مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
يحيى البطاط :الشعر ينهل من التاريخ الشخصي للكاتب PDF طباعة
الكاتب: حاوره: صفاء ذياب   
الأربعاء, 12 كانون1/ديسمبر 2012 20:13

y7yaaa
قال إن الشعر تجربة خاصة جداً تنهل من التاريخ الشخصي للكاتب

يحيى البطاط: قصيدة النثر فاشلة اجتماعياً وجماهيرياً مقارنة بما سبقها من أشكال

حاوره: صفاء ذياب

يسعى الشاعر والرسام العراقي ‏يحيى البطاط الى تقديم كل ما هو ‏جمالي بطرائق مختلفة، فبعدما ‏أصدر ثلاث مجموعات شعرية ‏خلال السنوات الماضية، أقام قبل ‏مدة قصيرة معرضا شخصيا في ‏الشارقة بعنوان (تحولات ‏المدينة)، فضلا عن طرقه أبوابا ‏كثيرة تمنحه قيماً جمالية جديدة ‏في كل مرة.‏البطاط الذي يؤكد أن ابتعاده عن ‏مدينتي البصرة وبغداد كان خطأ ‏كبيراً، يقيم منذ العام 1995 في ‏الإمارات العربية المتحدة، وهو ‏أحد مؤسسي مجلة دبي الثقافية.‏عن مشواره الشعري والفني كان ‏لـ"الصباح" معه هذا الحوار:‏• "تموت الشظايا"، "دلال ‏الوردة" و"حديقة آدم"، ثلاث ‏مجموعات شعرية كتبها يحيى ‏البطاط في فترات مختلفة.

• كيف ‏تنظر لتطور الكتابة الشعرية بين ‏هذه المجموعات؟

‏- صدرت مجموعتي الشعرية ‏الأولى "تموت الشظايا" في العام ‏‏1988، وكنت كتبت نصوصها ‏في أجواء الحرب التي كانت ‏تستعر آنذاك وتلتهم حياتنا بلا ‏هوادة. وعندما قدمت المجموعة ‏للنشر إلى دار الشؤون الثقافية ‏بناء على نصيحة الصديق ‏الشاعر ماجد البلداوي، لم أكن ‏أتوقع أنها ستنشر لإدراكي أن ‏خطابها كان يضمر في ثناياه ‏رفضا للحرب وهجاء عميقا لها، ‏وهو هجاء يبدو واضحا في ‏العنوان، في وقت كان معظم ما ‏يصدر من قصائد ونصوص يطبل ‏ويزمر للحرب وبطولاتها الزائفة. ‏وعلى غير المتوقع صدرت ‏المجموعة رغم ما فيها من ‏مخاتلة، وفي وقتها اعتبرت ‏صدور (تموت الشظايا) بمثابة ‏انتصار شخصي، إذ استطعت أن ‏أمرر مجموعة شعرية تهتم بالفن ‏الشعري أكثر من اهتمامها ‏بالغرض، في ظل ظروف ثقافية ‏بالغة السوء.‏

