مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
كمال سبتي : لنبنِ مؤسساتنا التي تعمق الديمقراطية أولاً PDF طباعة
الكاتب: حوار : قاسم زهير   
الأحد, 15 نيسان/أبريل 2012 13:45

kmaal
بمناسبة الذكرى السنوية لوفاة الشاعر العراقي كمال سبتي سطور تعيد نشر هذه المقابلة

حينما تعد قمم الشعر العراقي فمن الظلم للشعر العراقي أن لا يُذكَر اسمه، تجد في قصائده الروح العراقية التي تنطلق نحو عالمية حقيقية مستحقة بعيداً عن التزييف الإعلامي وعملية صنع النجوم. شاعرتتشرف الشعرية العربية بوجوده.عمل في الكتابة المضادة لما هو سائد نصوصاً شعرية وتنظيراً، ودخل في سجالات عديدة مع النقاد العراقيين منذ سبعينيات القرن الماضي،وقدم ، ومازال، إسهامات عقلية جديدة في الكتابة عن الشعر.يشتغل في النص الطويل غير الموزون معتمداً التاريخ والتراث والثقافة الشخصية والحياة اليومية فكأنما يعطي نصاً مفتوحاً في شعره على إمكانات عديدة. وحين تتأخر ولادة النص الطويل غير الموزون ، يعكف على كتابة النص القصير الموزون الذي لا يشذ بعيداً عن الجو العام لشعره. تتلمس في قصائده كما في كتاباته كلها مواقف كارهة للحرب دفع ثمنها نفياً وبعداً عن بلاده.جنوبيّ الملامح ، تجد الناصرية الجنوبية مختلطة مع أنفاسه، وبغداديّ ،تجد بغداد التي عاش فيها عمره الأدبيّ ممتزجة مع روحه، انه كمال سبتي الذي يستحق بجدارة أن يكون كمال سبتي.

وولد كمال سبتي في مدينة الناصرية ودرس في بغداد وتخرج في معهد الفنون الجميلة قسم السينما-فرع الاخراج،درس في اكاديمية الفنون الجميلة وفُصل منها عام 1984، وسيق الى الخدمة العسكرية. هرب من العراق أواخر الثمانينيات،درس في كلية الفلسفة والاداب بجامعة مدريد المستقلة بإسبانيا،ويعيش حاليا في الجنوب الهولندي .صدرت له المجموعات الشعرية التالية:

وردة البحر بغداد 1980 ،ظل شيء ما ـ بغداد 1983 ،حكيم بلا مدن بغداد 1986 ،متحف لبقايا العائلة بغداد 1989 ،آخر المدن المقدسة بيروت 1993 ،آخرون.. قبل هذا الوقت دمشق 2002 وبريد عاجل للموتى هولندا 2004.

تـُرجِمَ شعر كمال سبتي إلى لغات مختلفة، كما أُختير في أنطولوجيا: الشعر العربي في اللغة الانكليزية: Modern Arabic Poetry , An Anthology التي صدرت عن : Colmbia University Press – NewYork, 1987 ،حرّرها عددٌ من المستعربين والمختصين بإشراف الناقدة سلمى .الخضراء الجيوسي.

وأُختير أيضاً في أنطولوجيا الشعر العربي في اللغة الأسبانية :والتي صدرت بعنوان (زمن الشعر العربي) : Tiempo De Poesía Árabe عن المجلة الأدبية المختصة : Arrecife , 1994 كذلك صدرت مؤخراً عن دار النشر الأسبانية المعروفة : Huegra & Fierro Editors الترجمة الكاملة للديوان الخامس للشاعر (آخر المدن المقدسة) بترجمة المستعربة الأسبانية البروفسورة ميلاغروس نوين أستاذة الأدب العربي الحديث في جامعة كومبلوتنسه – مدريد – 2003 .

