مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
حوار مع الأديب إدمون شحادة PDF طباعة
الكاتب: حوار / آمال عوّاد رضوان   
الإثنين, 22 آب/أغسطس 2011 17:00

admoon

حوار /آمال عوّاد رضوان

كثيرًا ما نلتقي بشعراء أو كُتّاب مِن الجليل ذوي أصولٍ لبنانيّة أو سوريّة، وأنتَ واحدٌ منهم. هل هناك مِن شعورٍ خاصّ لدى السّيّد إدمون اتّجاه هذا المزيج؟

فلنبدأ أوّلاً مِن البداية، حتى نستطيعَ أن نتابعَ الطريقَ دونَ مطبّاتٍ أو تشويشات.

لقد جئتُ إلى هذ الوجود مثل غيري مِن ملايين الأطفال، كان ذلك بتاريخ 3/2/1933 في مدينة حيفا، ولم يكن ميلادي فيهِ أيّة دلالةٍ على ما سأكون، ولا أحدَ يعرفُ ذلكَ أيضًا.

طفلٌ عاديٌّ لعائلةٍ متوسّطةِ الحال، تتكوّنُ مِن الأب إلياس حنّا شحادة، والأمّ نظيرة بولس دياب، وكنتُ خامسَ إخوتي، وقد تكوّنت عائلتُنا بعدما اكتملتْ مِن تسعة أبناء.

كانت أغلبُ العائلاتِ كثيرةَ الأبناء، وليسَ كعائلاتِ هذهِ الأيّام، يكتفونَ بوَلدٍ أو اثنيْن وعلى الأكثر ثلاثة، أمّا الأجدادُ فكانوا مِن المُهاجرينَ القادمينَ مِن جنوبِ لبنان.

بالنسبةِ لأصولي، لا أشعرُ بأيّ شعورٍ خاصّ بالأزدواجيّة، فالمعروف أنّ الكثيرَ مِن عائلاتِ هذهِ البلاد ترجعُ أصولُها إلى عائلاتٍ هاجرت مِن لبنان أو سوريا، لكني فلسطينيّ قلبًا وقالبًا، وُلدتُ في هذهِ البلادِ وتربّيتُ وعشتُ فيها وأنتمي إليها.

كيفَ وصلَ إدمون شحادة مِن حيفا إلى النّاصرة؟

كانَ أبي يعملُ في القسم الهندسيّ في دائرةِ البرق والبريد في حيفا، يومَها كانت فلسطين تحتَ الانتدابِ البريطانيّ، وحينَ رغبت السّلطاتُ إدخالَ الهاتفِ الآليّ إلى مدينةِ النّاصرة القريبةِ مِن حيفا، عَرضت على والدي الانتقالَ إلى الناصرة للإشراف على هذا المشروع والبقاء للعمل فيها، وهكذا كان، فانتقلتُ مع العائلة إلى الناصرة وأنا في الثالثة مِن عمري، ومِن يومِها وأنا أعيشُ فيها، ولذا أنا أعتبرُ نفسي نصراويّا، وأحسُّ بأنّي كذلك، وأنّ الناصرة هي بلدي، ولستُ مستعدًّا أن أبدّلَها بأيّةِ مدينةٍ أخرى في هذا العالم الواسع مهما كانت المغريات.

ما سرّ توافد لبنانيّين إلى الجليل المُحتلّ قبلَ الاحتلال الإسرائيليّ؟ وما الذي كان يُميّزُ فلسطين حينذاك؟

كانت هناكَ موجاتٌ مِن هؤلاء المهاجرين في العهدِ التّركيّ والاستعمار الفرنسيّ، وقبلَ الاحتلال الإسرائيليّ بسنواتٍ عديدة، كانَ المهاجرونَ يُعبّرونَ الحدودَ بحثًا عن العمل ووراء لقمةِ العيش، لصعوبةِ الحياة في الجنوب اللبناني، وابتعادًا عن المشاكل والخلافاتِ الدّينيّةِ التي كانت تدورُ هناك، والتي أدّتْ إلى بعض المذابح المؤلمة، وراحَ ضحيّتَها الكثير مِن الناس الأبرياء.

والذي كان يُغذّي هذهِ الخلافات الاستعمارُ الفرنسيّ، لتحققيقِ أطماعِهِ الاستعماريّة في هذه المنطقة، كما أنّ تنقّلاتِ العائلاتِ والحمايل، والهجراتِ الموسميّةِ أمرٌ قديمٌ قِدم الإنسان.