وفي بداية التسعينيات بدأت تتغير ‏لدي قناعات وتتشكل أخرى عن ‏الكتابة الشعرية، كنت أريد أن ‏اختط لنفسي طريقا خاصا لكني لم ‏أفلح تماما، إذ شعرت أن ما تجمع ‏بين يدي من نصوص لم يكن ‏بمستوى ما كنت أطمح إليه، ‏خاصة وأن العراق في ذلك الوقت ‏كان في عزلة حقيقية عن العالم ‏استمرت أكثر من عقدين، لم نكن ‏نعرف ما يجري حولنا، وظلت ‏تجارب جيلي تستنسخ من بعضها ‏بعضا، سواء على مستوى اللغة ‏أو على مستوى البناء والتجربة، ‏وبقيت هذه المجموعة حبيسة ‏أوراقي التي كانت تتنقل معي بعد ‏مغادرتي العراق في العام ‏‏1995، إلى أن حدث أمر مشابه ‏لما حصل مع مجموعتي الأولى، ‏إذ حرضني صديقي القاص المبدع ‏لؤي حمزة عباس أن أصدر ‏المجموعة رغم عدم قناعتي بها، ‏وبالفعل دفعتها للنشر لتصدر ‏تحت عنوان (دلال الوردة) عن ‏دار أزمنة الأردنية في العام ‏‏2006، وكانت جلّ نصوص ‏المجموعة تنتمي لقصيدة النثر، ‏سوى نص واحد كتبته موزوناً. ‏صدور (دلال الوردة) رغم ‏ابتعادها نفسيا عن مزاجي ‏الشعري الذي ظل يواصل التشكل ‏باتجاه نص شخصي وخاص جدا، ‏لم يتبلور إلا في مجموعتي الثالثة ‏‏(حديقة آدم) التي صدرت العام ‏‏2010 وأعدها أنضج، وأقرب ‏إلى مزاجي المتشكل والمتقلب، إذ ‏إن مفهومي للشعر وطرق ‏مقاربته ظل، وما زال، يتبلور، ‏بسبب ولعي بالتجريب، وشعوري ‏أن كل نص أكتبه هو تجربة ‏جديدة ومغايرة. لذا أقول أظنني ‏في (حديقة آدم) أمسكت بشيء ‏مختلف وصعب، سأحاول تكراره ‏في مجموعتي المقبلة.‏

• أعلنت عن استيائك من ‏مؤتمرات الشعر وقصيدة النثر، ‏لماذا هذا الموقف؟ وهل تتوقع أن ‏الشعراء ليسوا بحاجة لمناقشة ما ‏وصل إليه الشعر؟ وفي الوقت ‏نفسه عنونت كتابك الأخير ‏بـ"نصوص"، فهل كان ذلك ‏موقفا رافضا للتجنيس؟

‏- دعنا نتفق أولا أن الشعر تجربة ‏شخصية جدا، ورغم أن صاحبها ‏قد يتأثر بالأجواء الثقافية ‏والتاريخية والسياسية ‏والاجتماعية المحيطة به، فإنها ‏تبقى تنهل بنهم من التاريخ ‏الشخصي للشاعر. إذا اتفقنا على ‏هذا المبدأ يمكننا أن نناقش بعد ‏ذلك الجدوى من مؤتمرات قصيدة ‏النثر، التي أراها لا تقدم ولا تؤخر ‏شيئا في المسار التاريخي لحركة ‏الشعر، لا على مستوى الحياة، ‏ولا على مستوى الفن الشعري، ‏سواء كنا منتجين أو مستهلكين ‏له.‏

أكاد أجزم أن 95 بالمئة من النتاج ‏الشعري العربي، أو ما ينشر منه ‏الآن يقع تحت مسمى قصيدة ‏النثر. لدينا الآن جيوش من ‏شعراء قصيدة النثر يكتبون ‏بحرية مطلقة بعد أن انتزعت هذه ‏القصيدة المبادرة واستحوذت ‏على المساحة الأكبر من صورة ‏المشهد الشعري العربي، على ‏حساب الأشكال الشعرية ‏الكلاسيكية. هذا الانفتاح غير ‏المحدود، كما يبدو، جعل قصيدة ‏النثر في متناول الجميع على ‏مستوى الانتاج، خاصة بعد ثورة ‏الاتصالات الحديثة التي كسرت ‏احتكار النشر الورقي. برأيي أن ‏مشكل قصيدة النثر ينحصر في ‏استهلاكها، إنها قصيدة فاشلة ‏اجتماعيا وجماهيريا بالمقارنة مع ‏ما سبقها من أشكال شعرية، ‏لكنها قدمت في بعض نماذجها ‏فتوحات رائعة على المستويين ‏الفني والتأملي. لا يتسع المجال ‏هنا لتفصيلها. لذا أقول إذا كانت ‏مؤتمرات قصيدة النثر تناقش هذه ‏المشكلة فلا بأس، أما أنها تعقد ‏في بيروت والقاهرة لتعلن عن ‏حضورها، وتحتفي بروادها، فهذا ‏أمر مضحك. وهنا يجدر بنا أن ‏نتساءل لماذا لا يعقد شعراء ‏العمود، أو شعراء التفعيلة ‏مؤتمرات خاصة بشعرهم أسوة ‏بزملائهم النثريين، خاصة أن ‏لديهم حججهم القوية في عقدها. ‏أرى أن عقد مثل هذه المؤتمرات ‏يشبه محاولة لحشد قطيع ضد ‏قطيع آخر، كأننا في ساحة حرب ‏بين الأشكال الشعرية المتجاورة. ‏وكأننا قبائل عليها أن تتبارى في ‏رفع راياتها. قد يكون مبررا عقد ‏مؤتمر لقصيدة النثر في ستينيات ‏أو سبعينيات القرن الماضي، أما ‏يحدث الآن فهو أمر مثير للشفقة. ‏وأكرر ما تقدمت به أن الشعر أيّاً ‏كان شكله وبناؤه هو تجربة ‏شخصية محضة، لن تتطور ‏بالمؤتمرات، بل بالتأمل الفردي، ‏وداخل مرجل المختبر الشعري ‏تحديدا.‏

