مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
هادي الحسيني يحاور نبيل ياسين حول مشروعه الثقافي PDF طباعة
الكاتب: حوار : هادي الحسيني   
الخميس, 24 تشرين2/نوفمبر 2011 00:27

hadeyasen
الكثير من الشعراء العراقيين الذين أتخذوا المنفى كبديل عن وطنهم بعد أن هاجروا قسراً في ظل ظروف وتقلبات سياسية كانت قد عصفت بالعراق آواخر العقد السبعيني ، فقد تمكنوا من أثبات حضورهم الأبداعي المتميز في الكثير من دول العالم وحصدوا الجوائز وترجمت أعمالهم الى العديد من اللغات . ولعل الشاعر العراقي المعروف نبيل ياسين الذي أستطاع على مدى سنوات المنفى التي قاربت ثلاثة عقود من الزمان أن يجعل من الشعر سلاحه الفعال في مجابهة آلام المنفى التي لا تنتهي ، والشعر بالنسبة له الخلاص الوحيد الذي ينقله الى بر الأمان ، حيث نقاء الروح وصفاءها والمصالحة مع هذا العالم من أجل نصرة الانسان في زمن أصبحت الحروب فيه تفرض نفسها وبقوة لكي تقتل وتدمر ، فالشعر وحده الكفيل بتذليل تلك المأساة التي على ما يبدو ليست لها نهاية ، لقد أكد الشاعر نبيل ياسين منذ بداياته الاولى في كتابته للشعر أن يجعل من الانسان في كل العصور هو الرمز في قصائده التي كانت تبعث افكاراً جديدة في طرحها ولعل ما تميز به هذا الشاعر بقصائده تلك النبرة الحزينة النابعة من قساوة الانظمة الدكتاتورية التي أباحت دماء الابرياء في جميع المناسبات ، الامر الذي أنتجت الكوارث التي لحقت بشعوب ومجتمعات لم يجسد آلامها غير الشعر وحده وعلى مراحل واكبت تلك المآسي وويلاتها . لقد أكد نبيل ياسين على تدوين تلك المراحل وبتفاصيها اليومية لتكون الشاهد الوحيد على ما أرتكب من جرائم بحق الانسان . أن وظيفة الشعر كبيرة وقد أستطاع الشعر تغيير أشياء كثيرة في أرض الواقع وكان المحرض القوي على أنطلاق أكبر الثورات في العالم ضد الطغاة لتحرير الانسان من الظلم والعبودية ،أن الشاعر والشعر هما عيش العالم دون تحضيرات مسبقة ، أنهما أنغماس في الاشياء وغرق فيها . بهذه المواصفات شق نبيل ياسين طريقه المحفوف بالمخاطرمنذ أن أصدر مجموعته الشعرية الأولى ( البكاء على مسلة الاحزان ) عام 1972 ثم أعقبها بمجموعة ( الشعراء يهجون الملوك ) والتي أرعبت في حينها الرقيب وذهب الى منعها ، بينما كان شاعرها شاباً يافعاً . وفي سنوات المنفى الطويلة لنبيل ياسين ومرارات الأنتقال من منفى الى آخر جعلته ينتج نصاً جديداً ومغايراً بكل المقاييس والمواصفات الحداثوية في زمن يقع فيه العديد من الشعراء بمطب التكرار ، أنه شاعر ولا شك في أنه شاعر كبير أبى أن يساوم على حساب الشعر والافكار التي آمن وأخلص لها . ولد الشاعر نبيل ياسين في العاصمة العراقية بغداد عام 1950 وأكمل دراسته الجامعية بكلية الآدب عام 1972 وحصل على شهادة الدكتوراة من أكاديمية العلوم الهنغارية عام 1986 وقد عمل في الصحافة والأذاعة وقدم العديد من البرامج الناجحة في بعض الفضائيات . وشارك في العديد من المهرجانات الشعرية العربية والعالمية وكان آخرها قبل أيام قليلة مشاركته في المهرجان الدولي للشعر في مدينة ( باري) الايطالية مع عدد من الشعراء من دول مختلفة ، وعن الشعر وتطوراته والوطن والمنفى ومشاركته في هذا المهرجان كان معه هذا الحوار ...

بألقاء نظرة شاملة على المشهد الثقافي العراقي وبعد سنوات طويلة من تهميش دور المثقف الذي عانى الكثير من الغاء دوره ، هل ترون أن الواقع الثقافي العراقي أصبح يأخذ دوره الطبيعي ؟ أم أنه مازال مهمشاً أكثر من ذي قبل بسبب النزاعات الطائفية والعرقية التي حجمته تماماً ؟

- لا يأخذ الواقع الثقافي دوره الطبيعي اذا قبل المثقف نفسه التهميش وتغييب دوره. كانت السياسة والايديولوجيا قد همشتا المثقف فتحول من مبدع فرد الى عضو في جوقة وتنظيم يملي عليه ان يتحدث بصوت التنظيم الايديولوجي.وصلنا اليوم بعد ذلك التهميش الى ان يعاني العراق من ثقافة تتصارع في الصفوف الخلفية للمجتمع حيث يتقدم السياسي وتتقدم الكتابات الدعائية والدوغمائية والاعتباطية لتملأ واجهة ماتسميه المشهد الثقافي ، بحيث اصبحت الكتابة مهنة من لامهنة له بسبب شيوعها واستخفافها بالمهم والجاد والجوهري. كل من لديه تعليق على برنامج في فضائية يمسك الانترنيت ويكتب مقالة ويعلق على المقالة مؤيدون ومعارضون بشتائم وتهم وتشهيرات وسباب تفصح عن الوعي المتخلف الذي اصبح يسود الكتابة وتصبح هذه الحالة جزء من الثقافة وتتكرس ثقافة هجائية شعبية.

