مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
مفيد الجزائري : التيار الديمقراطي وتشتت القوى الديمقراطية PDF طباعة
الكاتب: حاوره عبد الوهاب جبار   
السبت, 30 حزيران/يونيو 2012 07:55

mfeed
التيار الديمقراطي جاء بمثابة الرد على تشتت القوى الديمقراطية

حاوره /  عبد الوهاب جبار بعد عدة عقود من التغييب الذي مورس ضده من قبل القوى الدكتاتورية ، عاد الحزب الشيوعي العراقي لعقد اول مؤتمر وطني له في العاصمة بغداد ، فقد شهدت الاسابيع الماضية انعقاد المؤتمر الوطني لهذا الحزب في بغداد واربيل ، ومن خلاله تم انتخاب اعضاء جدد للجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي والمكتب السياسي للحزب ، ومع انطلاقة هذا المؤتمر الذي حمل في اروقته الكثير من الاحاديث ، طرحت في الشارع اسئلة كثيرة ، ودارت احاديث عدة بين من رحب وفرح لعقد المؤتمر في بغداد وما تمخض عنه ، وبين من وضع اسئلة وشكك بنجاح المؤتمر ، ولمعرفة كل مادار وحدث في هذا المؤتمر ، حملت البينة الجديدة اسئلتها ونقلت اسئلة الشارع ووضعتها على طاولة عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي الاستاذ مفيد الجزائري فكانت هذه الحصيلة

* ماذا يمثل انعقاد المؤتمر الوطني التاسع للحزب الشيوعي العراقي في بغداد بعد غياب دام عقودا عدة ؟

- كان انعقاد المؤتمر في الظروف المعقدة والمتأزمة التي تمر بها بلادنا، وتضعها في مواجهة احتمالات تطور شتى، بعضها خطير، كان هذا بحد ذاته انجازا مهما. لا سيما وان اعمال العقل الجماعي للحزب كان مطلوبا في مواجهة الاوضاع المأزومة والاحتمالات المشار اليها، ولتحديد المواقف إزاءها ورسم مجمل سياسة الحزب للفترة المقبلة.

وقد اظهرت وقائع المؤتمر، والوثائق التي اقرها، والنتائج الاخرى التي تمخض عنها، وبضمنها انتخاب القيادة الجديدة للحزب، انه لم يكن ضروريا فقط، بل ومستوفيا لمتطلبات النجاح.

وكان الفضل الاكبر في ذلك يعود الى حسن التحضير له (لا سيما الاختيار الموفق للمندوبين المنتخبين، والنقاش المشبع حول الوثائق الاساسية في الاجتماعات الحزبية وعبر المنابر الاعلامية) من جانب، والى الاجواء الديمقراطية التي انعقدت فيها جلساته، وجرت مداولاته، واجريت عملية انتخاب اللجنة المركزية.

ولا بد من الاشارة الى ان مؤتمر حزبنا التاسع هذا، لم يكن الاول الذي نعقده في بغداد بعد الغياب الاضطراري، الذي فرضه القمع الدموي الصدامي و «دام عقودا عدة». ففي سنة 2007 احتضنت عاصمتنا العزيزة المؤتمر الثامن للحزب، وكان ذلك ايام 10 – 13 ايار في فندق بابل. الا انه لم يجر افتتاحه علنا، كما جرى للمؤتمر التاسع.

فالافتتاح العلني للمؤتمر الاخير هذا، يوم 8 ايار الماضي في فندق شيراتون ببغداد، كان الاول من نوعه، وجرى بمشاركة واسعة من ممثلي الاوساط السياسية، الرسمية والحزبية المختلفة ، ومن المناضلين، والشخصيات الاجتماعية والثقافية، وممثلي منظمات المجتمع المدني، والاوساط الشعبية، فضلا عن الحضور الواسع للاعلام ومراسليه.

وقد اقدم حزبنا على ذلك رغم تواضع امكانياته، مسجلا سبقا في هذا المجال.

وبعد جلسة الافتتاح العلنية باشر المؤتمر جلسات العمل، التي عقدت في شقلاوة لاعتبارات تتعلق اساسا بالكلف المالية (وحزبنا ليس من الاحزاب الغنية كما هو معلوم) وبالحماية الامنية ايضا. واستمرت المداولات ثلاثة ايام، امتد اخيرها حتى صباح اليوم التالي، وتمت خلالها، في الاساس، مناقشة وإقرار التقرير السياسي للمؤتمر، وبرنامج الحزب الجديد، والنظام الداخلي المعدل.