واستطرادا مع الجزء الأخير من ‏سؤالك، قناعتي أن قضية قصيدة ‏النثر لا ينبغي لها أن تحسم من ‏خلال اجتراح فرضيات لتقعيدها ‏كما فعلت نازك الملائكة مع شعر ‏التفعيلة، وما محاولات عبد القادر ‏الجنابي الحثيثة لتقعيد قصيدة ‏النثر العربية إلا تكرار لخيبة ‏الأمل التي منيت بها نازك، لكني ‏مع فكرة اقتراح فضاء عام لها، ‏فضاء يمكن من خلاله استقراء ‏حياة وتقلبات النثري والشعري ‏معا، ابتداء من قصيدة الشذرة ‏وحتى تخوم النص المفتوح وما ‏وراءه، على الأقل من اجل ‏استبعاد الكتابات التي تصادفنا ‏تحت مسمى قصيدة النثر، وهي ‏في حقيقتها نصوص طللية ‏ساذجة، أو زفرات رومانسية، ‏تشبه وجدانيات الشعر المنثور، ‏أو النثر الشاعري الذي بزغ مع ‏مطلع الحقبة الرومانسية في ‏بدايات القرن العشرين. وربما ‏كان هذا أحد الأسباب التي دفعتني ‏إلى اجتراح مفردة (نصوص) ‏تحت عنوان مجموعتي (حديقة ‏آدم) لكي لا أقع في مطبات ‏اصطلاحية غير محسومة. لكني ‏في قرارة نفسي أقر بأنها تعبر ‏طريقتي الخاصة في النظر إلى ‏الشعر من زاوية النثر وفنونه، ‏وبالعكس. ‏

• أنت العراقي الوحيد الذي حصل ‏على جائزة الصحافة العربية في ‏الامارات، ما الذي أضافته لك هذه ‏الجائزة كصحفي؟ وكيف تبرر ‏إدعاء البعض بأنك "سرقت" ‏المقالة التي فزت بها في الجائزة؟

