مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
قدرية الوطن في نصوص مفيد البلداوي PDF طباعة
الكاتب: فاتن الجابري   
الأربعاء, 11 أيار/مايو 2011 17:37

mofeed
المانياــ فاتن الجابري

الشاعر المغترب مفيد البلداوي واحد من المبدعين العراقيين الذين انتشروا على امتداد مدن المنافي، حمل الوطن في غربة قصائده ليكون اقرب اسم

يتردد على شفاهه صباحا ومساءا حين ينادي صغيره الذي أسماه وطن تيمنا بأجمل الاسماء على وجه الارض، شارك في العديد من المهرجانات الثقافية واقيمت له امسيات وقراءات شعرية في مدن أغترابه، فكرة العودة الى الوطن تلبسه وتخلعه كل يوم .

* حمل حقائبه وغادر العراق الى دروب الغربة ولم يتوقع ان تمتد غربته كل هذه السنيين الطويلة هكذا كانت البداية يحدثنا عنها قائلا

ـ نعم ... وقتها توقعت أن أموت بعيدا وأدفن بعيدا ولا يرجع مني سوى خبر النعي .. لم أكن أتوقع أنني سأرى العراق مرة أخرى، لم أكن أتصور أن العراق سيخرج من كابوس حكم ظالم استمر لفترة هي الأطول في تأريخ البشاعة الحديثة، لذلك كان صعب عليّ التفكير بالرجوع ولم احتفظ بحقيبة وكنت دائما قليل الأمتعة ليقيني المستمر بأن الرحيل مراحل لم اقطع منها العشر وأن ما ينتظرني أكثر بكثير مما رأيت ..

وأذكر أن عراقيا مليئا بخدوش الغربة وقف يوما معي على رصيف بائس وقال : نحن هنا وسنعبر البحر وسنصل إلى أبعد نقطة ..ما يعني؟ لا شيء لا شيء فلا عراق في الأفق ... تركناه ضائعا وضعنا ، كأنه كان يقرأ على مسامعي شعر السياب كاملا وهو لا يدري، لذلك كنا نؤمن ونوثق أيماننا بقضية أن الموتى لا يرجعون إلينا بل نحن نلحقهم ونبعث معهم لأمر آخر، والآن اختلفت الدنيا بكل ما فيها وما زلت أردد مع نفسي ومع الآخرين أينما سنحت الفرصة بالكلام عن العودة بأنني سأعود للعراق مرفوعا على رموش بنات نعش أو محمولا بنعش والمحصلة النهائية تعني أنني سأعود باكيا أو مبكيا عليه ، موت كمال سبتي وسركون بولص كان خنجرا في صدر غربتي مذلا لها ومبشرا بالعودة مهما كبرت مساحة الابتعاد جغرافيا وزمنيا.

* وعن القصيدة والوطن يقول

ـ الوطن هو الذات والمرأة ذات ومن يدخل في تجربة الأبوة يجد أن الطفولة ذات تجمع بين الاثنين والقصيدة هي تفاعل كميفيزياوي داخل النفس البشرية لدى مجموعة من الناس لديها القدرة على تطويع الكلام وصبه بقوالب خبرية وإنشائية غير طبيعية تولد لدى متلق آخر نوع من المتعة والترف غير الثري هو ما نسميه نشوة القراءة ولذة التخيل وتوسيع رقعة الرؤى العقلية في استنباط عوالم غير مرئية لكنها واقعية تشبه إلى حد ما النشوة التي يولدها العالم الافتراضي عند مستخدمي الانترنيت حاليا مهما كانت مكوناتهم الثقافية متواضعة لان هذا العالم يولد النشوة واللذة الشبيهتين بما يتولد من القراءة عن متلقي الشعر لكن بصيغ أخرى حين يوفر كل شيء في عالم افتراضي وبنسبة 99 بالمائة لكنه واقعي بنسبة 100 بالمائة ، في طفولة وشباب الكتابة قد يكون الشاعر متطفلا على كل الخواطر التي ترد أمامه ليحولها إلى شعر لكن في مرحلة ما تتحول الكتابة الشعرية لنوع من الزلازل يضرب الشاعر فقط عندما يكون قد بلغ تركيبه الجايلوجي مرحلة لا بد من الزلزلة فيها فيكتب ، كل هذا ينطبق على من لديه قضية كبيرة يكتب عنها كأن تكون قضية وطن ، وفي الجهة الأخرى يقف آخرون يكتبون ترفهم شعرا والمصيبة أنهم ربما كانوا أثرياء وأمراء لكنهم يكتبون عن هموم غالبا ما تضيع الطريق وهي تتوجه إليهم ، ليس سهلا على الواحد منا أن يقرأ شعر لأمير ولد وفي كفه أمارة وهو يتحدث عن الجوع كحالة إنسانية أو الفقر كمرض وبائي أو أي من التوافه التي تناقض نفسها بنفسها ، لذلك فأنا أتصور أن الكتابة هي حالة مشابهة لكثير من الحالات المرضية التي تنتج عن وجودها أمور أخرى غير اعتيادية عند الناس فتطرأ عليهم طقوس وتصرفات وقتية ملازمة لتلك الحالة المرضية مع الفرق بين الحالتين كون الأخيرة مرضية فعلا والأولى صحية جدا.