بعد البيان البدائي واللاشعر والنص الجديد والثورة الجديدة اين يكمن كمال سبتي؟

أنا ابن الشعر العراقيّ. ابن بشار وأبي نؤاس و ابن الرومي والمتنبي والجواهري والسياب ومابين هذه الأسماء من أسماء أخرى عديدة في الآداب و في علوم الفقه والدين واللغة وفي الفكر عموماً. فإذا رأى ابن لهذا التاريخ أن يخرج على السائد ويكتب نصوصاً جديدة وفي الوقت نفسه يتشبث بقوة بأساسه التاريخي فهذا أمر لا عيب فيه كما أظن.لا تتوقف التجربة في نقطة مّا. لقد كتبت النصوص التي تعرفونها وأنا أظن أنني منتم في كل مرة أكثر إلى تاريخي. التجديد الستيني كان طريفاً عند جماعات السريالية والمسيحية والتركمانية وقصيدة النثر الستينية، لكنه لم يكن امتداداً للتاريخ الشخصيّ، لذلك انتهى.

لأجل هذا كان تجديدي في كتابتي الشعرية ينبع من الصبر على قراءة الجاحظ والفراهيديّ والجرجاني وغيرهم، وقد يمرّ مروراً عابراً على أسماء معاصرة.

هل أنا متصل بما قلته من أفكار؟

هل أنا امتداد لما كتبته من شعر ومن أفكار؟

بالطبع نعم.

لكنَّ التجربة لا تتوقف عند حدٍّ مّا.

لذلك تراني أنشر بين الحين والآخر قصائد موزونة لأنني أحبها ولأنني أرى مشروعي فيها أيضاً ، على الرغم من انكبابي على كتابة النص الطويل غير الموزون والذي تستغرق كتابته عندي وقتاً طويلا.

هل تحاول أن تؤسس مرجعية تراثية لقصيدة النثر او ما تسميه بالكتابة الجديدة، واذا كان هذا القصد من كل ما تقدم كيف يمكن بناء هذا الاساس الى جانب تأسيس هرمي سابق في الشعرية العربية بُنِيَ على اساس الذائقة السماعية والنقل الشفاهي؟

هنا تجد شغلي في الشعر وهنا تجد مبرره.

أريد لشغلي أن يكون صادقاً وأريد لشغلي أن يكون شخصياً وأريد لشغلي أن يكون ذا امتداد تاريخيّ، وهذا لا يتحقق بكتابة لا تعرف أن تميّز بين المفعول به والتمييز أو أنَّ صاحبها { ما عندو جلادة} على تصفح ديوان عمر بن أبي ربيعة أو كتاب لمتصوف راقٍ كابن سبعين أو لفيلسوف كابن سينا..إلخ.

نعم، إذن، أنا أؤسس لهذه المرجعية.

أنا أقول بأنَّ ذلك التراث هو تراثي الشخصيّ. ومنه أحاول أن أختلف مع بنائه الشفاهي أو السمعيّ واختلافي هنا لا يعني عدم الأخذ بهذا البناء والإستفادة منه حتماً.

وعندما دخلت الجامعة في إسبانيا وعندما التقيت شعراءَ كباراً فيها وفي العالم، وجدتني محقاً، إذ ليس فيهم من لا يجيد قراءة تراثه.

يا أخي رامبو نفسه كتب قصائد باللغة اللاتينية وهو ابن إحدى عشرة سنة.

أما عندنا فالسرياليون هم الذين إذا سمعوا بالمفعول المطلق ظنوه مادة تدخل في إطلاق الصواريخ! وهذه نكتة ولكنها تدل دلالة عميقة على الحال.

تأسيسي لهذه المرجعية، تأسيس شخصيٌ لنفسي وهو لذة الشغل الكتابي كله.

لا تتعارض الكتابة الجديدة مع البناء الهرمي الشفاهي، بل إذا عدت إلى مقالاتي عنها في ثمانينيات العراق ستجد انها تبشر باستخدام السمعيّ والشفاهيّ والفراغ والبياض وما إلى ذلك، في الشعر.