ماذا حملت نشأتكَ مِن دلائل على ما أنتَ بهِ اليوم؟ بمعنى؛ هل كانت هناكَ دلالة على موهبتِكَ الأدبيّة منذ الصّغر؟

قد تكونُ هناكَ دلائل، لكنّي شخصيًّا لا أذكرُها أو لم ألحظها، وكانت بدايةُ حياتي عاديّة، دخلتُ كليّة تراسنطة وبقيتُ فيها حتى أنهيتُ المرحلة الثانويّة، كنتُ في المدرسةِ مثالَ التلميذ الذكيّ الذي يهتمُّ لدروسِهِ ولتحصيلِهِ، وكنتُ دائمًا مِن الطلابِ الأوائل مع امتياز في الحساب والرّياضيّات، أمّا في الإنشاءِ العربيّ فكنتُ مِن الطلاب المتوسّطين.

أذكرُ مرّة وأنا في الصّفّ السّابع الابتدائيّ وفي درس عِلم الهندسة، كان علينا تحليل وشرح إحدى المسائل الصّعبة والمُعقّدة، وأنّ الأستاذ أخذ يشرحُ ويُحلّلُ ويكتبُ على اللوح طريقة الحلّ بلا نهاية، وملأ اللّوحَ الأسودَ مِن الجهتيْنِ بالمعادلاتِ والتحليلاتِ الهندسيّةِ دون طائل، عندَها طلبتُ الإذن منه وقمتُ إلى اللّوح، وحللتُ المسألة بثلاث أو أربع معادلات، يومَها هنّأني الأستاذ ومنحني العلاماتِ العالية، ولم يشعرْ أنّه أُصيبَ بنوعٍ مِن الهزيمة، بل تقبّلَ الأمرَ برحابةِ صدرٍ وروحٍ رياضيّةٍ عالية، ربّما لهذا الأمر أصبحتُ فيما بعد لاعبَ شطرنج مميّز، ومُنشدًا في جوقة التراتيلِ التابعةِ لكنيسةِ اللاتين، تحتَ قيادةِ موسيقيٍّ إيطاليٍّ متمرّسٍ هو المرحوم الأب "تيوفلو"، ثمّ عازفًا على آلةِ السّكسفون والدّرامز في الفرقةِ النحاسيّةِ التي كوّنها.

أنتَ مِن الطّلاّب المشهود لهم بالذكاء الفطريّ، وأبدعتَ في دراستِكَ الثانويّةِ في الرّياضيّاتِ والموادّ العلميّةِ على حساب اللغةِ العربيّة، فكيف جاءَ توجُّهُكَ إلى الأدب، وأنتَ الذي قلتَ أنّ لغتكَ العربيّة كانت بالمتوسّط بين باقي الموادّ؟

نعم، الأدبُ لم يكن يخطرُ على بالي، ولم أكنْ أتصوّرْ أن أكونَ أديبًا، وربّما أخذتُ أميلُ إلى الأدب بعدما قرأتُ الكثيرَ مِن الكتب، والتي كانت تحتويها مكتبةُ المرحوم والدي، كان يعشقُ القراءة ويُحبُّ المطالعة، وكان يقتني غالبيّةَ ما يصدرُ مِن الكتب والرّواياتِ والمجلاّت والجرائد، خصوصًا سلسلة روايات الجيب التي كانت تصِلُ مِن مصر وقد قرأتُ أغلبَها، ومِنَ القصص البوليسيّة اللّصّ الظريف "أرسين لوبين"، والرّوايات العالميّة مثل الحرب والسّلام، الجريمة والعقاب، الإخوة كرامازوف، والفرسان الثلالة، وسجين زندا والكونت دي مونت كريستو، ومن أهمّ الكُتب كتاب ألف ليلة وليلة، وكان مِن الكتب المُحرّمةِ ويضعُهُ أبي في مكانٍ سرّيّ، وغيرها الكثير مِن الكتب، كما أنّ مُعلّمَ العربيّة الأستاذ المرحوم إسكندر جبّور علّمَنا في المدرسة أصولَ الشّعرِ وبحورِهِ، وأذكرُ أنّه بعدما أنهيْنا الدّورة، ألّف لنا بيتيْن مِن الشّعر وهما:

"تعلّمنا عروضَ الشّعرِ مِن أستاذِنا إسكندر/ فصرنا نحن والشعراء مثل السّمن والسّكّر".