الكتابة هي عمل النخبة. هذا تقسيم عمل وليس طبقية. ان الكتابة تتطلب ثقافة اخرى هي ثقافة فن الكتابة . .ويتجلى هذه الايام شكل من الكتابة ضد القوى الدينية وضد الدين . وكثيرون يعتبرون هذا الشكل من الكتابة الهجائية ضد الدين والقوى الدينية شكلا راقيا من اشكال الوعي المدني وهو في الواقع ليس الا رد فعل هجائي مصدره ايديولوجياً ، رفض الاخر دون ان يعني ذلك ان القوى الدينية على صواب وانها بديل عن الاخر.ان النزاعات العرقية والطائفية لم تهمش دور المثقف وانما حولت اتجاهه وزادته حدة عرقية وطائفية اذ انغمس في الفعل ورد الفعل وتحول الى قومي شوفيني او طائفي ، وبالطبع تتطلب ثقافة من هذا النوع خطابا متشنجا عالي النبرة وهجائيا ومكرر المفردات مثل الخائن والعميل والتابع وهي مفردات تسبق رد الفعل الذي تتحول مفرداته الى سباب وشتائم .هذا هو المشهد الثقافي اليوم ويضيع فيه المثقفون القلائل العقلانيون والقادرون على رؤية الامور بشكل واقعي وهم قلة ومستقلون وحيدون وصعاليك مثل المخلوعين عشائريا لان لا احزاب لهم ولايريدون العودة الى القبيلة. واكثر من ذلك هناك جرذان انترنيت يسعون الى تسفيه كل ماهو قيم وجاد بتعليقات تحمل اسماء مستعارة لكي لايبقى شئ نافع على وجه الارض في العراق والعالم العربي . واحياناً يعمد محررو المواقع الانترنيتية انفسهم ، لكي يبقوا هم وحدهم دون تعرض، الى كتابة تسفيهات من هذا النوع . ان المشهد الثقافي العربي ، ومنه العراقي ، مشهد عدواني ،غير اخلاقي بشكل عام وغير مهني . يسعى كثير من المثقفين فيه الى اعادة تقسيم التصنيف . اليوم خفت تقسيمات بعثي وشيوعي ، واصبحت تقتصر على عميل وخائن مقابل وطني مقاوم . وكلا التقسيمين غير صحيح ولا ينطبق عليه الواقع . نحن بحاجة الى تحرير العقل اولا ثم تحرير الثقافة من الايديولوجيا وبذلك نحصل على مثقف حر ..

قبل خروجكم من العراق أواخر عقد السبعينيات من القرن الماضي ، كان الشعر العراقي في قمة تألقه ، وكان المتربع الوحيد على عرش الشعر العربي ، لِما فيه من أسماء كانت كبيرة ومهمة نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الجواهري ، كيف أستطاع نص نبيل ياسين البروز في تلك الفترة ، الامر الذي جعل المؤسسة السياسية أن تمنع مجموعتك ( الشعراء يهجون الملوك ) ؟