حدثنا عن ما اضافته الغربة لمنجزه الشعري مسترسلا

ـ الغربة قصيدة عظيمة تكتبها الحياة ويبقى الشاعر المغترب جغرافيا يستمد منها منجزه الإبداعي دائما لذلك يقال أن الغربة داخل الوطن هي أشد أي غربة الروح غير الجغرافية لأنها ستكون ذات طابعين مختلفين أحدهما أشد من الآخر على الشاعر ، غير أن الأولى تكون معينا لا ينضب للإبداع والثانية قد تكون قاتلة له ، الغربة تعطي فرص كبيرة للشاعر بأن يحاور مدن خياله ومدن أخرى تفوق خياله واذكر هنا أن منجز البياتي في عشقه للمدن الغريبة ما كان ليكون لولا غربته التي كانت تحمل جمالية من نوع مختلف عن غربة شعراء العراق أو عراق ما بعد الحروب الخليجية الطاحنة فهؤلاء كانوا وما زالوا يعوّلون على المدن الغريبة في ضمهم لأحضانها في حين أن أغلبهم في حضنها ويبكي مدينته القديمة وكأنه طفل في حجر زوجة أب، الغربة أعطتني حرية الكتابة وحرية النشر قبل أن تمد لي بساطها الأحمر مرحبة بوجعي وحزني وحنيني لكل شيء هناك ، لم انشر في العراق شيئا يذكر لكنني لم اترك فرصة للنشر عندما غادرته عام 1998

.

*

واجاب عن فعالية النقد لنتاج الشعراء المغتربين

ـ لا أظن ، ولن يتمكن النقاد من الإحاطة بهذه القصيدة ، الأسباب كثيرة ؛ أولها غياب النقد الحقيقي واقتصاره على الاخوانيات وربما التكليف من قبل الشاعر لشاعر آخر للكتابة حول مجموعته أو قصيدته الفلانية ، أنا أقول تكليفه لشاعر آخر لأن النقاد الحقيقيون لم يعد لهم وجود ومعظم المشتغلين على النقد هم شعراء مستمرون أو شعراء مهاجرون من عالم الشعر لعالم النقد فلا نسبة توجد بين عدد الشعراء وما يقال عنهم نقاد على الساحة الشعرية أو على الأقل ما ينشر في عالم الانترنيت ويصنف على أنه نقد ، المسألة مرتبطة أيضا بسؤالك السابق حول الشاعر والمتلقي فالفجوة بينهما شبيه بالفجوة بين الشعر والنقد وبغض النظر عن أهمية النقد للشعر ، وهي أهمية كبيرة، فأن الحالة الشعرية عموما هي السبب في غياب المتلقي والناقد ، ربما قسوة الحياة لدى القارئ العربي جعلته بعيدا عن عالم القراءة أو حتى الاهتمام بالثقافة على العكس من الإنسان الغربي مثلا وأنت تعلمين أهمية الكتاب عند الألمان مثلا كنموذج للإنسان العصري فهم لا يتركون الكتاب رغم التطور الهائل في عالم التقنيات الرقمية ومازال سوق الكتب محتويا للكثير من بريقه بينهم وفي المقابل الكساد يتفاقم في سوق الكتب في عالمنا الشرقي ، محور القضية كلها سياسي بحت وأسبابها سلطوية جدا ، المذنبون فيها كثيرون والمعاقب الوحيد هو المعرفة وكأن المؤسسات السلطوية في العالم الشرقي أو العربي على وجه الخصوص ترفع شعارها الأبدي ( عاش الجهل ) وبالخبز وحده يحيا الإنسان.