تلك المطالعات قرّبتني مِن الأدب العربيّ، كما أنّ التّعرّفَ على الشّعر وبحورِهِ أحببْني به، وصرت "أخربش" بعضَ الأبياتِ والقِطع الشعريّة، ومِن يومِها بدأتْ ميولي الأدبيّة تنمو وتكبر، والتي كانت جرثومتُهُ تُعشّشُ في داخلي منذ الصّغر على ما يبدو دونَ انتباهٍ لذلك.

الشّاعر إدمون شحادة عشقَ قراءةَ الكتب البوليسيّة لآرسين لوبين.. ما هو وجهُ الشّبهِ بين ما قرأهُ كاتبُنا وبين ما رآه مِن سرقةٍ لوطنِهِ مِن احتلالٍ بوليسيٍّ كولونيالي؟

أشكُّ في أن يكون هناكَ أوجهُ شبهٍ بين اللّصّ العاديّ الذي يسرقُ ليعيش، وبينَ اللّصّ الظريف أرسين لوبين الذي كان يسرقُ ويُعطي الفقراء، لكنّ الارتباطَ أو الشّبهَ قد يكون بين العصاباتِ المنظّمةِ أو المافيا التي لا تتورّعُ عن القتل والنّهبِ والسّلب، ومحاولة السّيطرة على كلّ شيء، تمامًا كالدّول الاستعماريّةِ التي لا تشبعُ ولا ترتوي مِن القتلِ والنّهب والاستبدادِ وقهر الشعوب.

إدمون شحادة متعدّد المواهب.. ما مدى تأثير تعدّد مواهبِكَ، ومشاركتِك بشكلٍ خاصٍّ في مسرحيّة "نكبة البرامكة" على انطلاقتِكَ الأدبيّة؟

هناك الكثير مِن الشباب الذين يشعرون بأنّ لديهم طاقاتٍ معيّنةً؛ رياضيّةً كانت أم أدبيّة وفنيّة، ويُمارسُ هذه الهواياتِ ويُتابعُها، ومنهم من يتقاعسُ ويتوقّفُ عن متابعةِ الطريق لظروفٍ عديدة، أمّا أنا فقد بدأت بممارسةِ ما كنت أشعرُ به مِن رغبةٍ في داخلي، بأن اشتركتُ أوّلاً في فرقةِ الفنان مارون أشقر عازفًا على العود، بعدَ ذلك على المندولين، فكنّا نعزفُ في الأعراس دون مقابل، وكان المرحوم مارون يقولُ لنا مثلاً، "مساء الغد عندنا سهرة عريس وهناك الأكل كثير ومنوّع"، وليس كفِرقِ هذه الأيّام حيث يتقاضون آلاف الشواقل، مقابلَ اشتراكِهم في مثل هذه السّهرات. اشتركتُ في حفلاتٍ ومناسباتٍ عديدة، وكان هناك تعاونٌ بينَ الفرقةِ والأستاذ الموسيقيّ سهيل رضوان، حيث اشتركنا مع الجوقةِ التي كان يُديرُها في بعض المهرجاناتِ الفنيّة، وكنت قبلَها قد اشتركتُ في التمثيليّاتِ التي كانت تقدّمُها المدرسة في المناسباتِ الخاصّة، ثمّ اشتركتُ ومثّلتُ في مسرحيّةِ نكبة البرامكة، في دوْرِ أحد أبناء الرّشيد، مع فرقةِ نادي العمل الكاثوليكيّ، ومِن إخراج المرحوم إسكندر شحتوت سنة 1952، وكان لاشتراكي في مسرحيّةِ نكبة البرامكة تأثيرٌ كبيرٌ على ذائقتي الفنيّة، ممّا دفعَني بعدَ ذلك إلى الاندماج معَ النشاطاتِ والفِرقِ المسرحيّةِ التي تشكّلت في السّتّينات مِن القرن الماضي.