- قلت في مرات متعددة انني شاعر لم يخرج من سلطة سياسية او مؤسسة سياسية او حزب او حكومة. خرجت من الضرورة الشعرية نفسها وانتميت لها لكي اقع في ضرورة الحرية . الحقيقة ان الشعر العراقي او الشعر في العراق كان في مقدمة الشعر العربي وعلى قمته منذ الجاهلية. كم من المعلقات تعود لشعراء في العراق لسبب او آخر ولمرحلة او اخرى. طرفة بن العبد ، عمرو بن كلثوم ، الحارث بن حلزة ، النابغة الذبياني وغيرهم . في العصر الاموي كان افضل شعراء العرب في العراق من الفرزدق الى ذي الرمة الى الكميت. حتى مالك بن الريب قال قصيدته الواحدة الرائعة على ارض العراق . اما العصر العباسي فالجميع يعرف ذلك ولاننسى المتنبي والبحتري وابا تمام طبعاً اضافة الى ابي نؤاس وابي العتاهية وغيرهم . الحسن البصري وابن سيرين والشعبي وابو حنيفة من المثقفين والفقهاء كانوا في العراق فضلا عن مثقفي الشيعة فيما بعد واخوان الصفا. ليس على صعيد الشعر وانما على صعيد الفكر وانتاج الافكار والمذاهب وعلم الكلام كان العراق هو الارض التي نبت فيها هذا العشب. الفكر المعتزلي انتاج الخصب الفكري العراقي . هذه الحقيقة لن تنحسر بسرعة ، حتى القمع لايزيلها. يجعلها تختفي او تحتجب مثل مطلوب سياسي لمديرية الامن ولكنها لاتموت . كانت فترة نهاية الستينات قد استلمت المنعطف الاكبر في الشعر العربي الذي بدأه السياب ونازك والبياتي وبلند . وسرعان ما اجتمع كم نوعي في تلك الفترة من جميع الاتجاهات حيث ظن الجميع ان التحول المزعوم لحزب البعث بعد 1968 سيقود الى ترسيخ التجارب الثقافية الجديدة في العراق . حتى الشعراء والكتاب البعثيين مثل سامي مهدي وعبد الامير معلة وموسى كريدي وربما حميد سعيد لحد ما كانوا يعكسون نوعا من التفاؤل وكانت علاقتهم بنا قائمة على اسس ثقافية في البداية. الهم الثقافي المشترك في عواصف الستينات من الثورة الطلابية وربيع براغ والثورة الجنسية وثورة الموضة وصعود اليسار الدولي وصورة جيفارا وافكار تروتسكي كان متاثرا بالموجة العالمية تلك . لم تكن مواقعهم ومصالحهم قد ارتبطت بسلطة سياسية بعد رغم انهم تسلموا مواقع اعلامية وادبية ولذلك لم يكن التشنج الحزبي والسياسي والايديولوجي قد حكم علاقتهم بالاخرين بعد.كان الوضع الثقافي يستعيد تشكله من جديد بعد ان ظهر من جديد شعراء مسجونون ومختفون ومنعزلون . تجد في اتحاد الادباء الذي بدأت المفاوضات التاسيسية بشانه في مقر جمعية الصداقة السوفيتية العراقية في الشارع الموصل بين ساحة كهرمانة وساحة الزعيم (الاندلس) قبل ان ينتقل الاتحاد بعد تاسيسه الى مقره المعروف. شاركت في الاجتماعات التاسيسية رغم صغر سني الى جانب صلاح خالص وزوجته وحسين مردان وهاشم الطعان والفريد سمعان وصفاء الحافظ وآخرين . كان الوضع الثقافي تجمعاً ثقافياً بالدرجة الاولى رغم السمات السياسية لاكثر الادباء . كانت هناك اجيال متعددة في مشهد واحد . كان هناك ادباء شباب ، آنذاك ، مثل احمد خلف وحميد الخاقاني وفهد الاسدي وعبد الستار ناصر ، وكان هناك جيل اقدم مثل خضير عبد الامير وجليل القيسي وموسى كريدي وفاضل العزاوي وعبد الرحمن طهمازي ، وصادق الصائغ وطراد الكبيسي وشجاع العاني وخالد الحلي وحميد سعيد وسامي مهدي وعبد الامير معلة ، وجيل ثالث اكثر قدماً مثل يوسف الصائغ وعبد الرزاق عبد الواحد ولميعة عباس عمارة ومحمود البريكان وغيرهم كثير من مختلف الاعمار والاجيال . وكان الشعراء والادباء البعثيون اقل بعثية في هذا المشهد الاول ، كما ان التخندق الحزبي والايديولوجي لم يكن قد ظهر بعد في مطلع السبعينات رغم تشكل بوادره الاولى بعد توقيع ميثاق العمل الوطني عام 1971 بين الشيوعيين والبعثيين والذي مهد للجبهة الوطنية عام 1973 ليبدأ الفرز الثقافي على اساس سياسي وحزبي لتصبح الثقافة العراقية هدفا للطعنات السياسية والايديولوجية.

انتعش الوضع الثقافي بسبب غياب التوجيه الثقافي في البداية وارتباط التطور الثقافي بالتطور الفكري العالمي الذي انعكس على العرق منذ الخمسينات بشكل قوي . كانت مقهى البرلمان ومقهى حسن عجمي بشكل رئيسي مكانين للتواجد الثقافي في العراق يوم الجمعة فيما كانت مقهى ليالي الاندلس ومقهى البيضاء ومقهى ياسين في شارع ابي نؤاس منتديات يومية ليلية للنقاش الثقافي الادبي وبين ذلك كانت مقهى ابراهيم(المعقدين) والمقهى المجاورة لمطعم نزار في نفس الشارع المتفرع الذي يصل شارع السعدون بشارع ابي نؤاس مقهى العصريات من كل يوم للتواجد الثقافي . حين مررت بالشارع في العام الماضي كان يلقي علي تحية النسيان والخراب . كل يوم اذن كان يوما ثقافيا ، اضافة الى الترابط الذي استمر وتطور بين الشعر والقصة والفنون الجميلة الاخرى كالرسم والمسرح والموسيقى ، فكانت جمعية التشكيليين العراقيين منتدى ثقافياً وكانت الاجيال تتواجد ايضا سوية فتجد رافع الناصري وضياء العزاوي وعامر العبيدي وعلي طالب الى جانب قتيبة الشيخ نوري وكاظم حيدر وخالد الجادر واسماعيل فتاح واسماعيل الشيخلي كما تجد الامسيات الشعرية في نفس الجمعية ، فالشعر كان الرابط لكل الفنون والنشاطات الثقافية ، حيث تجد المسرحيين ايضا.

في كل هذا الصهريج الثقافي الساخن كنت وحيدا بعيدا عن التجمعات والانحيازات رغم وجودي في قلب هذا الصهريج . كنت مستقلا ايديولوجيا ولم اكن حزبيا . كنت اكتب قصيدتي وحدي وليس فوقي سوط حزب او عصا سلطة رسمية.

