مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
العراق والشرق الاوسط الجديد PDF طباعة
الكاتب: أحمد زين   
السبت, 07 أيار/مايو 2011 17:30

yaseenalnoser
يعود الناقد العراقي ياسين النصير (1940) إلى بغداد، بعد 15 سنة قضاها في منفاه الهولندي، عقد ونصف عاشه على الذاكرة في الكتابة والحديث، حتى نضبت قريحته، وبح صوته، فقرر العودة ليتغذى على تجربته القديمة والجديدة. قبل أن يهاجر كان منغمراً حد الاختناق بالمعايشة للثقافة العراقية، لذلك يقول: «هذه العودة تطيل من سنوات عمري، وتمنحني طاقة مضافة»، لكنه لا يعود فقط للانغماس في المشهد الثقافي العراقي، إنما أيضاً ليغلق مؤسسة أنشأها في العام 2004، لأنها لم تقدم أي نشاط كما كان مخططاً لها. الأمر لا ينتهي هنا، إذ يتفاجأ أن عليه كي يغلق مؤسسته، دفع ضرائب تقدر بثلاثة ملايين دينار، ولأنه لا يمتلك هذا المبلغ، توقف عن إغلاق المؤسسة، وبقي الأمر معلقاً.

عاد صاحب كتاب «الرواية والمكان»، ليستخرج هوية المهجر، كي يستعيد بها حقوقه كعراقي، ولكنه لم يستطع تحقيق ذلك «يمعنون في تعذيب الناس بطلباتهم المتجددة يومياً»، يقصد موظفي دائرة الهجرة والمهجرين، التي يراجعها يومياً منذ شباط (فبراير) 2009 «آخر ما قيل لي: أجلب لنا ثلاثة تواقيع من نواب المجلس النيابي الحالي، كي يزكوا هجرتك كمهاجر». لم يوافق ورفض طلبهم بشدة، انطلاقاً من إيمانه بأن 50 في المئة من النواب الحاليين يحتاجون إلى تزكيته هو، وسواه من المثقفين المهاجرين، كي يكونوا نواباً للشعب، يقول: «رفضت الطلب، وغادرت منذ شهور من دون أن أعود للبحث عن حقوقي، هذه إحدى مشكلات عدم عودة المهاجرين للعراق، بينما من ينتسبون لأحزابهم الطائفية لا يمرون بمثل هذه المعاناة الكافكوية».

يدرك ياسين النصير أن العراق يمر بمرحلة تحولات جذرية، يطلق عليها اسم «المرحلة العراقية» على خطى «المرحلة اليابانية» و «المرحلة الألمانية». وستغيّر التجربة العراقية، في رأيه، منطقة الشرق الأوسط برمتها، مثلما فعلت المرحلتان اليابانية والألمانية، اللتان غيّرتا جزءاً كبيراً من العالم، «وسيكون ذلك نقلة رضي البعض أم لم يرض للمستقبل». ويوضح هوية هذا التحول بقوله، إن العراقيين لن يتحولوا كما تحول الغرب، ولا مثل تحول اليابان «فلدينا ثوابت تصون تمردنا وحداثتنا، سنتحرك مستقبلاً ضمن مفهوم «الحداثة المقيدة»، لذا عدت للعراق لمعايشة هذا التحول والمساهمة - بحسب إمكاناتي - في تعميقه».

عرف مؤلف «جماليات المكان في شعر السياب» بتنوعه، فلم يركز كتاباته النقدية في منطقة واحدة، كما لم يقصر اهتماماته على مواضيع بعينها، في وقت يدعو فيه الكثير إلى ضرورة التخصص، عبّرت كتاباته عن حال من المرونة والانفتاح على مشاغل متعددة، شملت الرواية والقصة والفنون البصرية، وأفرد كتاباً كاملاً عن أقدم شوارع بغداد. سألته عن سر هذا التنوع في اهتماماته النقدية، وهل لا يمكن أن ينتهي إلى حال من التشتت؟ فيرد بأن كل ذلك يحكمه «منهج واحد هو المكانية في النصوص الأدبية والفنية». ويقسم تجربته إلى مرحلتين: مرحلة النقد النصي للمسرح والقصة والرواية. «وهو ما كنت عليه منذ بداياتي وحتى عام 1985. ومرحلة ما بعد اكتشافي لقيمة المكان الثقافية والفكرية في النصوص، وهو ما جعل منهجي النقدي يبحث عن فاعلية المكان في النصوص كلها». وفقاً إلى هذه الرؤية لا يمكن اعتبار جهد الناقد مشتتاً، بقدر ما يجد في تقصي دور المكان في النصوص المختلفة، طريقة لتعميق البعد المكاني في النقد. فهو الناقد الأول الذي ابتدأ بالإشارة النقدية منذ عام 1980 إلى المكان. «ولما اتسع الوعي النقدي كان لزاماً علي أن أجد تأثيرات المكان في كل الأنواع الأدبية، لذلك تجدني أكتب فيها ليس لغرض التشتت بقدر ما هو لتعميق فهمي للمكانية».