عيلبون تمثّلُ نقطةً ومرحلةً فارقة في النضالِ الفلسطينيّ ضدّ الاحتلال، حيث شهدَ نفقُها انطلاقَ حركةِ فتح الفلسطينيّة في 31/12/1964. ماذا تمثّلُ عيلبون في مخيّلةِ الشاعر إدمون شحادة وفي مسيرةِ حياته؟

عشتُ في قرية عيلبون قرابة شهر أو أكثر قليلاً وأنا في جيل المراهقة، وقد حدثتْ في المدّة التي قضيتُها فيها أمورٌ خطيرةٌ وغريبة، أثّرت كثيرًا على حياتي، ففي سنة 1948 ومع بدء الاشتباكاتِ والمعاركِ بين العرب واليهود على أثرِ قرارِ التقسيم الجائر، أرسلَنا والدي؛ أمّي وأنا وبقيّة إخوتي إلى أقربائِنا في جنوب لبنان، إلى قرية عين أبل وطن جدودِهِ هو وأمّي، خوفًا علينا ممّا قد يُصيبُنا، آملاً أن نعودَ بعدَ أن تحرّرَ الجيوشُ العربيّة البلاد كما فعلَ كثيرون غيره، فأمضيْنا صيفًا ممتعًا هناك، لكن بعد سقوط مدينة الناصرة بأيدي جيش الهاجناة (الدّفاع الاسرائيلي)، ونضوب المال الذي كان مع أمّي قرّرنا العودة، ومع توقّفِ الهدنةِ بين العرب واليهود اضطررنا للبقاءِ في قريةِ عيلبون، وهي أقرب قريةٍ ونقطةٍ وصلناها إلى الناصرة التي لم نستطع الوصولَ إليها، نزلنا في ضيافةِ عائلةٍ كريمةٍ لها علاقةُ نسَبٍ مع عائلة أمّي، بعدّ أسبوعيْن أو أكثر أخذت المناوشاتُ تتجدّدُ وصارَ الرّصاصُ يُلعلعُ في الليالي، وفي فجرِ يومٍ خريفيٍّ أيقظنا مُضيفُنا في ساعاتِ الفجرِ الأولى، طالبًا منّا أن نستعدَّ للذّهابِ إلى الكنيسةِ للاختباءِ مِن اليهود الذين أصبحوا على أبوابِ القرية، بعد أن انسحبت أو "فرّت" حاميةُ جيش الإنقاذ التي كانت تُعسكرُ عندَ أطرافِ القرية، قمنا مذعورين ولملمنا حالَنا وذهبنا معهُ إلى كنيسة الطائفة الكاثوليكيّة، حيثُ تجمّعَ هناك غالبيّةُ أهل القرية، كما تجمّعَ في كنيسةِ الرّوم الأرثوذكس بقيّةُ السّكّان، عدا عن بضعةِ رجالٍ هربوا إلى المُغُرِ المجاورة، وهم الذين قُبِضَ عليهم فيما بعد (على ما أظن)، وأُعدِموا دونَ أيّ ذنب، شباب في عمر الورود.