كيف تفسرون ظاهرة النقد المجامل ، والذي أستفحل منذ فترة طويلة الامر الذي يجعل من النقاد الابتعاد عن نقد مجاميع شعرية مهمة والانتباه الى مجاميع لشعراء عرب ذات مستوى محدود ، طلباً للرزق أو لتبوء هذا الشاعر منصباً مهماً يجعل من الناقد أن يكتب عنه ، بينما نصوصه هي في الغالب ضعيفة ؟

- ليس لدينا نقد قيمي او معرفي او منهجي. لدينا كتابات تتناول المناهج النقدية الاجنبية كالبنيوية والتفكيكية وغيرهما، اما نقد يتناول الاثر الابداعي فلايوجد لدينا مثل هذا النقد اطلاقاً وانا اعي الاسباب العقلانية والموضوعية التي تدفعني لتقرير هذه الحقيقة. لقد عاش النقد على ثنائية الرجعي والتقدمي ثم ثنائية الاشتراكي والراسمالي ، وكانت المنطلقات الحزبية والايديولوجية تقود الرؤية الانطباعية للنقد . ان تسعين بالمائة من الشعراء والقصاص والكتاب قاموا خلال حياتهم الثقافية بعمل حماية احزابهم وايديولوجية تلك الاحزاب في الميدان الثقافي الشمولي الذي لافسحة للحرية فيه. تلك حقيقة موضوعية لاتنكر وعلى المثقف نقدها ومراجعتها . خذ ادب وثقافة الحرب مثلا. لقد نسيت ونسي المثقفون الذين نظروا لها وساهموا في تعميمها بحيث اجبر الشعراء والفنانون والكتاب والقصاصون على الكتابة (لقادسية صدام). واذا كان هناك عار فهو ليس المساهمة الاضطرارية في كتابة حقيرة من اجل الحياة ، اذا شئنا تبريرها ، وانما العار ان مثقفين عراقيين كانوا يقودون حملة الاجبار والتنظير لضرورتها واهمية المساهمة في المجهود الحربي لقادسية اعادة التاريخ ، وان مثقفين بالغوا في تبني هذا العار فكتبوا قصائد وروايات وحصلوا على جوائز من صدام واصبحوا اصدقاء لصدام وقد غسلوا وجوههم اليوم واصبحوا يتباهون بالحرية دون اي قطرة نقد لسلوكهم وانتاجهم الثقافي ، فاين النقد اذن . لو كان هناك نقد فان عملية نقدية كان لها ان تنطلق لنقد التجربة الثقافية للحكم الدكتاتوري الاستبدادي الدموي المتخلف ولخسارة آلاف الاطنان من الورق وملايين علب الحبر ومئات الآلاف من نسخ الكتب التي طبعت في العراق كهلاهل لقادسية صدام . ان العار هو ان المشاركين في ثقافة الموت والحرب والعبودية والذين كانوا يصفون كتبهم المطبوعة من وزارة الاعلام والثقافة ويتباهون بها في مكتباتهم سرعان ما اخفوا تلك الكتب ولم تعد في مكتباتهم الخاصة.

لقد كنت في مهرجان ثقافات المتوسط في مدينة باري وكان من نشاطات المهرجان دعوة عمدة مدينة البربيللو للتوقيع على وثيقة تحويل (البيت الاحمر) الى مبنى عام ، ومناقشة الفعل الفاشي خلال الحرب العالمية الثانية ، فالبيت الاحمر تحول على ايدي الفاشيين الايطاليين والنازيين الالمان الى معسكر اعتقال للمناضلين ضد الفاشية والنازية . اي انه بعد مرور اكثر من ستين عاما مايزال المثقفون الايطاليون يبحثون في نقد التجربة الفاشية وآثارها ومخلفاتها. وقد وقف رجل في نهاية السبعينات من عمره وادلى بشهادته ضد المعسكر حين كان صبي دكان مقابل البيت الاحمر وكان يدخل لايصال الطعام وبعض السكائر للمعتقلين وكان يصر على تحويل المبنى قبل ان يموت. ان تاريخ الانسان تاريخ ثقافي . وتاريخ العراق هو تاريخ الصراع الثقافي بين الافكار.

النقد تلخص في حفنة انطباعات تاثيرية. هذه الانطباعات هي حفنة مصالح متبادلة بين عدد من الشعراء ومحرري الصفحات الادبية الذين احتكروا الصفحات للترويج لهم ولنتاجهم فاصبحت الصفحات اقطاعيات شخصية ، تكرسها مواقف رؤساء التحرير الذين يحملون فكرة مشوهة ومضللة عن الوسط الثقافي وقضايا الفن والادب باعتبارها شغل حفنة من الادباء خارج الزمن والعالم المحيط بهم وبالتالي فانهم معنيون بتصفية الحسابات فيما بينهم . هناك احتكار لبناني بالدرجة الاولى يحافظ على امتيازاته بالانتباه الى جغرافية الممول ومالك الصحيفة والمنبر الثقافي عبر قبوله الترويج لثقافة الممول واعتبارها اولا . لذلك انتقلت الجغرافيا الثقافية من عواصم مهمة مثل بغداد والقاهرة الى عواصم اخرىاخذت تنتج ثقافيا ولكن انتاجها الثقافي لايستحق التسويق الذي يعطيه اهمية اولى . النقد هو العلامة الاولى على التقدم او الانحطاط . فهو رؤية عقلية. ولكن العالم العربي يعيش مرحلة انحطاط تصبح فيها اللغة الصحيحة ، اي اداة الكتابة والنقد، لغة مرتبكة تفتقر الى حسن القول وترابطه ووضوحه.