في منفاه الهولندي فتح بيته للمثقفين العراقيين والعرب، وانخرط في إقامة الندوات وتنظيم فعاليات تدور حول الشأن العراقي، انطلاقاً من ضرورة المحافظة على الثقافة والهوية، بخاصة حين يكون المرء مقتلعاً من أرضه، لكن هذا المسعى ووجه بالاتهامات والتشكيك، ما دفعه إلى أن يتعامل مع أصحاب هذه الشكوك، بصفتها «تصب في دائرة وتوجه السلطات التي دفعتنا للهجرة، ولذلك بقوا أقزاماً بينما خلقنا من أقل الإمكانات حقلاً لأنشطة مختلفة».

أسس ياسين النصير صحيفة عنوانها «ثقافة 11» ونظم 100 ندوة شهرية في بيته، ثم أنشأ «مؤسسة أكد» وقدم عشرات الفعاليات الثقافية والفكرية، تصب كلها في تنشيط الثقافة العراقية. وبعد سقوط النظام في 2003 توقفت الصحيفة. ويفاجأ كما فوجئ غيره «أن قصدية معينة وقفت ضد نشاط المثقفين العراقيين في الخارج، وعادت الحاجة ملحة ثانية للعودة إلى الأنشطة الثقافية». يؤكد النصير أن المثقفين العراقيين جميعهم، لم يجدوا فرصة ملائمة لهم بعد التغيير في العراق، «فقد همشوا وأصبحوا ثانية بلا برنامج عمل ثقافي عراقي، بل كل مشاريعهم فردية وشخصية».

فقدان المثقف العراقي لحريته سنوات طويلة، وهضم حقوقه وتبوؤ غير الكفء مناصب ثقافية مهمة، جعل من لغة الخطاب الحواري، في ما بين المثقفين العراقيين، «تأخذ طابع الشك والتهكم والسخرية». ويضيف النصير، في إضاءة للعلاقة بين المثقفين العراقيين والأسباب التي دفعت إلى مثل هذه العلاقة: «اليوم لا يختلف – في ميدان المناصب الثقافية - عن الأمس، كل المثقفين المهاجرين والتقدميين ومن هم جديرون بإدارة عجلة الثقافة لمسارها وتوجهها الوطني غير موجودين في الساحة العملية للثقافة، لقد جلبت الطائفية والقومية والشللية كارثة على الثقافة، بل وجعلت الثقافة وما تعنيه مجرد وظائف وليست برامج تنموية، من هنا يكون اللسان عذباً بالرد القاسي واللغة العالية والمتشككة تعبيراً عن الخلل في المواقف، ومع ذلك يجب أن يشذب اللسان الثقافي، وأن يكون أكثر مرونة، ولكن ما يحدث في مجتمعنا من تعمد بخلخلة الأمن يفرض نوعاً من اللغة العالية وغير المنصفة».

ويلفت صاحب كتاب «ما تخفيه القراءة» إلى نقطة مهمة يعتبرها جزءاً من سياق الشخصية العراقية ككل، وهي أن المشكلات كانت تحسم سابقاً، في غياب الحوار بين الجهات السياسية، بالبندقية والحروب الداخلية، «لذلك عندما بدأنا بجديد السياسة بعد 2003 لم نجد فرصة واسعة للغة الحوار ولما فرضت علينا نجد الحوار يعطل القوانين والقضايا التي تصب في مصلحة الشعب، أكثر من 34 قانوناً لمصلحة الشعب معطلة بالبرلمان بينما لم تعطل قوانين النفع الخاص لهم». ذلك التعطيل في القانون وغياب الحوار، وجد له انعكاساً عميقاً في «قلة الدراما المركبة والرواية الطويلة وكَثُرت مسرحيات الفصل الواحد ومسرحيات المونودراما والقصائد الشعرية...»، مشيراً إلى أن شعباً لا يتخذ الحوار مبدأ حياتياً وفكرياً، تقصر أداته في حل مشكلاته على القوة، وعلى القول الحاد والمواقف غير الناضجة. غير أنه يبدو متفائلاً بالمستقبل «الآن نخوض تجربة عميقة ليس على مستوى الثقافة، بل على مستوى بنية الوعي النقدي وهذه التجربة تجابه بعنف من دول الجوار، معتمدة على قصر رؤية بعض الجهات السياسية، التي كانت متحكمة بمصائر العراقيين من دون أن تعطي الشعب أدنى حق شرعي له، وهو التفكير خارج دائرة السلطة».