تقول ميلا غروس نوين أستاذة الأدب العربي في جامعة كومبلوتنسة بمدريد في مقالة لها عن آخر المدن المقدسة{ ان شعر كمال سبتي من وجهة النظر الشكلية لا يشبه الشعر العربي إلاّ قليلاً}. وهذا مخالف لما تحاول تأسيسه وفي مكان آخر صرختَ ليذهب الشعر الى الجحيم ورفعتَ راية الكتابة فكيف يتم التوفيق بين ما هو تأسيسي لشعرية عربية شكلاً ومضموناً والابتعاد عن ضفة الشعر لحقل الكتابة ؟

يا أخي كل شاعر حداثوي أوروبيّ مهم قرأته أو تعرفت إليه شخصياً يفهم في تراثه كثيراً. وأنا لست بدعة. ولدي تراث روحي هائل أنطلق منه إلى حداثتي لا لألغيه في حداثتي.

عندما أكتب قصيدة غير موزونة وأحاول فيها ما ليس في تراثي فهذا ليس طعناً له إنما إضافة. وعندما صرخت ليذهب الشعر إلى الجحيم، أهلاً بالكتابة، فقد كنت أعني بها بحثي عن الشعر الآخر غير السائد الممل.

لا أريد أن أكون لحظة مكررة.

حروف المصحح، تجربة نستطيع ان نعدها من التجارب الرائدة عراقياً في مجال الكتابة الجديدة او بما يسمى النص المفتوح، لماذا تحاط هذه التجربة بغشاء التعتيم ولا تظهر بشكل قوي وواضح حتى تحتفظ بحقها الريادي؟

لقد كُتِبتْ مقالات ودراسات عديدة حول { حروف المصحح} لكن الأمر يحتاج إلى مؤسسة تسويق. كل شاعر نجم هو مؤسسة تسويق بحد ذاته، وأنا غشيم في التسويق ، ولقد قلت مرة أنا غشيم منفى ولم أشأ أن أقول بأنني كنت غشيم وطن.

هل هناك عدم جدية في تناول النقد العربي للأدب، ليس لدينا نقاد بقدر ما لدينا شعراء، وما موجود من نقاد تراه غائب الوعي عمّا يدور في ساحة الادب عربياً، فكيف تفسر هذه الظاهرة؟

النقد العربي هو نقد إخواني وكل واحد من الشعراء النجوم لديه حفنة نقاد عرب يفسرون حركاته وكلماته وأحلامه في اليقظة والنوم.النقد غائب لأن العقل العربيّ غائب، معتقل عند الدولة. والشعراء النجوم فرحون بهذا الأمر. انهم ضد تحرير العقل جدياً، ضد تغيير النظام العربي، لأنّ في ذلك ضياعاً لخبزتهم.

اعتناق الأيدلوجيات من قبل الشعراء هل يفسد الشعر، و هل ما يفعله الشعراء النجوم هو من باب المهادنة والرضوخ لأيدولوجيات متآمر ة على الوعي والثقافة العربية؟

لا عدو للشعر أقسى وأخطر من الحزب، أيّ حزب. كان علينا في المنفى أن نقوم بجهد جبار من أجل تحرير الأدب من ربقة العبودية الحزبية. وفي ما يخصني فلقد كتبت مئات الصفحات حول هذا الأمر مقالاتٍ وردوداً حتى تغيَّرَ الأمربعدها فأصبح من العار على شاعر عراقيّ أن يلفظ اسم حزب أو أديولوجيا في حضرة الشعريّ البهي الخالص.

الإديولوجيا مسطرة للوعي والمشاعر يرفضها الشعر والعقل المتحرر، والحزبيّ في الأدب والكتابة هو عنصريّ ساديّ مريض هدّام ينبغي أن يقدَّم إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي كونه مجرماً في حق الإنسانية لا أن يفكر في نيل جوائز أدبية.

وأما عن الشق الثاني من السؤال فالشعراء العرب النجوم يفعلون أي شيء من أجل المال والشهرة. يتآمرون ويتحزبون..و..