أنت من الشعراء القلائل الذين يتميزون بالتكثيف الشعري داخل جملته الشعرية ، وثمة العديد من القصائد القديمة منها والجديدة التي كتبتها في فترات سابقة ولاحقة حافظت فيها على هذا التكثيف الذي يجعل من القصيدة مموسقة وتشد القاريء لها بقوة ، السؤال هنا : كيف تتعامل مع اللغة بكتابة القصيدة ؟

- لا شعر بدون لغة. اعني استخدام اللغة كاداة شعرية وليس كهدف نهائي يعوض عن الشعر . الشعر فلسفة وتأمل وذاكرة وموقف ورؤية وهذه كلها تحتاج الى حامل جمالي ليوصل جمالياتها الفنية والفكرية والاجتماعية. الشعر عمل فردي ومنتج خصوصي ، لكنه مثل اي عمل آخر له تقاليده المهنية . لا تصدق مايقال حول الشعر من تفوهات عشوائية لاعلاقة لها بعلم الجمال . فالثقافة الشعرية معدومة وهي محدودة عند البعض . الشعر عمل مهني يحتاج الى جماليات مهنية.انا ما ازال اؤمن بالالهام الشعري، سواء كان هذا الالهام الهياً او طبيعياً. الشعر انتاج لغوي وصوري وايقاعي لمهنة التعبير.اللغة هي المادة الخام للشعر ، كما هو حال الخشب والحديد والرمل والنحاس والمعادن الاخرى كمواد خام لصناعات الحاجات الانسانية. الشعر صناعة كما هو الحال عند العرب القدامى . ورغم قدسية الشعر عند العرب فلم يتوانوا عن اطلاق صفة صناعة عليه. والجماليات تخرج من هذه المادة الخام. فالتشابه يصبح صفة غير جمالية حين يتحول الشعر الى كلام بلا لغة وجماليات هذه اللغة. ان قصيدة النثر نص واحد لدى مئات الشعراء . انها تعبير نثري عن مادة شعرية تجريدية مثل الاسلوب التجريدي في الرسم . اللون يلعب الدور الرئيسي والتشابه نتاج لوني ، اي نتاج المادة الخام للرسم . في سوق الصفارين هناك المئات من الطرقا على النحاس لصناعة ابريق . وفي مدخل كل دكان عشرات الاباريق ، لكن تفحص المادة الخام لتعثر على مهارة الصفارالذي يعطيك جماليات النحاس وايقاع الطرق عليه. ببساطة وواقعية هذا هو الحال مع الشعر..

المكان بالنسبة للشاعر مهم جداً ، وكنت تعشق مدينتك بغداد ، فبعد النفي والترحال الطويل والانتقال من دولة الى اخرى ومن مدينة الى اخرى حتى استقر بك المطاف في العاصمة البريطانية لندن ، كيف تنظر الى هذه المدن ، هل كانت بديلة عن مدينتك ؟ أم أن لا مكان يعوض الشاعر في هذا العالم الواسع عن مدينته التي ولد فيها ؟

- ارجع الى ملحمة كلكامش والشعر السومري تجد المكان بطل الشعر ، اضافة الى بطولة كلكامش وانكيدو . حانة سيدوري تلعب دورا في تقرير مبدأ الحياة والموت . الاهوار تلعب الدور التراجيدي في مغامرة الوصول الى الخلود ، ساحة اوروك ، الاعمدة ، وكل عناصر المكان الاخرى . خذ المعلقات ، تجد المكان بطل الشعر ، سواء كان واحة ، او حياً ، او بيداء . معلقة امرئ القيس تبدأ بالمكان وكذلك معلقة الشاعر الوجودي طرفة بن العبد . في بداية رحيلي كنت احدق في الحرف الاول من المدن: بيروت ، باريس ، بواتييه ، برلين ، براغ ، بودابست ، انها مدن الباء التي كانت تجعلني اخادع نفسي بانني في مدينة الباء الام : بغداد . في اوجاع الوردة ، سيرة قصيدة ، سيرة رأي ، هناك فصل عن بغداد بعنوان: بغداد سيدة نساء العالمين . المدينة هي انت. وبغداد ليست مدينة ولادتي وطفولتي وشبابي فحسب ، وانما ولادة مخيلتي وعلاقتي بالتاريخ والزمن والاسطورة والسفر والماء والآس والدفلى والقطارات والسنونوات والنجوم والسماء الزرقاء المطعمة بغيوم بيضاء مثل قطعان ماشية في حقل ازرق . المكان هو مصدر الميثولوجيا. لان الاسطورة ليست زمنية وانما زمكانية . تنشأ الاسطورة على اساس المكان المجهول . فالاساطير حول الالهة الرافدينية تنشأ بحثا عن مكان الآلهة وتضع الاسطورة مكانا لكي تستدل عليها حينما تتوجه لها . لذلك فالسماء ، بمعناها الكلي ،هي المكان الذي بنت فيه الشعوب منازل آلهتها واسكنتهم فيها لكي تتوجه اليها . السماء مكان مجهول فلم يكن البشر الاوائل يرون منه سوى كونه سقف العالم وقبته . ان الميتافيزيقا مكان . فهي ماوراء الطبيعة ، اي مكان آخر غير مرئي بالنسبة للبشر . وحول هذا المكان دارت الفلسفات الاولى لكي تتحدث عنه دون ان تتجرأ على تعيينه. فهو فوق السماء وهو ملك الآلهة وليس ملك البشر ولعل سيدوري صاحبة الحانة التي لجأ اليها كلكامش على الطريق كانت تريد تاكيد هذه الحقيقة على كلكامش الذي يبدو انه قد نسيها اثناء رحلته الغبراء: لقد قدرت الالهة الموت على البشر واحتفظت لنفسها بالخلود. فما هو ارضي انما هو مكان للفناء وماهو سماوي فانه مكان للخلود ، هذه الفلسفة شكلت لي علاقتي بالمكان.