هل ترى اليوم ضرورة أن يعلن المثقف عن مواقف معينة، في ما يخص الشأن السياسي والمتغيرات في المجتمع خارج النص، على ما في هذه القضية من أمور شائكة، أم يكتفي بكتابة هذا النص ويجنب نفسه المخاطرة؟ أطرح عليه هذا السؤال، فيجيب أن المثقف العراقي لم يكن في أي يوم خارج الإطار السياسي، «ولذلك تجد السمة الغالبة للمثقفين العراقيين أنهم يساريون، دخل غالبيتهم السجون وعاش معظمهم الهجرة الداخلية والخارجية وهمشوا على مدى عقود من الزمن». وعدا اتحاد الأدباء الذي لا يزال يطالب بحق المثقفين، عرفت السلطات كلها الطريق إلى إسكات صوت المثقف، «إما بالترهيب والترغيب وإما بالسجن والتجويع والتهجير... أحد البرلمانيين قال: لماذا تهتمون بالثقافة والرياضة ولدينا المقابر الجماعية وحقوق الأسر الفقيرة، وكأنما مشكلة هؤلاء سببها الثقافة والرياضة. ولي هو الذي لا يجيد التكلم إلا بالفارسية. مثل هذا الكائن الخرافي هو من يتحكم بثلث موازنة العراق. فكيف سيكون الأمر لو تسيد مثله على مقدرات الثقافة؟».

يلوم صاحب كتاب «شارع الرشيد» المثقفين العرب الذي لم يتحسسوا معاناة الشعب العراقي، بل تحسسوا معاناة الحكام الطغاة، «لا نقول عنهم إلا أنهم يديرون ظهورهم العارية للشعب العراقي، بتأييدهم للقتلة والمفجرين وينعتونهم بالمقاومة». ويعتبر أن مثل هذه المواقف ستعمل على إدامة الاحتلال لبلاده. ثم ينتقل إلى موقف بعض المثقفين العراقيين «ممن يدعون الوطنية»، واصفاً إياه بالغريب، «عندما يغلبون موقفهم الرافض للاحتلال على موقفهم لرؤية أشمل لمعاناة وطن، وهؤلاء لا يختلفون عن أولئك، كلا الموقفين يصب في خانة بقاء المحتل، واليوم وأنا في بغداد أشهد بأم عيني عودة القوات الأميركية لشوارع بغداد بحجة عدم الاستقرار. أليس هذا الموقف من المثقفين العرب ومن المثقفين العراقيين العور واحد؟!».

أسأله: هل يمكن الحديث عن لحظة ثقافية جديدة، تقطع وتؤسس في الوقت عينه، تنبثق من كل ما يحصل الآن، وفيها الكثير من التجديد والمساءلة وإعادة النظر؟ فيرد بالمراهنة على هذه اللحظة الثقافية الجديدة، التي تدل عليها علامات واضحة، من وجهة نظره، من أهمها: «غياب الخطاب الشمولي السابق، والابتعاد عن الإيديولوجية القومية والطائفية والدينية هذا شيء ملموس على مستوى وعي العامة على رغم مظاهره المعلنة. ومن ملامح هذه اللحظة الثقافية أن تجديداً نامياً في الخطاب النقدي والفلسفي والفكري والاجتماعي، حتى لتحسب أن خطاب التقدم والتنوير الذي كان ينادي به الحزب الشيوعي العراقي، وعلى مدى عقود عدة، قد تبنته فئات اجتماعية وأحزاب وجهات ثقافية عدة، من دون أن يكونوا منتمين للحزب»، لافتاً إلى أن الخطاب الوطني اليوم يعم فئات عدة، «وبدا الكثير يقرأ المستقبل في ضوئه،هذه لحظة ثقافية عميقة وإن لم تبدو ظاهرة على مستوى الخطاب الثقافي».

