مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
عبد الامير الركابي يدعو الى مؤتمر تأسيسي عام PDF طباعة
الكاتب: أجرى الحوار: اردلان حسن   
الخميس, 26 نيسان/أبريل 2012 08:36

3bdalkreemalrkabe

عبد الامير الركابي يدعو الى مؤتمر تأسيسي عام من اجل بناء دولة المواطن

الجزء الأول)

عاد اسمه يتردد مؤخرا، فثمة همس بدأ يدور بين اوساط مطلعة، انه ربما سيكون في قلب الاحداث من جديد، وأن هنالك اتصالات دولية مهمة، تجرى معه، او في اجوائه، سيكون لها ضمن متغيرات يتوقع ان يكون لها اثر غير عادي على مجرى الاوضاع في العراق.

آخر مرة تردد اسمه على نطاق اعلامي واسع، في اذار عام 2009 عندما ذهب الى بغداد، على راس وفد وقابل رئيس الوزراء نوري المالكي ، وسمعناه عبر مؤتمر صحفي من فندق الشيراتون في بغداد، يعلن مبادرة تدعو لعودة المعارضة الى بغداد والعمل داخل العراق. منذ ذلك اليوم الى الآن تغيرت اشياء كثيرة ، المصالحة الوطنية التي نادى بها لم تتحقق، المعارضة التي قال انها في ازمة اختفت، ولم يعد لها اي حضور كما توقع في حينه، المقاومة التي قال منذ ذلك الوقت انها انتهت ، انتهت فعلا ، والاميركيون خرجوا من العراق، ولم يخرجوا، و"العملية السياسية" متعثرة ومأزومة الان، والأزمة تتفاقم، والاخبار تقول بانه تلقى في الاونة الاخيرة اتصالات هدفها احداث تغيير جدي في قواعد الوضع و"العملية السياسية" القائمة منذ الاحتلال.

التقيناه في بيروت، حيث هو الان كي نستجلي الحقيقة ، محاولين معرفة الافاق التي تحيط الان بالعراق ووضعه ومستقبله، على ايقاع رؤية شخص عرف باستكشافه للافاق الاستراتيجية، كما نحاول ان نستجلي بعض الاسرار او التحركات الجارية بهدوء وبسرية في الاونة الاخيرة، ما الذي يجري تحضيره للعراق والمنطقة واين وصلنا؟ وماهي الخطط والسياسات الدولية المتوقعة، في سياق التبدلات الكبرى في الواقع العربي، بعد او في غمرة ماعرف الربيع الحالي، واستكمالا له، او في اطار وجهود هندسته.

الحوار الحالي ، استباقي ، وقد لايكون من الحوارات التقليدية او المعتادة ، فنحن هنا نتوقع ونقدم " بروفيلا" لشخصية، نعتقد انها ستكون في الافق القادم، احد الاشخاص الذين سيلعبون دورا اساسيا، وان امتنع هو عن تاكيد مثل هذا الاحتمال، من هو عبدالامير الركابي؟ ماهي اراؤه ومواقفه؟ ما نوع تلك المواقف التي اقدم عليها في الماضي؟ وكيف يرى بناء على ماتقدم العراق المقبل.

هذا ومما يجدر التنويه به، ولفت الانتباه اليه، مايتبناه الركابي منذ تسع سنوات، اي بعد الاحتلال الاميركي مباشرة من موقف ، اذ هو يقول بان الحل، او المطلوب، بعد انهيار الدولة الحديثة، يتمثل في " المؤتمر التاسيسي الوطني العراقي العام " فهل هذا ماسيكون احد ركائز التوجه السياسي الرئيس القادم في العراق، وهل سيكون هذا هو المدخل الى اعادة مايسميه الركابي "الوحدة الوطنية" المفقودة ؟ وكيف يجرى مثل هذا المؤتمر، وفي اية ظروف يمكن ان يعقد ؟ .