(سنوات من الزمن المتحجر مثل دعائم جسر

جسور الرصافة والكرخ ازمنة جامدة

وبغداد آخر امكنة الله

حين تقوم القيامة

وينتشر الميتون ويعلو الضجيج ). (الاخوة ياسين مرة ثانية)

لقد غنيت بغداد كثيرا وطويلا ، فهي امراتي ومرآتي . وهي اغنيتي وحنجرتي.

( بغداد حلم الله

اعطاها الجمال وزينة الانهار) (بغداد الجديدة)

ان فلسفة المكان هي فلسفة الحياة.

هل المكان سوى زمان ثابت

وهل الزمان سوى مكان راحل

وهل السلالم غير ساعات مجمدة ، اذا انحلت هوى الزمان

مثلما هوت اور وهاجر ابراهيم ) (مناحة على بلاد الرافدين)

ان قصيدة الاخوة ياسين مرة ثانية هي البحث عن طريق العودة الى العائلة ، وهو مكان يجمع بين الواقع والاسطورة. انه زمكان البحث عن الوطن . ان المكان في فلسفتي الشعرية هو زمن متجمد . فالجسر هو لحظة ارادت عبور النهر فتحجرت وتجمدت على هيئة جسر..

الكثير من الشعراء أمثالك وبسبب الظروف الصعبة التي مّر ويمر بها الوطن العراق ، حاول أن يقدم جهداً أضافياً لمشروعه الشعرية في كتاباتك للمقالات السياسية والتحليلات الخبرية عن الوضع العراقي المتردي ، وكان ثمة برنامجاً تقدمه في شبكة ال اي أن أن ، ولسنوات وكان من البرامج الناجحة بحق ، هل أن زمن العولمة أصبح فيه الشعر ذو سلاح غير فعال كما كان في السابق ، الامر الذي جعل من الشاعر اللجوء الى الخطاب المباشر ليتم من خلاله أختراق الازمات التي تعصف بالبلاد في محاولة منه لتصحيح المسارات السياسية ؟

- لحد ما ، يمكن القول ان ادوات التعبير الاخرى قد سبقت الشعر في العصر الحديث. ولحد ما يمكن القول ان الشعر فن مختصر ، ويسكن في المخيلة والذاكرة سواء بشكل مرئي او غامض . لم تعد الحياة مختصرة هي الاخرى بحيث ان قصيدة واحدة تلهي قبيلة تغلب عن كل مكرمة كما كانت قصيدة عمرو بن كلثوم: الهت بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم الا ترى هذا الاختصار العظيم لوظيفة الشعر آنذاك.انه هجاء عميق ولكنه تمجيد للشعر في نفس الوقت.

وسائل التعبير الاخرى ليست نقيض الشعر ، على العكس انها تولد من الشعر . فالشعر سيد الفنون قبل الموسيقى والمسرح لانه فن القول . لكن العصر الحديث لم يترك السيادة للشعر وحده . في العراق تجربة مختلفة. كان العراق ومايزال بحاجة الى تنوع في التعبير لان الوظائف لم تعد مستقلة. لعبت السياسة دوراً حاسماً في نقل الشعر الى بوق او طبل . وضاقت حدود التعبير الشعري الى حد كبير. ان قضايا العالم المعاصر المعقدة لم تعد محدودة بالتراجيديا اليونانية ، او مآسي شكسبير. اننا نعيش عصر توتر مزدوج ، فردي وغلوبالي(عولمي) تصاحبه حالة تكاثر في وسائل التعبير المتوارثة والمخترعة التي تسرّع وصول النتاج الثقافي الى المتلقي وتيسّر الاطلاع عليه والتفاعل معه. والحقيقة ان مكانة الشعر لم تعد متينة في العقل العربي فقد كان الشعر لساناً ناطقاً في الشارع العراقي على سبيل المثال في ثلاثينيات واربعينيات وخمسينيات القرن الماضي ، لكنه اصبح اليوم بضاعة يتم تداولها بين الشعراء فقط ..

* كيف تقيمون مستوى الشعر العراقي بشكل عام ، بعيداً عن المصطلحات التي طرأت عليه بعد سقوط النظام العراقي والتي هي مصطلح شعراء الداخل والخارج والتي على ما اعتقد وراءها أجندات هدفها تقسيم الادباء بعد ان تم تقسيم العراق الى طوائف وقوميات واعراق ؟