* هل كانت اجواء المؤتمر بمستوى ما تطمح له قواعد الحزب من حيث التغيير والديمومة الفكرية ؟

- اتيحت للقاعدة الحزبية، في سياق التحضير للمؤتمر، فرصتان رئيسيتان للتعبير المباشر والملموس، عما تطمح اليه من تصويب وتعديل وتطوير وتغيير، سواء في نهج الحزب السياسي، او في برنامجه، او في دستوره - نظامه الداخلي، او في قيادته.

الفرصة الاولى وفرتها النقاشات سابقة الذكر حول وثائق المؤتمر، والتي اتيحت امكانية المشاركة الديمقراطية فيها لكل عضو في الحزب وكل مرشح (بل حتى للعديدين من الاصدقاء وغيرهم من خارج الحزب)، وامكانية طرح اي فكرة او مقترح يسهم في صياغةٍ افضل وادق واكثر واقعية وعلمية، لسياسة الحزب ولبرنامجه ونظامه الداخلي. وتجلت حصيلة تلك النقاشات في النصوص شبه المكتملة للوثائق المذكورة، التي طرحت في المؤتمر، والتي جاءت مختلفة عن نصوص المسودات الاصلية، المنشورة في منابر الحزب الاعلامية منذ البداية.

ومن يعود الى النصوص المقدمة الى المؤتمر ويقارنها بالنصوص الاولى، سيلاحظ التعديلات والتغييرات الكثيرة التي اسهمت القاعدة الحزبية نفسها في ادخالها عليها، والتي درستها قيادة الحزب وقامت بانضاج الوثائق في ضوئها، بما ييسّر مناقشتها واقرارها من قبل المؤتمر.

والفرصة الرئيسية الثانية اتاحتها كونفرنسات (مؤتمرات) اللجان المحلية للحزب في المحافظات، والتي جرى فيها انتخاب المندوبين الى المؤتمر. ففي هذه الكونفرنسات، التي ضمت ممثلي الخلايا والاساسيات والفرعيات المنتخبين بدورهم، توفرت للقاعدة الحزبية حرية اختيار وانتخاب من تريد من اعضائها، ليمثلها في المؤتمر ويعبر عن رأيها وارادتها، سواء في شأن الوثائق آنفة الذكر، او في اختيار اعضاء قيادته - لجنته المركزية، وتغيير من تريد منهم.

وبفضل الاستثمار الجيد عموما لهاتين الفرصتين، امكن للمؤتمر ان يجري اولا المناقشة الختامية للوثائق، ويستكمل مراجعتها وتدقيقها، ويصادق عليها بما تتضمن من تغييرات. وهي تغييرات فرضتها التبدلات والتطورات في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي من جانب، والتقييم الموضوعي لمسيرة الحزب ونشاطاته خلال السنوات الخمس المنصرمة، بما كشف من سلبيات فيها واتاح طرح البدائل الصحيحة لها. وكان بين التغييرات في النظام الداخلي مثلا، توسيع قوام اللجنة المركزية للحزب، واستحداث لجنة للرقابة المركزية تتولى مراقبة تطبيق النظام الداخلي نفسه وتنفيذ السياسات المعتمدة.

واستطاع المؤتمر بعد ذلك ان ينجز مهمته الاساسية الثانية، المتمثلة في انتخاب اللجنة المركزية الجديدة. وقام المندوبون وهم يفاضلون بين المرشحين ويصوتون بصورة سرية لمن يختارونهم منهم، بتكوين القيادة الجديدة، المختلفة في تركيبتها بوضوح عن القيادة السابقة.

فالعناصر الجديدة تكوّن حوالي نصف اعضاء القيادة الجديدة، وتشكل النساء والشباب نسبة كبيرة من هذه الدماء الجديدة، التي يحتاجها الحزب لادامة حيويته وتوسيع صلاته الجماهيرية وتطوير نشاطاته على الصعد كافة.

ولا بد من الاشارة هنا الى ان غاية التغييرات التي اقرها المؤتمر، هي تعزيز القيادة الجماعية في الحزب، وتأمين التواصل بين الاجيال، وجعل اللجنة المركزية افضل تعبيرا عن واقع عضوية الحزب، وزيادة نسبة النساء والشباب فيها، واستبعاد مظاهر الجمود العقائدي والبيروقراطية من حياة الحزب ونشاطه. وهذا من صلب نهج الديمقراطية والتجديد، الذي اعتمده الحزب منذ مؤتمره الخامس سنة 1993 اساسا لحياته الداخلية ولتطويرها، ولضمان انسجام خطابه عن الديمقراطية ودولة المؤسسات والتحديث، مع واقع حياته الداخلية.