ليس هذا الجانب فقط الذي اخذنا مع الاستاذ عبدالاميرالركابي، بل سعينا الى ان نجول معه في مواقفه ، كي نعطي صورة عنه، وعن مواقفه ومقارباته السياسية والفكرية حتى نضع القارئ تماما في اجواء وصورة المستقبل، او مايحتمل او يهيأ الان للعراق والاقليم . سألناه اولا :

تطوّرات وتوقّعات

*هل لنا ان نكون أول من يكشف عن الخفايا، بعضهم قال لنا بانك مطلع على تحضيرات استراتيجية خطيرة سوف تغير اوضاع العراق والمنطقة، ما مدى صحة ما سمعناه ؟

- لن اتحدث عن اية " معلومات " بهذا الخصوص، الا انني يمكن ان اقول بان المنطقة مقبلة بالفعل على متغيرات ذات طابع استراتيجي، الاميركيون تلقوا بالفعل ضربة من روسيا، وخططهم اختلت في الاونة الاخيرة، وهم يعانون من ازمة اقتصادية حقيقية طويلة الامد، والتحديات بوجههم تتعاظم، وهم في سنة انتخابية. وهذا كله استوجب وقفة اميركية، وتمت مراجعة الوضع الاميركي، ووضع اسس سياسة جديدة.

تلاحظون على سبيل المثال ان السيد مسعود البارزاني ذهب الى الولايات المتحدة، وانه عاد من هناك " صامتا ". الوضع الكردي يجب ان يضمن من هنا وصاعدا ويراقب من كثب، لان الهدف القادم هو ايران ، القرار حول ضرب ايران تم اتخاذه، بينما اجل تنفيذه الى ما بعد الانتخابات الرئاسية الاميركية، واللوبي الصهيوني، اخذ وعدا باطلاق يد اسرائيل، وتهيئة كل اسباب النجاح لهجومها على ايران، مقابل دعم حملة اوباما الانتخابية. اسرائيل تريد ضرب ايران، وهذا امر يصل حدا تعتبره اسرائيل قضية حياة او موت بالنسبة لها، و هو لايتعارض مع المصالح الاميركية الثابتة والمستجدة، ولاخلاف بين الطرفين سوى حول توقيت الهجوم " الايباك " انضج الطبخة.

والان دعونا نرى الامر من زاوية العراق بالذات، فاذا تم ضرب ايران واضعفت، فان الاوضاع في العراق سوف تختل تماما، والتوازنات القائمة الان، لا تعود قابلة للاستمرار كما هي، اعتقد ان تركيبة " العملية السياسية "، لن يعود من الممكن ان تستمر، لهذا ترى ان التفجيرات في العراق مستمرة، وستبقى على الايقاع نفسه، وفي هذا الاطار ظهر " عزة الدوري " ببزته العسكرية على شاشات التلفزيون لاول مرة، ظهور الدوري كان نتيجة صفقة بعثية خليجية اميركية، فهو سجل الخطاب في عاصمة خليجية، وفي مثل هذه الاجواء يتوقع لا بل من الاكيد، ان تجري تحركات واتصالات، مع اطراف غير تلك التي تم التعامل معها منذ الغزو الاميركي عام 2003، او هكذا هو الاتجاه حاليا، الخليج اليوم يتجه الى بناء شبكة صاروخية "دفاعية"، او ان الولايات المتحدة في حقيقة الامر، تبني شبكة صاروخية في الخليج، يقولون انها " دفاعية"، ودول النفط تسعى للسيطرة على الانتفاضات العربية عن طريق القوى الاسلامية، وهي تستعمل " الدولار " وقوته القاهرة.

لقد كتبت مؤخرا مقالا عن "قطر "وارسلته الى ثلاث من الصحف العربية، تباعا فرفضت كلها نشره، هو ومقال اخر عن مازق السياسة العربية السعودية. البترودولار اليوم في اقوى حالاته، الاتجاهات في المنطقة تسير على ايقاع ازمة حادة، والمتغيرات المتوقعة كبيرة وخطيرة.

* هذا تحليل مهم جدا إنه يلقي الضوء على كثير من الظواهر الأخيرة غير المفسرة لكننا لم نصل إلى معلومات بعد، هل ذلك ممكن ؟

- المعلومات يمكن ان تستقى من تضاعيف الحديث، مثلا إذا تم ضرب ايران واضعافها، فإن اوضاع الشيعة في العراق ستهتز، ومن الطبيعي ان تنشأ حالة من التذمر والسخط، على القوى والاحزاب الشيعية التي تمارس السلطة، وتشيع الفساد والنهب، والتي لم تفعل اي شيء على مستوى تحصين الوحدة الوطنية العراقية.

