، وإبرازها كمؤشر دال على التغييرات التي أصابت أدبنا الروائي والقصصي، خصوصا بما يتعلق ببحثي عن مزايا الكتابة الجديدة، وصعوبات كتابتها، والنماذج العربية في القصة القصيرة والرواية، التي نجحت في استيعاب هذه التحولات الكبرى في الأدب الغربي، والتي حاولت دراسة تقنياتها ومادتها دراسة معمقة، وليس بعيدا عن حياة كتابها وسيرهم الذاتية، وما عاشوه من تجارب حياتية مختلفة. فالكتابة الجديدة لا تختلف كثيرا عن حياة كتابها وما عاشوه من تجارب، بل أنها في بعض الأحيان هي حيواتهم، مسجلة سطرا بسطر وكلمة بكلمة، وكأنما تقرأ سجلا لأعترافاتهم بما عاشوه من تجارب سياسية، وأجتماعية في فترة أحباطهم، وفشلهم أو بعد نجاحهم. وفي بعض الأحيان تقترب صفحات تلك الكتابات الأدبية .صصية كانت أم روائية بشكل كبير من تفصيلات المدونات اليومية لأي مثقف أنتظم في تدوين ما يحصل في حياته يوميا، إلى درجة أنهم أضطروا لفتح الأدراج عن رسائلهم الغرامية، التي كتبوها لحبيباتهم في فترة من فترات حياتهم و نشر رسائل حميمة تلقوها من أصدقائهم و أهلهم، وكما سنرى ذلك في نماذج قصصية وروائية كثيرة.

التباسات الرواية

عَودا إلى سنوات كازابلانكا موضوع حديثنا ، فإني رأيت أن ثمة في الرواية اقتباسات واستشهادات ووثائق ويوميات وأسماء عَلَمٍ لشخصيات كثيرة منها مَن استلَّهُ المؤلف من بطون كتب التاريخ، ومنها مَن ارتسم على خارطة الثقافة العربية للعقود الأربعة الأخيرة فصنع الحدث وأسال الحبر واشتهر. وكل هذا يقرب رواية سنوات كازابلانكا من تيارات الحداثة وما بعدها في الرواية العالمية. وسؤالي هنا هو عن مدى تأثير خلفية الكاتب الثقافية ومؤثرات البيئة المغربية القريبة من الشاطئ الأوروبي على تكنيك الكتابة عند فيصل عبد الحسن؟

* الشعر الحديث قد تميز باستفادته من الفن التشكيلي ومن الموسيقى ومن الحكاية، والأساطير، والسينما والصورة الفوتغرافية، لتبث القصيدة في خيال شاعرها ما يكفي لتحريك الناس بما يقدمه الشاعر في قصيدته من آليات لتوصيل تجربته الشعرية لمتلقيه. فقد كتب كتاب أمريكا اللاتينية، في واقعيتهم السحرية، كأستورياس، ماريو فارغاس ليوسا، غابرييل غارسيا ماركيز وغيرهم، مما أعاد الكثير من ملامح الملحمة إلى الرواية. وفعلت الرواية الفرنسية فعلها كذلك، حين وضعت الرواية في موطن السيرة والسيرة في موطن الرواية. وقد راقب الروائي الناس من خلال ثقب في الجدار، ليروي لنا يوميات أبطاله المجهولين، كما فعل هنري باربوس في روايته الكبيرة الجحيم وما كتبه اوسكار وايلد وأندريه جيد، من أدب جديد وهما يشيران إلى الخلط الواضح بين السيرة والكتابة الروائية. وكذلك ما فعله كتاب السيرة من الأمريكيين، كأرنست همنغواي في رواياته لمن تقرع الأجراس و وليمة متنقلة التي يحكي فيها شطرا من حياته في مدينة باريس، ووداعا للسلاح التي يحكي عن حياته أثناء الحرب العالمية الاولى، حين كان شابا صغيرا وعمل أثناء تلك الحرب مراسلا حربيا وأصيب خلالها بالجراح. ومن كتابنا العرب الذين خلطوا السيرة بالعمل الروائي الكاتب الفلسطيني أميل حبيبي في روايته المهمة المتشائل التي هي رواية ولا رواية، وسيرة ولا سيرة، ولا هي حتى متتاليات قصصية، وهذا النوع من الكتابة الذي كتبه أيضا إدوار الخراط في رواياته مثل رامة والتنين ، و يا بنات أسكندرية ، حيث تداخل السرد باليوميات والحكي بالتاريخ، والرواية بالسيرة، ولا تجد خطا فاصلا بين الأجناس الأدبية المستعملة في العمل الأدبي، وكان رائدا في هذا الحقل. فالكتابة بهذه الطريقة لدي هي نتيجة لاقتناع تام بحقيقة إن الحياة التي يعيشها الكاتبةهي جزء لا يتجزأ من مخياله الروائي وحياة أهله وشعبه وتراثهم وتأريخهم وعقائدهم. وكتابة رواية تكون بمثابة أستعادة لملحمة الحياة بكل جوانبها الثقافية والحضارية والإنسانية.