يصر الناقد ياسين النصير، الذي بدأ مشروعه النقدي بكتاب مشترك مع الناقد فاضل ثامر أصدره في 1971 بعنوان «قصص عراقية»، على أن النقد في العراق له خصوصية، تميزه عما سواه من نقد في أي قطر عربي آخر. ويرى أن هذه الخصوصية تأتت له، انطلاقاً من نشأته في جوار النص وليس قبله أو بعده. ويقول إن النقد في العراق كتبه أدباء وشعراء، «كل نقادنا كانوا يكتبون نصوصاً أدبية، هذا أولاً، وثانياً ليس للنقد العراقي حاضنة جامعية أو رواد- عدا الدكتور علي جواد الطاهر- كل أساتذة النقد هم أكاديميون وهؤلاء توقفوا بعد أن نالوا الشهادات العليا، لذلك أخذ نقاد شباب على عاتقهم قراءة النصوص بحرية منهجية، إلى أن استقرت أدواتهم لاحقاً». ويذكر أن النقد العراقي نقد مقالي، وليس نقداً للظاهرة الثقافية. «لكنه الآن في طريقة إلى أن يكون تياراً بعد أن كثر النقاد فيه، وبعد أن فهمت العلاقات مع أصناف الثقافة وتنوعها، كمصدر من مصادر تنوع النقد».

سألته عن موقفه من عدم تمكن المثقفين العراقيين أحياناً، من حضور بعض المؤتمرات ذات الطابع الدولي، إذ يرفض بعض العواصم العربية منحهم تأشيرات للدخول، كما حدث أخيراً في القاهرة مع مؤتمر القصة العربية مع الناقد حاتم الصكر والروائي عبدالمجيد الربيعي. يقول إن هذه القضية تحتاج إلى وقفة جدية. ويقول محتجاً إن الدول العربية «تمرر المفجرين والمفخخين والقاعدة من دون أن تسألهم لأنهم ليسوا عراقيين، بينما يخضع العراقي إلى تعطيل ومساءلة، تصل أحياناً إلى الاستفسار عن اسم جد أمه».

خلال السنتين الماضيتين زار الناقد العراقي السعودية، وحضر فعاليات معرض الرياض للكتاب. اختلط بمثقفين سعوديين وشارك في حوار معهم حول الثقافة والفكر، لم تكن التجربة عادية، أو يمكن أن تمر بالنسبة له مرور الكرام. الوعي الثقافي الذي توقف عنده لدى الشباب السعودي يفاجئه، فتحولت الزيارة إلى كشف له واكتشاف ما عليه المشهد الثقافي في السعودية، من حيوية. وجد شباباً على إطلاع وإلمام بالكثير من تطورات الثقافة وميادينها في المنطقة وفي العالم. وعندما عاد كتب عن جيل جديد من المثقفين يولد في السعودية، وأن على المعنيين أن يفسحوا له المجال ليقول. لكن ياسين النصير يرى أن ظاهرة الثقافة السعودية، «لم تجد لها صدى في البلاد العربية، على العكس من المشاريع والجوائز التي تطرق أبواب العالم». داعياً المعنيين إلى أن يكونوا حاضرين ثقافياً في مهرجانات ومؤتمرات الثقافة العربية «وعليهم أن يقدموا أنفسهم بما يحملون لا بما يقرأون».

ويقول إن في السعودية ثمة خطوات جادة، «منها مهرجان الجنادرية السنوي، الذي يعتمد على ترسيخ الثقافة الشعبية، وعلى تطعيمه بحاجات ثقافية معاصرة، ومعرض الكتاب في الرياض ثم هناك المجلات المتخصصة، وللأسف أنها لا تنزل الى السوق العربية، ومن يتابع الثقافة السعودية يجد اليوم أن إنتاجها من الرواية والقصة يفوق بلداناً عربية أخرى، هذه الظاهرة بحاجة إلى دراسة وتقص لأسبابها، بخاصة الرواية النسوية».

في المقابل يرى أن الثقافة في بعض دول الخليج تشتري الثقافة ولا تنتجها، كأي سلعة من السوق، «في حين أن بلايينها التي تصرف على فعاليات اقل قيمة من الثقافة الوطنية وتنميتها، ستكون عائقاً أمام أي تطور محلي للثقافة، لأن الثقافة الوطنية ستكون مقموعة بالمهرجانات المستورة وبالتقنية الحديثة المصاحبة لها، بينما إنتاج المثقف المحلي عاجز عن إعطاء صورة عن نفسه. وإذا فسح له المجال أنتج ما هو ضعيف وغير قادر على صياغة هوية له»، مستثنياً الكويت من ذلك، التي توازن بين إنتاج المثقفين وإنتاج مؤسسات، «ولذلك لديها مثقفون مميزون ولديها مؤسسات ثقافية تهتم بالإنتاج الثقافي محلياً وعربياً. وها أنت تجد في مجلات تصدرها الكويت غذاء ثقافياً عالمياً، ولكن بأدوات وترجمة محلية وعربية».

عن الحياة