جمّعت قوّاتُ الجيش كلّ الأهالي في السّاحةِ أمامَ كنيسةِ الكاثوليك، وطلبت مِنَ النّاس السّير باتّجاه قريةِ المغار، وقالَ ضابطٌ كبيرٌ يتكلّمُ العربيّة بطلاقة: أنّه وبعدَ وصول النّاس إلى مشارف المغار ووجود الأعلام البيضاء على أسطح المنازل سيعودونَ إلى قراهم، أمّا إذا كان هناك مقاومة فسيضعونَ الناسَ في المقدّمة، دروعًا بشريّةً لحمايةِ أفرادِ الجيش الاسرائيليّ ويكونون أوّلَ مَن يُقتل، وقبلَ وصولِ الناس إلى مشارفِ المغار كانتِ الأعلامُ البيضاءُ ترفرفُ على الأسطح، لكنّ الجيشَ وبعد أن دخلَ النّاسُ قرية المغار أمرَهم بمتابعةِ المسير، طاردًا إيّاهم مِن بلادِهم إلى حدودِ لبنان، ومشينا مثلهم مِن عيلبون حتى المغار، ولكن ليسَ لدينا جَلَد أهل القرى، ولم يعُدْ لدينا قوّةً لمتابعةِ السّيرِ الطويل مثلهم، وأخذنا نتأخّرُ بعضَ الشّيءِ عن بقيّةِ الأهالي حسبَ طلبِ أمّي حتّى ابتعدْنا عنهم، وصارت هناكَ مسافةٌ لا بأسَ بها بيننا وبينهم، وكانت القرية كمدينةِ الأشباح لا أحدَ في الطرقاتِ وكلُّ الأبواب مُغلقة، وبعدَ أن أخذنا نخرجُ مِن القريةِ وانهارت عزائمُنا، طلبت منّا أمُّنا أن نختبئَ بينَ أشجارِ الزيتون وهكذا صار، وذهبنا إلى بيتِ رجلٍ كنّا نشتري منه الزّيتَ كلّ سنة، فاستقبلنا أفضلَ استقبالٍ لمدّةِ أسبوعيْن أو أكثر قليلاً، بعدَها انتقلنا إلى الناصرة، بعد أن شرحنا للضابط المسؤول، الذي ذهبت أمّي إليه دونَ أيّ خوفٍ واصطحبتني معها، شرحنا له وضْعَنا، وأنّ أبي يعملُ في قسم الهندسةِ في الناصرة، بعد يوميْن جاءت سيّارة نقلٍ مِن دائرةِ البريدِ تسألُ عنا، وأخذتنا معها إلى الناصرة التي وصلناها في المساء، وفي صبيحةِ اليوم التالي دارَ موظّفو وزارةِ الدّاخليّةِ في المدينة لتسجيل السّكّان المتبقين، وهكذا تمّ تسجيلُنا دونَ أيّةِ عراقيل، وهذه المرحلة مِن حياتي لا يمكن أن أنساها، وهي تمثّلُ لي نقطةً هامّةً في فهمي ومعرفتي للحركةِ الصّهيونيّة، وكيفيّةِ معاملتِها مع الفلسطينيّين أهل هذه البلاد، وطردِها لهم واحتلالِها لأراضيهم.

الأسرة العربيّةُ اليومَ تقتصرُ على عددٍ قليل من الابناء، وأنتَ عايشتَ حقبةً كانت الأسرةُ تفخرُ بعددِ أبنائِها. هل أنتَ مع ما نشهدُهُ اليومَ مِن اختزالٍ للأسرةِ العربيّة وانحصارِها، أم مع الماضي بتركيزِهِ على مفهوم "العزوة"؟

كانت الحياةُ الاجتماعيّة تختلفُ عن اليوم، وكانت العزوةُ جزءًاً لا يتجزّأ مِن العائلةِ، وكانَ الأبناءُ يُعينونَ أهلَهم في العمل خصوصًا في القرى الزراعية، أمّا اليوم فالعائلاتُ كثيرةُ العدد تُكلّفُ الأهلَ الكثيرَ مِن النفقاتِ والأموال لإعالتِهم، والأغلبيّةُ ترغبُ في تربيةِ الأبناء أفضلَ تربيةٍ وتُعلّمُهم في الجامعات، وكثرةُ الأبناءِ تُصَعّبُ عليهم الأمر، وهناكَ قضيّةُ عملِ المرأة للمساهمةِ في إمكانيّةِ رفع مستوى حياة العائلة، وهذا الأمرُ يزيدُ مِن صعوبةِ كثرةِ النّسل، مع أنّي أفضّلُ العائلة متوسّطة عدد الأبناء، لا أن يكتفي الوالدان بولدٍ أو اثنيْن، ولا أن تتكوّنَ العائلة مِن عشرة أبناء مثلاً .