هل السعي وراء الشهرة يدفع بالاخرين الى التخلي عن الهاجس الانساني الذي يتولد في الذات الشاعرة ليتحول الى هاجس تدميري..واذا كانت هذه النوازع تتولد لدى النجوم فكيف يمكن ان نسميهم بالشعراء بعد تخليهم عن المفهوم الانساني الذي تدعو اليه قصائدهم ؟

الشعر عند الشاعر العربي النجم {شغلانة} كما يقول المصريون وصديقي المرحوم الناقد عبد الجبار عباس أيضاً. هل يفكرون بالناس؟لا أدري ، ولكنهم لا يفكرون إلاّ بأنفسهم وبمحنة أنَّ مطربة لبنانية شابة كنانسي عجرم هي أشهر منهم ملايين المرات. انهم يريدون أن ينزلوا إلى الشارع فتتجمع الحشود حولهم هاتفة أو متوسلة توقيعاً منهم أو مصافحة أو قبلة.

لا أعتقد انَّ الشاعر العربي النجم هو شاعر حقّاً.أنا أفكر عادة بالشاعر الشهيد ، ببدر السياب الميت شاباً والحاضر كل لحظة في الشعر بقامة لا تعلوها قامة ، بخليل حاوي المنتحر، بأمل دنقل ، بالحصيري ، ولقد انتهى الأدب الأوربي منذ زمان من فكرة أن الشاعر هو الشاعر الشهيد لا النجم والنرجسيّ والممثل الكذاب ولقد كتبت كل هذا في مقالي { الشاعر شهيداً } ، انهم {الشعراء العرب النجوم} حتى غير مثقفين كفاية كما ينبغي لشعراء مشهورين.

هل هذا يعني ان التمرد الثقافي بما كتبوا له ونظروا له عبارة عن تمرد شكلي كتابي وهل يصح ان نسميه بالنفاق الثقافي؟

نعم هو غاية النفاق.

انهم الآن خائفون من تحسن الوضع في العراق مثلاً. لأننا سنعيد تراتبية الأهمية الشعرية في الشعر العربي. أنا متأكد من أن بالهم لا يهدأ كلما سمعوا بيوم هدوء في بغداد.

لقد عاشوا على مآسينا وأصبحوا نجوماً بسببها فنحن الذين في الخارج مُشَرَّدون من بلد إلى آخر ومن هو في الداخل كان مقيد اللسان والقدرة على الحركة. الآن تغير الوضع. نعم، الاحتلال ما زال قائماً، مازال الوضع الأمني غير مستقر، لكن الدكتاتورية انتهت إلى غير رجعة، سنبني بلدنا وديمقراطيتها، وستكون صحفنا هي الصحف ومجلاتنا هي المجلات وفضائياتنا وإعلامنا..إلخ

سيتغير الحال، وهم خائفون كثيراً..

إذا ما فكرنا بتغيير الانظمة القمعية سياسياً فلابد من تغيير قمم الوهم التي تربعت على كتف الشعرية العربية هل يدعو كمال سبتي لللأطاحة بالنجوم وهل هي البداية لسقوط اصنام كثيرة ولكن في دنيا الشعر؟

نعم أدعو مثقفي شعبي إلى تهديم الأصنام البائسة من الشعراء النجوم. واكتشاف العربيّ الشاعر غير النجم من قِبَل مثقف عراقيّ، أعظم أثراً في الشعر من تبجيل كائن مريض بحب الشهرة، لا يحب إلاّ نفسه.

هؤلاء لم يصبحوا نجوماً إلاّ بسبب مآسي العراق. ليفهم العراقيون هذا.

انطلاقتك نحو المجهول بعد ان تركت بعض الملابس والكتب في أحد فنادق بغداد واتجهت صوب حريتك باحثاً عنها متأملاً زوال القمع فكيف ترى برؤيتك النبية مستقبل بلادك وما تنزفه من دماء؟

العراق تحرر من الدكتاتورية وسيتحرر من الاحتلال ومن أطراف المقاومة المهلكة للناس الأبرياء، سنبني بلدنا كي نطرد الاحتلال، الاحتلال يُطرَد بالبناء لا بالآر بي جي، لنبنِ مؤسساتنا التي تعمق الديمقراطية أولاً.

وأمّا الفندق فقد كان فندق الصياد في ساحة الميدان. لم أستطع زيارته في المرة الأولى لأسباب تتعلق بالإشتباكات التي جرت في نيسان الماضي. لكن زيارتي القادمة ستكون لبغداد ومن أجل بغداد.