- العراق بلد منتج للافكار والتصورات والمشاعر والرؤى . والشعر احد اكبر جوانب هذا الانتاج . هناك كم هائل من الشعر . لكن الانتاج النوعي محدود. فالروتين الشعري اصبح تقليداً شائعاً. وضعف المعايير الفنية والقيم الجمالية يسيطر على هذا الانتاج . كما ان الظروف التي مر بها العراق منذ ربع قرن حتى الأن وفرت للشعر في البلدان العربية الاخرى فرص التفوق على العراق ، خاصة في ظروف الملكية الاعلامية لمنابر النشر التي يسيطر عليها الاخرون ويرسمون سياسات العزل والابعاد والتغييب التي تطال العراقيين . ليس هناك شعراء في الداخل وشعراء في الخارج . فالمكان واحد ، وتنوع تضاريسه يمتد الى اوروبا والعالم المحيط حيث يوجد العراقيون اليوم بالملايين . هناك شعراء في ظل ظروف سياسية ديمقراطية وشعراء في ظل ظروف استبدادية. لكن في الحالتين يمكن ان نعثر على شعر متشابه لاعلاقة له بالداخل والخارج وانما له علاقة بالقدرة على البوح الشعري واستخدام المهنية الشعرية . هذه المهنية تردت في الداخل مع الاسف بتحويل الشعر الى بوق عسكري في سياق النفير العام . نشاهد اليوم عودة العشيرة كوحدة سياسية وثقافية. فالهوسات اصبحت (حالة ثقافية) والعشائر تسعى الى ان تتحول الى احزاب بعد ان اضمحل دورها الى وحدات اجتماعية محدودة ومعزولة في خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي . وقد كان العراق حقل انتاج ثقافي وفكري في حقول السياسة والمجتمع والدولة ، واعتقد ان انحسار الدور الثقافي بسبب ارتباط هذا الدور بتمجيد الحرب وتكريس عبادة الفرد واعادة دور الهوسة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية منذ الحرب العراقية - الايرانية قد اضعف دور الثقافة في الوحدة الوطنية وفي حماية دور الدولة وفي عملية النقد الضرورية التي غابت وربما يسهم غيابها في التقسيم والتجزئة. العراق بلد ثقافي تاريخيا ، ولايمكن للوضع الحالي ان يستمر حتى بمساعدة بريطانيا وامريكا اللتين احيتا النزعة العشائرية على حساب الطبقة الوسطى والتكنوقراط السياسي والتكنوقراط المهني والتكنوقراط الثقافي . لان الطبقة الاخيرة قادة على بناء دولة وطنية عصرية ذات نمط دستوري وليس عشائري خليجي..

قبل فترة قصيرة وضمن سلسلة المقالات النارية التي يطلقها الشاعرالعراقي سعدي يوسف ضد غالبية السياسيين العراقيين ، وقد تلاها بسلسلة مقالات حول المثقف التابع ، ووجه أصابع الاتهام لمجموعة من مثقفي العراق كان آخرهم نبيل ياسين ، الامر الذي جعل منك أن ترد على أتهاماته وتتهمه بالتابع عبر مقال طويل كان عبارة عن صرخة ظلت مكتومة في قلبك لسنوات طويلة على ما يبدو ، بينما المعروف تماماً عنك في الوسط الثقافي العراقي والعربي بشكل عام ، انت لا تدخل بمثل هكذا سجالات واتهامات لانك اصلاً بعيداً عن الشبهات ، كيف توضح لنا هذه الاشكالية التي أخذت حيزاً واسعاً داخل الاوساط الثقافية العراقية ؟

- يصل بعض الشعراء والكتاب الى نهاية ابداعية. وهذه مسالة طبيعية تتعلق ببيولوجيا الذهن والفكر. ارنست همنغوي مثلا اختار الانتحار. الطيب صالح اختار الصمت الروائي واتجه الى التاريخ الادبي . سعدي اختار التهريج والشتيمة وتفريغ احقاده على الاخرين . هناك خلل عميق في الفكر العراقي . هذا الخلل تسببه ايديولوجيا احادية اعتقدت لزمن طويل ان التاريخ هو تاريخها ، والثقافة هي ثقافتها ، والشعر هو شعرها ، والحقيقة قطعة نقد في جيبها . لقد كنت وما ازال عرضة لسوء الفهم ويصفونني بانني شخصية مثيرة للجدل ، هذا صحيح . لكن التفسيرات غير صحيحة. التفسير الصحيح هو انني مثقف يحمل مشروعاً تنويرياً منذ عقود ، لذلك لم اكن عضوا في اي حزب ولم انتظم في اي خلية حزبية ، وبقيت فرداً مستقلاً اقرب الى هذا الوسط الفكري او ذاك. لقد كنت الح على الرؤية النقدية التي يفتقر اليها مثقفون عديدون في العراق والعالم العربي . لذلك كسبت من العداوات اكثر مما كسبت من الاصدقاء الذين تحول بعضهم الى اعداء ، حتى قلت منذ زمن بعيد جداً في قصيدة صهيل في غرفة ( يا الهي .. من اين لي هذا العدد الهائل من الاعداء؟). سعدي لم يكن مهما لي ابداً وهذا شأن معروف لمن يعرفوننا نحن الاثنين . لم اشبهه شعريا ولا سلوكيا ولا شكلاً شعرياً او بشرياً وكان هذا يضع مسافة شاسعة بيني وبينه كما وضع مسافات بيني وبين كثيرين .انني اواصل مشروعي الثقافي والشعري وحيداً وقد وصلت الى مرحلة ازداد فيها زهدي وترفعي عن كثير من الاشياء التي مايزال البعض يفتح شهيته عليها كالشهرة والابوة الروحية والسطوة والمال والمؤتمرات والمافيات الثقافية. كما ان سقوط صدام كشف كم كنت قريبا من وطني وشعبي وهذا شرف كبير حصلت عليه ، فضلاً عن انني كنت قاعدا حين جاءت فرصة كتاب (نبيل سونغ) الذي طبع عدة مرات ووزع في بريطانيا وهولندا وامريكا واستراليا وكندا ونيوزلندا ودول اوروبا ودول عربية واجريت معي مقابلات صحفية واذاعية كثيرة وشاركت في لقاءات ومهرجانات مهمة قرات فيها شعري وتحدثت عن العراق واقول بتواضع كانت تلك النشاطات ناجحة ووقعت على آلاف النسخ من الكتاب في عواصم ومدن مختلفة ، ويبدو ان كل ذلك اثار حفيظة من يركض وراء احتكار الشعر العراقي مستخدما شعارات فارغة واحقادا قديمة . لقد نسيت الموضوع وهو انتهى بالنسبة لي .هو ليس ندا لي . الشاعر لايصنعه حزب او بوق او شعار.انا لم اهتم ابدا بقيمة وهمية لاي احد او لاي شئ ..