وعن كتابة الشعر باللغة الالمانية اردف قائلا :

ـ جميل الاندماج في عالم آخر وربما الكتابة بلغة جديدة، ربما هي فرصة لا تتاح لكل الشعراء المغتربين ولكن بالنسبة لي غير محبذة ، ربما دراستي للغة العربية أكاديميا جعلتني أثق بها وباستيعابها لكل ما في عالمي ولا أظن أن لغة أخرى ستستطيع أن تأخذ نسبة قليلة من هواجسي كي أعبر بها عنها ، بالمناسبة أنا ممن يخونون الترجمة ويعتبرونها عملا إجراميا بحق النص فلكل لغة ما لا تمتلكه الأخرى ولا تستطيع أن تعبر عنه وكل نص يكتب بلغته لا ترقى ترجمته للأصل مهما بلغت من درجات الرقي ، هذا في الشعر ولكن ، لو توفر في المترجم شاعر لحصل شيء آخر ربما إضافة حس شعري لآخر كتب بلغة أخرى وسيبدو الشعر شعرا في الحالتين وهذه أيضا أعدها خيانة .. فحقيقة المترجم من لغته الأم في هذه الحالة منعدمة كون النص الجديد شعر لأفكار قيلت في لغة أخرى .مرة أخرى الفكرة غير واردة عندي على الأقل آنيا ... من يدري ؟ ربما في المستقبل !!

وعن الحنين الى مدينته يقول :

ـ المدن هي قصائد قائمة بحد ذاتها ، منها الجميل ومنها الموغل في الجمال ومنها ما فيه خلل يشبه الخلل اللغوي أو النغمي في قصيدة الكلام ولو أردت أن أعطي للسؤال رونقا آخر لحولته هل للمدن قصائد؟ وأجبت عليه بنعم ملء الفم وخير من جسد هذه الإجابة في العصر الحديث رواد شعر التفعيلة وخاصة السياب والبياتي ونتيجة لقصر عمر السياب كان تجسيد البياتي وحبه للمدن ومنحها قصائد كثيرة أطول بكثير وربما أوسع ، المدينة تشبه صدر المربية ولا أقول الأم ؛ مرة تكون حنون وأخرى أقل وتفاعل هذا الحنان مع تعطش الشاعر هو ما يمنحها أهميتها.

أما مدينتي فلا تختلف عما ذكرت سوى أنها كانت حنوناً أكثر فتركت في نفسي وروحي تيتماً من فقدانها ووهبتها حبا وشعرا كثيرين وعندما رأيتها بعد أكثر من 10 سنوات غياب شعرت بأنها أصبحت عجوزا تحتاج لحنان الآخرين كي تحاول أن تعطي مرة أخرى شأنها شأن مدن العراق المليء بالغبار الآن. كتبت لها ولأزقتها ونخيلها ونهرها وما زلت أتتبعها وأدور فيها بين فترة وأخرى عن طريق الساحر كوكل أرض في محاولة لمس ترابها وشميمه.

يقول عن فكرة العودة الى العراق

ـ أنا لا أفكر ، الفكرة تلبسني وتخلعني يوميا ، كما قلت شأني شأن كل العراقيين في الخارج وأعني عراقيي خارج مابين 1991 وحتى 2003 أما ما سبق ولحق فكثير منهم لا يقول حتى بفكرة العودة ، وما زلت مصرا على أني سأعود محمولا على أهداب بنات نعش أو في نعش مساميره سوداء.