"العملية السياسية" وصلت الى طريق مسدود، وازمتها الحالية لا حل لها، هنالك حاجة الى نوع اخر من " الشيعة "، اذا اريد للبلاد ان تستمر، وان لا تقوم حرب اهلية هذه المرة، يجب تغيير القوى وطريقة الاداء، بما يتناسب والاختلال الكبير المتوقع في التوازنات القائمة. هذا مع العلم بان التشيع العراقي، يتجه الى التفجر فهو يعاني من ازمة قديمة، المرجعية تعاني ازمة قديمة مستفحلة، والقوى السياسية الحزبية والتيارات الشيعية، كلها تعاني العجز، واثبتت انها عاجزة عن الاجابة على اهم التحديات الوطنية.

السنوات التسع التي قضاها العراق في ظل " العملية السياسية الاميركية " فاقمت الازمة المذكورة، واذا حدث وهاجمت اسرائيل ايران واضعفتها، فان انفجارا داخل الصف الشيعي، سيكون متوقعا واقرب الى تحصيل الحاصل.

نتائج واردة

* ولكن لماذا نتصور أن إسرائيل ومعها الولايات المتحدة يمكنهما أن يحققا انتصارا على إيران، الا يمكن لمثل هذا الهجوم ان يفشل في ظروف الاستعدادات الإيرانية والتحالف مع روسيا والصين ، ما يؤدي إلى نتيجة عكسية ؟

- نعم هذا وارد، او على الاقل من الوارد ان تنتهي الجولة الى تعادل، والى وقوع اضرار في الجانب الاسرائيلي والعربي الحليف لاميركا، وتمتد المجابهة عالميا وتؤدي لنتائج كارثية. انا لا ارسم صورة احادية للمشهد، الا انني اتابع معكم النوايا الاقرب والمباشرة وربما المعدة ايضا، الا انني لا استبعد ان تؤدي هذه الخطط الى فشل اخر للسياسة الاميركية. العالم اصبح منقسما، والقطبية العالمية عادت مجددا، ولا شيء يمنع ان تكون عملية الهجوم على ايران، بمثابة تكريس اكبر لحضور وقوة الطرف المضاد للاميركيين، هذا وارد، والاميركيون يعرفون، بان جبهتهم تعاني من ثغرات ومن نواقص. لكن كيف يفكر الاميركيون فعلا، او في اي وضع هم الان، وهل اسرائيل والاميركيون، يمكن ان يقبلوا بالامر الواقع ويستسلموا امام روسيا والصين؟ في هذه الحالة سيحسبون النتيجة وسيفكرون، ما النتائج اذا سكتوا وقبلوا بالنفوذ الدولي الروسي الصيني، بمقابل النتائج المتوقعة اذا ان قاموا بهجوم استباقي ، الانتصار إذا احرز يسهم في منع القطب الروسي الصيني من التشكل والتحول الى معسكر مضاد. هنا نجد الجواب، هم مثلا قلقون من اوضاع الخليج، وخاصة وضع المملكة العربية السعودية، التي تزداد المؤشرات على احتمال تعرضها لهزة عميقة، على المستوى القيادي الحاكم، بعد وفاة الملك عبدالله بن عبد العزيز، فالمتوقع ان تتفجر الخلافات داخل العائلة المالكة، وتتفجر المملكة وهذا يعني فقدان حليف وركيزة اساسية بالنسبة للاميركيين، ربما لايمكن تعويضه ، وقد يكون العراق القادم هو احد البدائل.

اذن المنطقة على حافة متغيرات كبرى، وهي تتحول الان الى ساحة لاعادة رسم التوازنات والاسقطاب بين شرق وغرب، والاحتمالات والتوقعات لايمكن حصرها في اتجاه او نتيجة بعينها.

*لنفترض أن إيران صمدت ولم تهزم وأن مضيق هرمز أغلق ودول الخليج وإسرائيل تعرضت لرد موجع ماهو انعكاس ذلك على العراق والمنطقة؟ .