* يرى البعض انه كان هناك اصرار من بعض القياديين في الحزب على ترشيح انفسهم لعضوية اللجنة المركزية من جديد، رغم انهم لم يكونوا مقنعين بادائهم ؟

- ما حدث في الحقيقة هو ان عددا من القياديين، وانا واحد منهم، اختاروا عدم الترشح مرة اخرى لاسباب مختلفة، مثل اعتلال الصحة، والتقدم في العمر، وادراك الحاجة الى التغيير في المواقع القيادية.

غير ان حراجة الظروف التي تمر بها البلاد ولا يلوح في الافق انفراج قريب لها، وحجم وطبيعة المهمات التي تنتظر الحزب في اطار التعامل مع هذه الاوضاع الصعبة، ولمواصلة بناء قدراته وتطوير إمكاناته التي يعول عليها الكثيرون حتى من خارج الحزب ويطالبونه بها، بيّنت حاجته (الحزب) الماسة الى كل كادر ذي تجربة وخبرة وكفاءة، وفرضت على الجميع بالتالي مواصلة الشوط وعدم الانسحاب.

لكن مواصلة الشوط لا تعني بالطبع ان من يعيد ترشيح نفسه سينتخب تلقائيا. فالقرار بيد المؤتمر في النهاية، والمندوبون هم من يصوتون على المرشحين، كل على حدة. وهنا تتوفر لاعضاء المؤتمر فرصة اعطاء اصواتهم الى من يرون انه كان مقنعا في ادائه، وحجبها عمن لم يجدوه مقنعا.

وهذا بالضبط ما حدث. حيث لم يُعِد المؤتمر انتخاب جميع المرشحين من اعضاء اللجنة المركزية السابقة، فيما اختار وجوها جديدة تماما، بينها نسوية وشابة عديدة كما سبق القول، لعضوية قيادة الحزب.

وهذه هي الديمقراطية : ان يكون القرار في كل ما يخص الحزب وسياسته وقيادته بيد المؤتمر، ورهن ارادة مندوبيه المنتخبين هم انفسهم بصورة ديمقراطية.

* بقاء الاستاذ حميد مجيد موسى على رأس الهرم، هل كان عليه اجماع داخل الحزب؟

- يمكن ان نقول ذلك من دون تردد . ليس فقط بالاستناد الى العدد الكبير جدا من الاصوات التي حصل عليها في المؤتمر عند انتخاب اللجنة المركزية، بل كذلك عند اعادة انتخابه من قبل اللجنة المركزية سكرتيرا لها.

في الحالين منحته انا ايضا صوتي. ليس لانه لا يعوض، فما من احد الا ويعوض. وانما لانه يجمع بين الخبرة والحنكة والحصافة والمبدأية من جهة، وبين المكانة المحترمة التي يتمتع بها في المشهد السياسي الوطني العراقي، من جهة ثانية. وحزبنا بامس الحاجة الى ذاك وهذا، لكنه يحتاج اليوم الى هذا الاخير بصورة خاصة، نظرا الى ما يمكن وينبغي ان يقوم به (الحزب) في المرحلة المعقدة الراهنة في البلاد، من جهود ايجابية بناءة وجامعة، تسهم في رسم طريق الخروج من الازمة العامة المتفاقمة، واصلاح العملية السياسية، ووضع البلاد على سكة التطور الديمقراطي السليم.

وهنا يمكن لشخصية الرفيق حميد موسى ان تلعب دورها، الذي لا يعوض بالنسبة الينا اليوم.

* هل هناك نية لدعوة الاحزاب الشيوعية الاخرى للدخول في جبهة يسارية ؟

- تعلمون اننا عملنا في مجرى السنوات الماضية وما زالنا، بتنسيق مع قوى وشخصيات وطنية وديمقراطية ويسارية مختلفة، على جمع شتات الوسط الديمقراطي الواسع عندنا في تيار واحد، ينشط ويتنامى ويملأ الفراغ الناشئ في البلاد عن غيابه، وينهض بدوره الضروري في المرحلة التاريخية القائمة من تطور مجتمعنا العراقي.