هل تُبيّنُ لنا بعضًا مِن مسيرةِ حياتِكَ حتى الآن؟

لا شكّ أنّ ظروفَ الحياة لها تأثيرٌ كبيرٌ على الإنسان، فبعدَ أن أنهيتُ المرحلة الثانويّة، أنهى أبي العملَ في مصلحةِ البريدِ لأمورٍ يطولُ شرحُها، ولهذا الأمرِ لم أستطعْ مواصلةَ تعليمي، مع أنّي كنتُ أرغبُ في الأمر، لكنّي اضطررتُ إلى النزولِ لمعتركِ الحياة، فعملتُ أوّلاً كصبيٍّ مساعدٍ في أحدِ محلاّت بيع الأقمشةِ لصاحبه المرحوم أمين سروجي، ثمّ أخذتُ أتعلّمُ مهنة النّجارة كمبتدئٍ في منجرةِ المرحوم فؤاد قنازع، وصرتُ أبتعدُ شيئًا فشيئًا عن متابعةِ وممارسةِ الأدب، ولكن ليس عن المطالعة، وكنتُ أشعرُ دائمًا أنّ لديّ أفكارًا وأحلامًا تتصارعُ داخلي، وأنّ لديّ ما أقولُهُ، فكنتُ أخربشُ على ظهر أوراقِ الزّجاج التي كنّا نستعملُها في مهنةِ النّجارة، وصرتُ "معلّم نجّار" كما يقولون، أذهبُ للعمل دون تكاسلٍ ولكن دون رغبةٍ أو حماس لهذهِ المهنة، وبقيتُ على هذه الحال أبعثُ في فتراتٍ متباعدةٍ إلى الصّحفِ والمجلاّتِ بعضًا مِن إنتاجي، ولكن بأسماء مستعارة، إلى أن تعرّفتُ على شابٍّ يكتبُ في الصّحفِ والمجلاّت يدعى منقذ زعبي، هو اليوم رئيس تحرير صحيفة العين، شجّعَني على إرسال إنتاجي باسمي الحقيقيّ، ووعدني بأن يُرشّحَني عندَ المحرّرِ الأدبيّ في مجلّةِ المرصاد، وهو أديب عراقيذ يدعى ابراهيم عقري "موسى ابراهيم"، وهكذا صار المحرّر يَنشرُ لي ما أرسلُ له مِن موادٍّ شعريّةٍ أو نثريّة، وكان ذلك في أواسط السّتينات مِن القرن الماضي.

بصفتِكَ ناقدًا ومُحلّلاً مسرحيّا، كيفَ تنظر إلى تعدّدِ المسارح داخل الأراضي المحتلة عام 1948؟ وهل هذا التعدّد برأيكَ يعكسُ نهضةً فنيّةً في عالم المسرح؟

لقد كان للنهضةِ المسرحيّةِ التي أخذت تنمو وتتطوّرُ، والعروضِ التي كانت تُقدَّمُ مجالاً جديدًا، دخلتُ مِن خلالِهِ إلى عالم المسرح، حيث أخذتُ في الكتابة عن هذه العروض مُحلّلاً وناقدًا، كما أنّي اشتركتُ مع هذه الفِرق كعضوٍ مؤازرٍ أساعدُ في الدّيكور والإضاءة والتلقين، ممّا ساعدّني على تطويرِ نفسي أدبيًّا وعمليًّا، وصرتُ أكتبُ المسرحيّاتِ والمقالاتِ المسرحيّة، إضافة إلى ممارستي المتواضعة في الشّعر، وكنتُ أحسُّ في داخلي ميلاً إلى كلّ هذهِ الأنواع الأدبيّةِ، ورغبة في الكتابةِ في شتّى المواضيع، شيءٌ ما في داخلي يشدُّني ويُحرّضُني على السّباحةِ في كلّ البحور، لا أعرفُ إن كان هذا الأمرُ إيجابيًّا أم تفتيتًا لمقدرتي الأدبيّة، وقد كان لهذهِ النشاطاتِ المسرحيّةِ تأثيرٌ إيجابيٌّ على تطوّرِ الحركةِ المسرحيّة التي نشهدُها اليوم، مِن تعدّدٍ للفِرقِ المسرحيّة، ورغبة الشباب والصّبايا في دخولِ الجامعاتِ والمعاهد لدراسةِ فنّ المسرح والتمثيل.

متى كان إصدارُكَ لأوّلِ مجموعةٍ شعريّة وكيف؟

بعد أن عملت نجّارًا مدّة عشرين عامًا، كان افتتاحي للمكتبةِ الحديثةِ لبيع الكتب والقرطاسيّة في شهر آب سنة 1970 نقطةَ تحوّلٍ في مسيرتي الأدبيّة، حيثُ صارَ يتردّدُ عليها الأدباءُ والشعراء، وتوطّدت علاقتي مع أغلبِهم، وصرتُ أشاركُ في اللقاءاتِ والنّدواتِ الأدبيّةِ والشّعريّة ونتداولُ فيما نكتب، هذه الأمورُ شجّعتني لإصدار أوّلِ مجموعةٍ شعريّة لي بعنوان "تلاحم الوجوه والمعاني" سنة 1973.