- بل قل على العالم برمته، هذا سيناريو رعب لا اريد ان اتخيله، لو وقع فان مؤتمرا لتوزيع المغانم والنفوذ العالمي بين الغرب والشرق سيحدث، وستعاني المنطقة مجددا من مغبة النفوذ الدولي المزدوج، لاادري كيف ستتفاعل مثل هذه النتائج، سواء داخل اوربا السائرة للانهيار ام داخل اسرائيل، هل سنصل الى " حافة الحرب" وهل يتم التهديد بالسلاح النووي ؟ هذا كله متوقع وعلينا ان نفكر به، انما وفي كل الحالات فان الوضع في العراق، لن يبقى على ماهو عليه، وما كان عليه منذ عام 2003 . الامرتبدل كليا.

تأمّلات شخصية وتاريخيّة

* نريد أن ننتقل لنوع اخر من الاسئلة حتى نقدم للقارئ صورة عن عبد الامير الركابي ، بقدر ما يسمح الوقت والمجال ، حضرتك تقول عن نفسك انك مدمن معارضة؟

- جميل هذا السؤال،لا اعرف لماذا، لكني منذ بداية حياتي كنت دائما معارضا للسلطات، وكل اشكال الانظمة. مفهموم الدولة والسلطة نفسها لا يناسب مزاجي، ولهذا أنا دائما خارج هذا القوس، واجد نفسي مع البسطاء ، وبالدرجة الأولى مع تطلعاتهم وطريقة تعبيرهم عن مشاكلهم.عندما يخلق الانسان، يتولد معه مزاجه، وأنا منذ بداية حياتي افكر على هذا المنوال.

هناك لحظات نادرة للغاية في حياتي، لم أكن فيها معارضا للدولة، لكن هذه ايضا كانت مليئة بالتوجس، والشعور المسبق بأن السلطة فاسدة، غير انني لا اتوجس من سلطة الدولة المباشرة فقط، السلطات المطلقة كلها أراها كذلك.

*لكن الدولة يراد لها ضوابط وقوانين لكي تحكم العلاقات بين البشر والمجموعات؟

- إذا رجعنا الى الحضارة العراقية الاولى، والتي هي اولى الحضارات في تاريخ البشرية، نرى أنها كانت قائمة على اساس مجتمع اللادولة وحتى اللاسلطة، وهذا المجتمع له وجود، وتكرر في التاريخ على سبيل المثال ايام العباسيين،ومثله القرامطة وهذه الطريقة من الحكم " دولة اللادولة" هي نمط حياة وعلاقات قائم ويعمل ضد شكل الدولة الاستبدادية.

لا توجد سلطة في العالم لا تمثل مصالح فئة معينة،اولا تقوم على الاضطهاد. السلطة وجدت لغرض الاستغلال من قبل بعض اصحاب الامتيازات، الذين يكررون مفهوما مفاده أن الدولة ضرورة ويجب أن تكون موجودة بصيغتها الاستبدادية، وأن تكون هناك ضوابط لسلوك البشر.هناك ايضا الديانات التي ظهرت في التاريخ،وبرأيي أن الدين تعبير عن مجتمع لا دولة، هناك ضوابط اخلاقية وانسانية، تحكم البشر داخل مجتمع " دولة اللادولة " بغض النظر عن الذي يؤمن بهذه الأديان، ام لا. طبيعي ان تكون هناك حاجة الى تنظيم، لكن و"أمرهم شورى بينهم" وهذا التعبير اسيء استخدامه وشوه ، واصبح يُفهم بأن الحاكم يشاور الناس وقت يعن له او متى شاء، وهذا غير صحيح، بل أن ذلك يعني سيادة الشورى مجتمعيا من اسفل الى اعلى، عندما يكون هنالك دولة وحاكم، ملك او رئيس، وسلطة تنفيذية، لا تعود هنالك شورى، الدولة القاهرة تحكم من اعلى.

في التاريخ العراقي القديم، لم يكن هناك شيء اسمه حاكم او ملك ،بل كان الحاكم يسمى شاور، وكان هناك مجلس عام يحكم البلاد، والحاكم سلطته من سلطة اكبر اعضاء هذا المجلس سناً،أي انه لا يتمتع بسلطات مطلقة الا في حالات الطوارئ، كالفيضان أو الوباء أو الحرب،وهذه تنتزع منه بزوال السبب او الداعي.