‏- أعتقد أن أي جائزة رصينة هي ‏تتويج لجهد يبذله صاحبها في ‏حقل من حقول المعرفة والأدب ‏والفن. وأرى أن أفضل ما يمكن ‏أن تقدمه الجائزة للفائز بها، أنها ‏تسلط الضوء عليه، لذا فهي من ‏هذا الباب يمكن أن تكون مفيدة ‏في إيصال صوته إلى مناطق ‏جديدة، لكنها بكل تأكيد لا تصنع ‏منه نجما أو بطلا ما لم يكن قد ‏حقق نجوميته وبطولته قبل نيله ‏الجائزة، نحن نعلم أن الكثيرين ‏ممن فازوا بجائزة نوبل قد طواهم ‏النسيان بعد سنتين أو ثلاث ‏سنين، القليل منهم فقط من ‏نتذكره، وسنبقى نتذكره لعشرات ‏السنين. أما جائزة الصحافة ‏العربية التي نلتها في العام ‏‏2010 في الحقل الصحفي ‏الثقافي، عن مقالة لي بعنوان ‏‏"المسودة صيغة أخرى للحياة" ‏فكانت تحصيل حاصل لجهد بذلته ‏خلال أكثر من 20 عاما في ‏الصحافة الثقافية، لذا فأنا أعدها ‏تتويجا لهذا الجهد في أحسن ‏الحالات. أما ادعاء البعض، بل ‏ادعاء أحدهم بأن المقالة مسروقة ‏منه، أرى أن بإمكان أي شخص ‏أن يدعي لنفسه ما يشاء، ‏وستكون مصداقيته على المحك ‏ما لم يقدم ما يثبت ادعاءه. وبكل ‏روح رياضية أقول، وأتمنى أن ‏يتفضل أي كان بتقديم أدلته ‏وبياناته التي تثبت ادعاءاته، ‏وسوف أقوم بنفسي بتسليمه ‏الجائزة ودرعها وقيمتها المادية ‏أمام الإعلام وبعلم المؤسسة التي ‏منحتني الجائزة، وعلم لجان ‏التحكيم التي رشحتني لها. ‏وبعكس ذلك سيتحمل المدعي ‏تبعات قانونية وأخلاقية ستسيء ‏إلى اسمه وسمعته، إذا كانت ‏تعنيه سمعته حقا.‏

إن أكثر ما آلمني هو قيام إحدى ‏الفضائيات المشهورة بترويج ‏ادعاءات ذلك البعض من دون أن ‏تقدم ما يثبتها، وبدون أن ‏تسألني، أنا صاحب الشأن بهذه ‏القضية، عن حقيقتها، ما يعد ‏وفق العرف القانوني قذفا وطعنا ‏بالشرف الأخلاقي والمهني، ‏ومخالفة صريحة لمواثيق المهنة ‏الصحفية، وقد رفعت قضية في ‏محاكم دبي منذ أكثر من سنتين ‏ضد تلك الفضائية، وما زالت ‏معركتي معها تجري فصولها ‏حتى لحظة كتابة هذه السطور، ‏وأتمنى أن تنتهي قريبا وأزف ‏للأصدقاء بشرى انتصاري. ‏

• أقمت معرضك الشخصي في ‏الشارقة قبل مدة قصيرة، رأينا في ‏أعمالك أجسادا‎ ‎تتراقص،‎ ‎وجوها‎ ‎شاحبة وعيونا‎ ‎شاخصة.. ماذا‎ ‎يعبّر‎ ‎الجسد‎ ‎في‎ ‎لوحاتك؟

‏- قد لا يظهر الجسد أو الوجه في كل ‏أعمالي، لقد اشتغلت عددا من الأعمال ‏التي اتخذت من الجسد البشري ثيمة ‏رئيسة، مثلما اشتغلت أعمالا أخرى ‏اتخذت فيها من الوجه تحديدا ‏موضوعا مركزيا، وكلاهما أي الجسد ‏والوجه يقعان تحت عنوان ‏‏(البورتريت) وهذا الاشتغال يعبر ‏بالضرورة عن موقف محدد من الجسد ‏البشري أو الوجه، أو لنقل من الوجود ‏الإنساني برمته بوصفه ظاهرة كونية ‏اجتمعت فيها عناصر متنوعة ‏وغامضة. أعتقد أن الجسد بكل ‏امتداداته أو مكوناته، ظل موضوعا ‏جاذبا للفعالية التشكيلية منذ رسوم ‏الكهوف وحتى الآن. ويعبر هذا الجذب ‏عن أهمية مركزية، ربما بسبب ‏غموض الوجه واكتنازه على مجمل ‏الحالات البشرية، من حزن وفرح ‏وامتعاض وصمت وخوف وأمل ‏وترقب... الخ، أو بسبب الرغبة في ‏التعبير عن الحدوس الدفينة في عقل ‏ونفس الرسام. نعم أرى أن الجسد ‏واحدا من مراكز الاستقطاب المهمة ‏في الوعي البشري، لأنه أحد مصادر ‏الوعي بالذات، لاحظ أن الطفل عندما ‏يبدأ بالرسم فإنه سيرسم وجوه الناس ‏القريبين منه، أمه وأبيه واخوته، ‏وبتلقائيته الساحرة يستطيع أن يسقط ‏عليهم مشاعره تجاههم. أنا شخصيا ‏تعلمت من الوجوه والأجساد التي ‏رسمتها ابنتي الكثير. أما على مستوى ‏التلقي، تخيل نفسك تنظر إلى لوحة ‏‏(بورتريت) لأي فنان، ستجد نفسك ‏تدخل في قراءات متنوعة وغريبة ‏لعشرات التفاصيل، وتفكر في الإحالات ‏البصرية التي تتمخض عنها. ‏