لك العديد من الكتابات في مجال القصة ، كيف ينظر نبيل ياسين الى حال القصة العراقية في السنوات الاخيرة خاصة وأن كتاب القصة في العراق أصبح عددهم يفوق بكثير كتاب القصة في مرحلة السبعينيات وما قبلها ؟

- اقول الصدق اني لا اقرأ قصصاً . وكففت عن قراءة الشعر الذي يكتب هذه السنوات . وقاطعت الصحف.انا اذهب الى الفسلفة والفكر والتاريخ وكتابات منتقاة . انا لا اقرأ وفق الموضة التي تفرضها الصحافة الادبية التي تعاني من عقد شخصية وجنسية وجمالية. لكني ارى بشكل عام ان تحولاً ثقافياً سيتحقق في العراق اذا كف المثقف عن التوسل بالسلطة لكي ترضعه وتشتري كتبه وتدعمه. ان عبودية المثقف العراقي للسلطة ماتزال تعيق تحول الثقافة الى حرية.الثقافة سلعة حرة . اذا كانت جيدة سيشتريها القراء . لا افهم كثيرا لماذا يصر اتحاد الادباء في العراق على ان يكون متسولا من الدولة اذ اسمع مطالبات كثيرة بمطالبة الدولة برعاية الادباء. كيف يبدعون اذن ؟ سببت رعاية النظام السابق للثقافة ان تحولت الى (ممية) يرضع منها المثقف حليب السلطة وينتمي لها..

أنقلك الآن من هموم الشعر والحياة الى عالم الطفولة حيث كانت كتاباتك بادب الطفل ذلك العالم الجميل الخالي من الاحقاد والاضغان والمزايدات ، ماذا كان شعورك وانت تكتب للطفل ؟

- لقد كنت من اوائل من كتب للطفل في المرحلة الثانية من ادب الطفل . هذه المرحلة بدأت مع مجلتي والمزمار في بداية السبعينات. كنت اوقع قصائدي الاولى باسماء مستعارة لان الكتابة للطفل كانت تعني مستوى اقل ، قبل ان اتشجع واضع اسمي متحديا نصائح بعض الاصدقاء بعدم التورط بذلك . لقد كتبت بشعور عال من الاحساس بالطفولة . لابد ان تكون طفلا لكي تكتب لروح الطفل . لكن مع الاسف كل ماكتبناه عن الورد والمدرسة والمعمل والشتاء والتراكتور والحديقة والاصدقاء تحول على يد الجيل الذي جاء بعدنا الى بندقية ومدفع ودبابة وحرب وقادسية حتى انتجت لنا ثقافة الاطفال في زمن الحرب اعضاء الميليشيات التي تقتل العراقيين اليوم ..

كيف تتحدث لنا عن وطنك العراق الذي رأيته في زيارتك الاخيرة وهي الاولى من نوعها بعد غربة أستمرت ، قرابة الثلاث عقود من الزمان تخللتها الحروب والويلات والمآسي التي عصفت بهذه البلاد العريقة ، وهل ثمة أصلاح حقيقي مقبل على العراق ، كي ينهض من جديد كما العنقاء من تحت الرماد ؟

- لقد كنت اتجول في مابقي من العراق وهو خارج من كوارث التاريخ وهزات الجغرافيا. وهذه ليست المرة الاولى التي تعصف الكوارث بالعراق ، فبعد كل كارثة يخرج مثل نبتة من الرمال ليعود عملاقاً كما هو في تاريخ البشرية ، ناهضا مثل العنقاء ، ينوح ويغني ويفرح ويقدم لاجياله احزان الماضي وشجن الزمان واسى النهرين . لم يكن شارع الرشيد سوى كابوس مّر عليّ قبل عشرين عاماً او اكثر في منفاي وانا اتجول في خراب ارم ذات العماد. مالذي حل بالالوان ؟ لا لون في العراق غير الرمادي المصفر.كنت ابحث عن العصافير التي كانت تسقسق ، والاشجار التي تركتها باعشاشها, والابواب التي غادرتها بخشبها وعرواتها التي كنت ادقها ، والشرفات التي تركت نساءها يجدلن شعورهن السوداء بامشاطهن الخشبية فيما اضواء الضفتين تتلألىْ على مياه دجلة الاسود الفضي . كان الفجر هو الفجر ، رغم اني كنت اشعر وانا في بغداد كاني لم اعد بعد:

كان فجرا رهيبا

انحنت قائمتي في الكابة

وطني استمع

ليدب على هيكلي صوت اشباحك الفانتة

فالحدائق مفتونة بصباحي

اذ انا

وطن آخر يرتمي في الفراغ . (الاخوة ياسين 1974) ..

اوسلو 2008