السلطة اليوم تمثل فئات قوية ومصالح مادية، تصور للناس أن الحياة الكريمة غير ممكنة الا بوجودها، وهي بالأصل تعمل من اجل مصالحها فقط.

الوطن والوطنية العراقية

*هذا مدخل جيد لسؤالنا التالي وهو الموضوع العراقي ،ونقصد بذلك الحكومة العراقية الحالية التي نجدها مغايرة لمفهومك في الحياة ،رئيس وزراء يريد الاستئثار بالسلطة حسب رأي المراقبين!

- الوضع العراقي شيء آخر، النقطة الاولى التي يجب ان تلاحظ بناء على مجريات التاريخ العراقي الحديث منذ عام 1921 هي فقدان الهوية، العراق كبلد ليس له هوية وطنية،ليس هناك عراقي يعرف ماهو العراق، لااتفاق على عراق واحد، بل أن كل عراقي لديه عراق خاص به. العراق لم ينضج الى الآن كبلد وكوطن، ولم تتطور فيه الحركة الوطنية، لدرجة بلورتها للهوية الوطنية.

النقطة الثانية هي ماحدث في العراق عام 2003، وتدمير الاميركان للدولة الحديثة، بمساعدة بعض العراقيين، رغم انهم قبل غزوهم للعراق، اعلنوا انهم يهدفون الى انهاء النظام الدكتاتوري في العراق، لكنهم في الحصيلة تجاوزوا المهمة المعلنة، وسحقوا الدولة. قبل شهرين من الحرب عقدنا في باريس مؤتمرا صحفيا، وأعلنا فيه، اننا نريد من المجتمع الدولي " تغييرا بدون حرب" لأن الحرب تعني تدمير البلد كاملا وافراغه من المقومات البسيطة الباقية فيه، بعد أن افرغه نظام صدام ، قبل ذلك من كل مقوماته الفكرية والسياسية، وأن الحرب ليست الخيار الوحيد ، وليست الخيار الدولي، بل هو خيار اميركي في لحظة صعود استثنائي للولايات المتحدة وتضخم سطوتهاعالميا.

الديمقراطية لا تتحقق بالتدمير والحروب،الاميركان سحقوا الدولة، وهذه الدولة لم تكن ملكا لصدام ونظامه، بل جهد العراقيين لمدة قرن تقريبا، لذلك وجدنا أنفسنا فجأة بعد الحرب، أمام طغيان مكونات هي مكونات ما قبل الدولة، وليتنا بالفعل وقتها كنا قادرين على اقامة نظام " لادولة ". لكن الذي قام هو نظام الطوائف والاعراق والقوميات، ومجموعات معارضة فاشلة ومنتهية تاريخيا، وليس لها اية فكرة عن العراق، للأسف مجموعة من الاشخاص داخل هذه المعارضة، قبلت أن يحتل الاجنبي بلدهم واصبحوا ادلاء له.

طبيعي ان يطلب الاميركان منهم أدارة البلد بما يتفق والمصالح الاميركية، واسسوا مجلس حكم، وقالوا انهم اقاموا ديمقراطية في العراق لمجرد أنهم اقاموا انتخابات، لكني اقول أن هذه ليست ديمقراطية، بل مسخرة، اية انتخابات ديمقراطية التي تجرى بمباركة من مرجع ديني، هذه انتخابات اوتوقراطية، ولا افهم ما دخل المرجع الشيعي في الانتخابات،او بكل مسارات وترتيبات الحكم، قبل ان يستدرك هذا المرجع ويقرر الانسحاب من مهمة التدخل السياسي، بعد أن اكتشف بأن القائمين على "العملية السياسيه" لاعلاقة لهم لابالحكم ولا بمصالح الناس .

في عراق اليوم، لا توجد مقومات وحدة وطنية، لكي نتكلم عن الديمقراطية، ومانراه هو ممارسة انتخابية تؤدي الى الدكتاتورية، والى الفساد والنهب والمحاصصة.