‏• والوجه‎ ‎الذي‎ ‎لا‎ ‎يختفي‎ ‎عن‎ ‎لوحاتك،‎ ‎رسمته‎ ‎بأشكال‎ ‎وخطوط‎ ‎متعددة؟

‏- كما ذكرت في إجابتي عن السؤال ‏السابق، للوجه البشري حالات ‏وتحولات لا تحصى، فهو بمثابة النافذة ‏التي تمر من خلالها الحالات الدفينة ‏في أعماق النفس والروح إلى العالم ‏الخارجي. والوجه الإنساني بطبيعته لا ‏يتوقف عن إرسال رسائله إلى المحيط، ‏سواء في حالات اليقظة أو النوم، ‏وهذه خاصية لا تتوفر في وجوه ‏الكائنات الأخرى، إن لغة الجسد، ولغة ‏الوجه جزء مهم منها، بتعبيراته ‏اللانهائية يعد لغة موازية أخرى تتفوق ‏في حالات كثيرة على لغة الكلام. ومن ‏الطبيعي أن تجدني أحاول في كل مرة ‏أن ابتكر رسوما لوجوه تعتمد على ‏أنماط تعبيرية جديدة ومختلفة، تمزج ‏بين الخط، واللون، والتقابلات ‏والتوازيات، وفي كسر الأنماط ‏التقليدية للتوزيعات الطبيعية لكتل ‏الوجه، كالعينين والأنف والفم ‏والخطوط العامة. أظن أن التكرار ‏يسيء للموضوع، بل قد يقتل الفكرة ‏التي يمكن أن تحملها لوحة البورتريه. ‏

• كيف‎ ‎تصف‎ ‎معرضك‎ ‎الأخير‎ ‎في‎ ‎الشارقة "تحولات‎ ‎المدينة‎"‎؟‎ ‎لماذا‎ ‎المدينة؟‎ ‎لماذا‎ ‎كل‎ ‎هذه‎ ‎الزرقة‎ ‎وازدحام‎ ‎البيوت؟

‏- شغلتني المدن طويلا، وجدت نفسي ‏مشدودا لرسم لوحات المدن بمتعة، قد ‏لا تقل عن متعتي برسم الوجوه ‏البشرية، ربما لشعوري أن لكل مدينة ‏وجهها الذي يميزها عن سواها، وجه ‏المدينة أيضا يعكس حالاتها وتحولاتها ‏عبر مسيرتها في الحياة. حدثني أحد ‏الأصدقاء قائلا: "إنك ترسم وجوه ‏المدن، مثلما ترسم وجوه البشر"، ‏وهذا ما تحقق في معرضي الأخير ‏‏(تحولات المدينة) الذي أقيم في النادي ‏الثقافي العربي بالشارقة، اعتقد أن ‏المدينة بكل تحولاتها وتقلباتها، وما ‏يطرأ عليها، وما ينعكس بالضرورة ‏على ساكنيها، الحاضنة الكبرى ‏والرئيسة للبشر، اقترنت بها الحضارة ‏منذ (بابل) بوصفها أول مدينة عالمية، ‏ويبدو لي أن للمدينة شيئاً من طبيعة ‏البشر، ومزاجهم وتقلباتهم، فهناك ‏مدن حزينة وأخرى فرحة مبتهجة، ‏وهناك مدن عجوز تفوح من زواياها ‏وشوارعها رائحة الزمن، ومدن ما ‏زالت في مرحلة الطفولة تبدو براقة ‏ومليئة بالأضواء، وتضج بإيقاعات ‏الحياة السريعة. ثمة مدن لها صفات ‏أخرى، منها المتأملة والراقصة، ‏والثرثارة والمتحركة والصامتة، ‏والشرسة والمسالمة والباذخة ‏والبخيلة والمحبة والعدوانية ‏والمتبجحة والمتواضعة... تماماً مثل ‏البشر.