بعد أن أصدرتُ المجموعة أقامَ لي بعضُ الأدباء ندوةً أدبيّة، تحدّثَ فيها على ما أذكرُ كلٌّ مِن الأدباءِ والشّعراء طه محمد علي، جمال قعوار، فهد أبو خضرة، فوزي جريس عبدالله، د. جورج قنازع، وقد تحدّثوا كلّهم دونَ استثناءٍ بسلبيّةٍ قاسية، مُحطّمينَ المجموعة مِن النّاحيةِ الفنيّة والفكريّة، وطبعًا هذا الهجومُ كان مُغلّفًا ببعضِ كلماتِ المجاملة.

لم أدْرِ ماذا وكيف أردّ عليهم، يومَها وقفَ لهم مشكورًا الصّديقُ الشّاعر شفيق حبيب، وفنّدَ ملاحظاتِهم السّلبيّةَ وأحكامَهم الجاهزةَ سلفًا وليسَ نتيجة لتحليلاتِهم، وقد حطّموا كلّ ما أحسستُ بهِ مِن نشوةٍ وسعادةٍ لإصدارِ المجموعة، لكنّي لم أنكسرْ أو أتخاذل، بل تابعتُ طريقي بكلِّ قوّةٍ وعزم، حتى أنّ الشّاعرَ طه محمّد علي وفي ندوةٍ أخرى بعدَ بضعِ سنوات، تحدّثَ عن مجموعةٍ جديدةٍ لي بكلّ إيجابيّةٍ وحماس، مادحًا الأسلوبَ والفنيّة في أشعاري، ود. فهد أبو خضرة كتبَ دراسةً وتحليلاً لقصيدةٍ لي "الشهاب"، لا تتعدّى أبياتُها العشرة في أكثر مِن خمسة عشر صفحة، أشادَ فيها بفنيّةِ القصيدة وأفكارِها ومعانيها.

ما هي آخرُ أعمال إدمون شحادة، وكيفَ تُقيّمُ مسيرتَكَ الثّقافيّة بعدَ أكثر مِن نصفِ قرنٍ مِن العطاء؟

كان لمطالعاتي ودراستي الخاصّةِ تأثيرٌ كبيرٌ على تطوّرِ قدراتي وأدواتي الأدبيّة، فقد قرأت كتبًا في الشّعر والمسرح وفي الأدب عامّة، مِن أهمِّها على ما أذكر ثورة الشّعر جزءان الشعر والتجربة، فنّ الشعر، شعرنا الحديث إلى أين، الرّمز والرّمزيّة في الشّعر الحديث، وفي المسرح، المسرحية فن الدراما، مسرح توفيق الحكيم، وغيرها الكثير الكثير، وهكذا والحمدلله سرت وتابعت مسيرتي الأدبيّة، وقطعت أشواطًا لا بأسّ بها في كلّ ما كتبت، وتابعتُ إصداراتي مِن شعرٍ ومسرحيّاتٍ وروايات، واشتركتُ في ندواتٍ ومهرجاناتٍ عديدة، وأهمُّها معرضُ القاهرة الدّوليّ للكتاب سنة 1993، حيث تلقيت دعوةً شخصيّة مِن قِبل رئيس إدارة المهرجان د. سمير سرحان، للاشتراك في ندواتِهِ الشّعريّة لسنتيْن متتاليتيْن، كما أنّي فزتُ بعدّةِ جوائز أدبيّة، الجائزة الأولى عن أغنية "مشوار الحلوة" في مسابقة الأغنية المَحلّيّة سنة 1975، وهي مِن ألحان الأستاذ يوسف الخلّ وغناء المطرب متري بولس، وفي أوّل مسابقةٍ للمسرحيّةِ المَحلّيّةِ مِن قِبل المجلس الشّعبيّ للآداب والفنون، حصلتُ على الجائزةِ الأولى عن مسرحيّةِ "القدّيسة" سنة 1977، وكنت أوّلَ مَن قدّمَ لي التلفزيونُ مسلسلَ الصّنم، مِن إخراج المخرج المرحوم أنطوان صالح سنة 1977، وحين أعلنَ عن جائزةِ التفرّغ للأدبِ العربيّ مِن قِبل وزارة الثقافة، كنتُ مِن أوائل مَن نالَها سنة 1988.