* كيف تُعرّف هذه القوى التي تحكم العراق؟

- كتبت عشرات المرات، أن هذه سيطرة لقوى ما قبل الدولة، فهي ليست طوائف حتى، بل اقل منها، وليست عشائر، بل اقل. وهذه القوى كانت لمدة 82 عاما، تحت سلطة دولة لم تكن اساسا دولة حداثة حقيقية، بمعنى أن الدولة العراقية الحديثة، حاولت أن تغير هذه المكونات بوسائل اكراهية وقمعية وتقليدية في العمق، لهذا فشلت في ذلك. العراق اليوم ليس فيه وحدة وطنية، ومايسود فيه ثلاث مناطق، وثلاث هويات جزئية هي بغداد الى الجنوب، والمنطقة الغربية، والمنطقة الشمالية.

الاكراد يعتمدون سياسة التهديد بالانفصال، والمنطقة الغربية تعتمد الأرهاب كوسيلة لكي لا تقوم دولة ليسوا سائدين فيها ، وفي الجنوب هناك دولة (اللطم والمشاية).

تصور دولة فيها 120 يوما عطلة دينية، اي ثلث العام ،وليس هذا فقط، بل أن الموظف يجلب معه سجادته الخاصة، لكي يصلي في موقع العمل، وكأن الدولة حسينية كبيرة. البلد يقوم بصرف اموال البترول على المواكب الدينية، وعلى الجيش والشرطة، ليس هناك اي اساس وطني وتنموي، ولا خطة تنمية، والبلد يسوده نظام اقرب الى نظام الغابة،لا يوجد قانون .لو سألت اي عراقي ما هو العراق، او ما هي هوية الدولة في العراق، لا يعرف الجواب، او يكون جوابه كما اسلفنا، عراق خاص به، لذا دعونا نتفق على اسس، يقوم عليها هذا البلد، وليس على اساس مصالح فئوية وشخصية ضيقة، دعونا ايضا من سياسة الأقصاء والصاق التهم بالآخرين.

لنبدأ بكتابة دستور للبلد قابل للتطبيق،لأن الدساتير ليست نصوصا، بل هي تعبير عن واقع البلد، نرى يوميا خرقا لما يسمونه دستورا ، بل أن الذين شاركوا في صياغته، هم من يخرقونه ..استطيع أن اعدد لك آلاف الشواهد بأن هذا الدستور لا وجود له.

* ماذا عن المجتمع العراقي،أليس له دور في بناء البلد؟

هذا المجتمع للأسف ممزق، وغير موحد، من أسس الديمقراطية الاولى، أن تكون هناك وحدة وطنية ثم تأتي الديمقراطية،هنا اسأل اين الوطنية، وأين مقومات الدولة، لكي تنهض الديمقراطية.. هل ممارسة الانتخابات فقط هي ديمقراطية...الم تجلب لنا هذه الانتخابات التي جرت بمباركة دينية، دكتاتورية وفسادا ونهبا ومحاصصات و... وووو..

حلول

* ماهي الحلول إذاً لخروج العراق من هذه الأزمة؟

الحل هو بدعوة كل مكونات الشعب العراقي الى "مؤتمر تأسيسي" نتفق فيه على تعريف للعراق وهويته ،ولا يهم كم من المدة يطول فترة اجتماع هذا المجلس، لنجلس معا ونتصارح ونناقش أزماتنا،هاهي تسع سنوات مرت بلمح البصر، فليبق المؤتمر التاسيسي منعقدا لسنة او سنتين، الى أن نصل الى نقاط للتفاهم والاتفاق على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والتنموية والاجتماعية، وهذه التوافقات تكتب وهي تصبح دستورا مكتوبا للعراق.

المشكلات التي تواجهنا في العراق، الدينية منها والطائفية والقومية خاصة، او ما يتعلق بالأكراد، نستطيع الاتفاق عليها، خلال هذا "المؤتمر التأسيسي". وخلال فترة انعقاد المؤتمر، نعلق عمل الحكومة الحالية ونشكل حكومة مؤقتة تدير شؤون البلد، وتكون حكومة تصريف أعمال.

بدون هكذا مؤتمر، سيسير البلد من سيئ الى اسوأ، نرى الآن امامنا عملية سياسية اميركية كما اسميها أنا، لأنها ولدت من رحم اميركي، وهي تدخل كل يوم في مأزق، لأنها بلا مستقبل ، ولأنها ليست قائمة على اية ركيزة ثابتة، والعراقيون بكل قومياتهم وطوائفهم، ليسوا راضين عنها.

 عن جريدة الناس