وهناك أيضا مدن الوهم، مدن ‏نتوهمها نحن، مثلما فعل محمد خضير ‏في بصرياثا، ومثلما فعل أيتالو كالفينو ‏في مدن لا مرئية. ولكل مدينة، كما ‏أرى، ملمح من ملامح إنسانها، لها ‏مزاج وروح وشخصية لا تختلف عن ‏مزاج ونفسية وشخصية قاطنيها. ‏الشعراء يشبّهون المدن بالنساء، وهو ‏تشبيه لا يخلو من مبالغة، في الحقيقة ‏المدن تشبه الإنسان، سواء كان امرأة ‏أم رجلاً، طفلاً أم شيخاً، إذ إن مزاجها ‏وكينونتها ما هما إلا انعكاس لمزاج ‏وكينونة إنسانها.

قد لا تكون لمدني ‏تفاصيل وملامح تشبه ملامح المدن ‏الحقيقية، لكن ما يعنيني كفنان وشاعر ‏أن أمسك بملمح أو إشارة تقودني من ‏المدينة الأصل إلى تلك المدينة التي ‏تشكلت في مخيلتي لتتعانقا معاً على ‏قماشة اللوحة. كما يهمني في الوقت ‏نفسه أن أترك للمتلقي فرصة لقراءة ‏خاصة، وتأويل مختلف عن تلك ‏الأماكن والمدن والبيوت..‏

• ما‎ ‎أهم‎ ‎التحولات‎ ‎التي‎ ‎طرأت‎ ‎على‎ ‎لوحتك‎ ‎منذ‎ ‎بداياتك‎ ‎وحتى‎ ‎هذا‎ ‎المعرض؟

‏- على المستوى الذاتي تبدو الفروق ‏طفيفة، لكن ربما لا يبدو الأمر كذلك ‏بالنسبة للمتلقي، بطبيعتي أنا كائن ‏يزهق بسرعة. أكثر ما يربكني ‏التكرار، وأكثر ما يستفز مخيلتي ‏التجريب، وبينهما يمكنك أن تقرأ ‏ملامح التحولات أو التغيرات التي تطرأ ‏على لوحتي. المغامرة والحرية هما ‏الطموح أو الغاية التي أنشدها عندما ‏أرسم لوحة جديدة. ثم أخيرا لا بد من ‏إدراك الإطار الجمالي للعمل، أو ‏الشعور بالانخطاف به، ما لم يتحقق ‏هذا الانخطاف سأعتبر لوحتي فاشلة ‏بامتياز.‏

• بين‎ ‎الشعر‎ ‎والرسم‎.‎‏.‏‎ ‎أيهما‎ ‎أخذ‎ ‎يحيى‎ ‎البطاط‎ ‎من‎ ‎الآخر؟

‏- لا أظن أن أحدهما أخذني من الآخر، ‏في كل حقول الإبداع الإنساني، ثمة ‏خيوط مشتركة، أو لنقل طرق متقاطعة ‏لا بد أن يمر بها الجميع،.. الموسيقي ‏والتشكيلي والشاعر والراقص والمفكر ‏والناثر لا بد لهم أن يلتقوا في تلك ‏التقاطعات بطريقة أو بأخرى، هذا ليس ‏اختيارا، ولا ترفا، بل هو مصير ‏مشترك.