العقدة الرئيسية للرواية، إن صح التعبير نقديا، هي ثنائية الاقتلاع من الوطن والهجرة السرية إلى المنفى الأوروبي عبر رحلة أسطورية من البوابة الشرقية للأمة حتى جناحها الغربي أين يختار البطل الديناري أن يحرق باتجاه الضفة الأخرى للبحر والمحيط. لو كان البطل درهما مغربيا لاكتفى بالحرقان حسب المصطلح المعهود الى أحضان القارة العجوز حيث فحولة العربي ربما تكون مطلوبة. لكنه دينار العراقي الذي لا وطن له فهل يستطيع ان يحرق من أوطان الآخرين؟ هذا هو سؤالي.

*دينار العراقي، بطل الرواية، بالرغم من منفاه القسري إلا أنه يعيش بقدم في المنفى وأخرى في الهواء، أنه ينتظر أية فرصة ليعود إلى العراق. ان العراق بلد لا ينسى ولا يمكن التخلي عنه لصالح المنفى، مهما كانت مزايا هذا المنفى، والعديد من العراقيين وهم من خيرة الكتاب والصحفيين العراقيين توقفوا في هجرتهم في بلدان عربية وفرت لهم بعض الأمان وشكلا متواضعا من الحياة، فلم يرغبوا بأكثر من ذلك، ولم يغامروا بركوب البحر إلى الجهة الأخرى من العالم، لسبب بسيط أنهم ينتظرون أن يعودوا يوما إلى العراق المعافى من الطائفية، والمليشيات، والقتل على الهوية، والخراب والجوع، وانعدام الخدمات، والرشوة، والمحسوبية، ومنافقة الأحزاب المهيمنة على الحكومة، لكي ينال المواطن فرصة الحياة في عراق البترول والخيرات. والعقدة في رواية سنوات كازابلانكا تراوح بين تحقيق أبسط شروط العيش في المنفى العربي بأنتظار فرصة العودة إلى الوطن المعافى وليس مهما خلال فترة الأنتظار أن يقفز المنفي إلى أوربا من دنيا العرب لأنه برغم هذه القفزة سينظر بنصف عينيه إلى العراق، وسيلبي أي إشارة تشير إلى تحسن أوضاع الحياة في العراق.

الكتاب الالكتروني

هذه الرواية بطريقة الكتاب الإلكتروني عوضا عن النشر التقليدي كمطبوع ورقي. لم التجأت إلى هذا؟ هل هي الموضة والمضي في درب الحداثة والتحديث ومواكبة العصر أم هي الهروب من أعباء النشر والناشرين وضيق ذات التوزيع؟ كيف صار الاختيار وكم كسبت من هذا الأمر أم تراك خسرت ما خسرت؟

بيدَ أن فيصل عبد الحسن لم يكن سعيدا أبدا وهو يجيب على هذا السؤال. وبالحق فقد فوجئت أنا شخصيا بجوابه إذ كنت أظنه متحمسا لفكرة النشر الإلكتروني كخيار متاح للكاتب وليس فقط كبديل في مرتبة دون النشر التقليدي الورقي. يقول في مكان ما من هذا الحوار إنه يأسف لأن روايته سنوات كازابلانكا طبعت طبعة إلكترونية فقط، ولم تطبع ورقيا وذلك لعدم وجود ناشر يتحمل نفقات الطبع الورقي.

يضيف فيصل

*النشر بطريقة النشر الالكتروني هي الحل لمن لا حلَّ له، فنحن كتاب العراق المنفيين للأسف يتامى على مائدة اللئام. فانظر إلى دائرة الشؤون الثقافية العراقية الحالية، فبالرغم من إن مديرها العام هو شاعر عراقي وأنا أعرفه منذ الثمانينات، إلا أن الحل والربط في النشر ليس بيده، فيما يخص طبع الكتب في الدار، وهي بالمناسبة المعنية بطبع نتاج الكتاب العراقيين. وأتساءل هنا كما يتساءل غيري من الكتاب العراقيين لمن تطبع اليوم هذه الدار؟ ومن هو المسؤول عن إجازة الكتاب فيها؟ وأي النوازع الطائفية والعرقية التي تحرك المسؤول لأجازة هذا الكتاب أو منعه من الظهور؟ وليس الموضوع عنصرية أو عصبية ولكنه عرض للحقائق لإحقاق الحق والعدل في شأن يخص الكتاب العراقيين و ثقافتهم وصناعة الكتاب في بلدهم، ووطنيتهم أيضا وتأريخ بلادهم