وبالفعل نجحت القوى والشخصيات المذكورة، والحزب الشيوعي من ضمنها، في السنة الماضية، في تأسيس « التيار الديمقراطي العراقي»، الذي باشر العمل في عموم البلاد وبين الجاليات العراقية في الخارج، وطور نشاطه خلال الفترة المنصرمة، وبدأ يحتل موقعا، وإن متواضعا بعد، في الساحة السياسية. وخلال ذلك التحقت به تنظيمات وشخصيات ديمقراطية اخرى، ما عزز مكانته وحفز نشاطه.

ولكن ما زال امامه الكثير من العمل، الذي يتوجب ان يقوم به بمشاركة اطرافه جميعا، لتوطيد مكانته السياسية، والارتقاء بنشاطه، وتعزيز نفوذه وتأثيره. ومن الضروري ان يجري هذا العمل بهمة استثنائية في الفترة الراهنة بشكل خاص، الفترة التي تسبق الانتخابات الجديدة، المحلية ثم البرلمانية، وبما يمكن التيار الديمقراطي من خوضها بفاعلية، وبسعي حثيث الى اجتذاب اصوات الناخبين المحبطين من تجاربهم السابقة المريرة مع الكتل المتنفذة، او الذين اختاروا عدم المشاركة في الانتخابات السابقة، وهم بمجموعهم كثيرون وكثيرون جدا.

وفي هذا الظرف بالذات سيكون لانضمام اي طرف جديد، اي حزب او حركة او تنظيم او شخصية، وطنية ديمقراطية او يسارية، الى التيار الديمقراطي، أثره الايجابي الاكيد في توطيد مكانة هذا التيار، وتوسيع نفوذه، وتطوير جهوده، وزيادة جاذبيته، ورفد مشاركته في المنافسة الانتخابية.

لقد جاء قيام التيار الديمقراطي بمثابة الرد على التشتت والتبعثر، اللذين طبعا حال القوى والشخصيات الديمقراطية في السنين السابقة، وحكما عليها بالضعف والعجز عن التأثير الملموس والفعال في تطور الاحداث في بلادنا، ما اتاح للتيارات الاخرى الدفع في الاتجاهات التي اوصلت البلاد الى ما هي فيه.

وان ما حققه التيار الديمقراطي حتى الآن، وما يمكن ان يحققه في الفترة القادمة، يفرض تركيز الجهود على تقويته، وتوسيع صفوفه، وتوطيد وحدته، وتجنب كل ما يمكن ان يضعفه، ويعود بالقوى والشخصيات الديمقراطية من جديد الى حال التمزق والتشتت، ويبدد الآمال التي بدأت جماهير واسعة تعلقها على عملها الموحد في إطار التيار الديمقراطي.

* هناك من يرى ان التيار الديمقراطي هو البديل المستقبلي للحزب الشيوعي العراقي .. ما صحة هذه المعلومة؟

- هذا رأي وليس معلومة. فانا لم اسمع ان احدا في التيار الديمقراطي يهيئ لجعله في المستقبل بديلا عن الحزب الشيوعي، كما لم يصل الى علمي ان احدا في حزبنا يفكر في «مشروع» كهذا. فالحزب الشيوعي كيان سياسي مستقل، تأسس ووجد ويوجد من اجل تحقيق اهداف سياسية واجتماعية وانسانية معروفة، منطلقا في ذلك من فكره الاشتراكي العلمي.

اما «التيار الديمقراطي» فهو إطار ائتلافي يضم قوى وشخصيات ديمقراطية مختلفة، احداها حزبنا الشيوعي. وهذه الاطراف موحدة في نضالها لاقامة دولة مدنية ديمقراطية اتحادية في العراق، لكنها متباينة في توجهاتها الفكرية ومعتقداتها، بل احيانا حتى في بعض مواقفها السياسية.

فكيف يمكن لهذا الاطار الائتلافي باطرافه المتباينة فكريا، والساعية الى تحقيق هدف عام مشترك ذي طبيعة ديمقراطية، ان يكون بديلا للحزب الشيوعي، الذي كان هدفه ويبقى، بعد تحقيق الهدف المذكور، اقامة العدالة الاجتماعية الحقيقية وبناء الاشتراكية؟

ان سؤالكم يعكس تصورا، يبدو ان البعض يحمله في ضوء رؤية خاصة به. وليس لاحد بالطبع ان يسلبه حقه في تصور ما يشاء. غير ان هذا التصور الذي نتحدث عنه، ابعد ما يكون عن الواقع.