إن ما يبدو مختلفا في الظاهر ‏هو اختلاف سطحي في خامات ‏الخلق،.. من يعمل بالطين سيخلق شيئا ‏من الطين، ومن يعمل بالكلمات سيخلق ‏شيئا من الكلمات، وهكذا بالنسبة لمن ‏يعمل باللون أو بالنغمة أو بالفكرة، أو ‏بالحديد والبرونز. أعرف كثيراً من ‏المبدعين لم يكتفوا بخامة واحدة في ‏إبداعهم وتنقلوا بين أكثر من حقل ‏إبداعي. شخصيا كنت أرسم طوال ‏الوقت بشكل سري، إلى جانب ما كنت ‏أكتبه شعرا. ولم يشاهد أعمالي إلا ‏أفراد أسرتي، وعدد قليل من ‏الأصدقاء، إلى أن طفح الكيل.‏

• أكثر من‏‎15 ‎‏ عاماً‎ ‎وأنت‎ ‎تقيم‎ ‎في‎ ‎الامارات،‎ ‎ماذا‎ ‎أضاف‎ ‎لك‎ ‎الابتعاد‎ ‎عن‎ ‎البصرة؟‎ ‎وكيف‎ ‎أثر‎ ‎فيك‎ ‎الابتعاد‎ ‎لغة‎ ‎وأسلوباً‎ ‎في‎ ‎الفن‎ ‎والحياة؟

‏- رغم وجاهة السؤال وحيويته، لا ‏أنظر إلى الأمر بهذه الطريقة، ما زلت ‏في البصرة بطريقة أو بأخرى، أحلامي ‏طالما تأخذني إلى تلك الأزقة والحارات ‏البصراوية المدهشة. نحن كائنات ‏ترتبط بالمكان وتقيم معه علاقات ‏وثيقة، سواء مكان النشأة الأولى، أو ‏المكان الذي سيضمنا في مراحل ‏لاحقة. دائما تنشأ علاقات جديدة ‏سرعان ما تنمو وتتطور بين عمليات ‏أخذ ومنح متبادلة. كتبت مرة عن ‏علاقتي بالبصرة وبغداد، المدينتين ‏اللتين شهدتا خطواتي الأولى في ‏الحياة، كتبت أني اكتشفت‎ - ‎للأسف‎ – ‎ومن‎ ‎خلال‎ ‎جملة‎ ‎الاختراعات‎ ‎الذهنية‎ ‎التي‎ ‎تتفتق‎ ‎عن‎ ‎مخيلة‎ ‎مهووسة‎ ‎بالتجارب‎ ‎الأولى،‎ ‎أن‎ ‎علاقتي‎ ‎بالبصرة ‏وبغداد‎ ‎تفوق‎ ‎ما‎ ‎كنت‎ ‎أتوقعه،‎ ‎عرفت‎ ‎أيضا‎ ‎أن‎ ‎بغداد‎ ‎أكثر‎ ‎جنونا‎ ‎من‎ ‎مدينتي‎ ‎الأم‎ ‎البصرة،‎ ‎ومن‎ ‎أي‎ ‎مدينة‎ ‎عربية‎ ‎أخرى، وأدركت‎ ‎بعد‎ ‎فوات‎ ‎الأوان‎ ‎أن‎ ‎مغادرتي‎ ‎البصرة‎ ‎كانت‎ ‎حماقة، لكني‎ ‎استدرك‎ ‎لأقول‎ ‎بأسى:‏‎ ‎إنها‎ ‎حماقة‎ ‎لا‎ ‎بد‎ ‎منها. أما التأثيرات الناتجة عن هذا ‏الابتعاد القسري والاختياري معا، أرى ‏أنه لا بد من النظر إليها بوصفها ‏حصيلة طبيعية لتجربة الاغتراب، وهي ‏حصيلة لا يمكن سرد تفاصيلها ببضعة ‏أسطر، لكني أنظر إليها بوصفها تجربة ‏غنية بالحياة والتنوع والدهشة.