في الوقتِ الحاليّ أعترفُ بأنّي مُقلٌّ في الكتابة، ربّما لظروفي الصّحّيّة أو ربّما لبعض التكاسل، وقد يكونُ مِن بعض جفافٍ أصابَ القريحة، لكنّي والحقُّ يُقال، أنا راضٍ عمّا قطعتُهُ مِن هذه المسيرة وبما وصلتُ إليه، مع أنّ الإنسانَ غالبًا ما يصبو إلى الأفضل والأرقى والأعلى، والحمدلله على كلّ شيء، وأنا أدعو كلّ الشّباب أن يَسيروا بالدّروبِ التي يرسمونَها لحياتهم بثقةٍ ووضوح، وأن لا يتخاذلوا أو يضعفوا في منتصفِ الطريق ..

عندما ترى الأسماءَ التي واكبتَها منذ مولدِك تتغيّرُ والأمكنةُ تُستحدَث، أين ترى نفسَكَ في القديم والجديد أو المستحدث؟

بالنسبة لجيلي أنا أحسُّ بأنّي كتبتُ أدبًا حديثًا شعرًا ونثرًا، كما أنّي أميل إلى كتابةِ شعر التفعيلة، مع أنّي كتبتُ بعضَ القصائدِ العموديّة، والقليلَ مِن الشّعرِ المنثور الذي لم يرُقْ لي شخصيًّا، بينما هذا النّوعُ مِن الشّعر يُغري لسهولةِ دخولِهِ والكتابةِ من خلالِهِ الكثيرَ مِن الشباب، قبلَ أن تكتملَ أدواتُهم أو أن يكونوا تعلّموا كلَّ فنونِ الأدب والشّعر والأوزان والبحور.

أمّا الأسماء التي يمكن أن تتغيّر فذلك يعودُ إلى الأديب ذاته، فإذا لم يتطوّرْ معَ الزّمن يبقَ على حالِه، وقد يبتعدُ القرّاءُ عنه، لذلكَ عليه أن يحافظَ على تطوّرِ أدواتِهِ وتطوّرِ أدبِه، حتّى يحافظَ على مستوى إنتاجِهِ وبالتالي على مكانتِهِ الأدبيّة.

يُطلُّ علينا ما بين فترةٍ وأخرى اتّحادٌ مِن هنا ومؤسّسةٌ مِن هناك، تُحاكي الوضعَ الثقافيّ والمثقفين. كيف تنظرُ إلى هذهِ الأجسام الوليدة، وهل تعتقدُ أنّها قادرةٌ على التعبيرِ عن الثقافةِ الفلسطينيّة، أم أنّها خاضعةٌ لأجنداتٍ حزبيّة؟

مع أنّنا بحاجةٍ لمثل هذه المؤسّساتِ والاتّحادات لتحافظَ على حقوقِنا، وتُقوّي التّرابطَ بيننا، وتُقيمَ النّدواتِ واللّقاءات، وتُعزّزَ العلاقاتِ بينَ أدباءِ الدّاخل وإخوانِنا مِن أدباءِ الضّفّة والقطاع والدول العربيّة، إلاّ أنّ أغلبَ الرّوابطِ التي نشأت كانت مرتبطةً مِن قريبٍ أو بعيدٍ بالتّيّاراتِ الحزبيّة، التي كانت تُؤثّرُ على نوعيّةِ نشاطاتِها، أو تدخلُ في متاهاتِ الصّراعاتِ الشّخصيّةِ والأنانيّةِ وحبّ السّيطرة، مما يُبعدُها عن أهدافِها ومبادئِها.

الشّعرُ تلاشى، وغابت القصيدة عن الأجواءِ العربيّةِ في ظلّ المستجدّاتِ على السّاحةِ العربيّة من ثوراتٍ وسقوطٍ للأنظمة. برأيك لماذا سقط المُثقّفونَ عندَ اختبارِ السّياسةِ والتّغييرِ القانونيّ؟

المثقّفونَ لم يسقطوا بسبب هذه المستجدّات، لكنّهم ومِن الأساس مرتبطون بطريقةٍ أو بأخرى بالمؤسّساتِ الحكوميّةِ والسّلطات، وطبعًا أنا أتحدّثُ عن الأدباءِ العرب في الدّول العربيّة، فهناك إمّا أن تكونَ مع النّظام، أو تركنَ جانبًا لا صوتَ لك ولا مكانَ ولا إمكانيّة العيش الكريم، وقد خبرتُ هذا شخصيًّا إثرَ لقاءاتي مع بعضِهم خلال اشتراكي في معرض القاهرة الدّوليّ للكتاب لسنواتٍ خلت، وطبعًا يبقى بعضُ الأدباء خارجَ هذا السّرب صامدين ولهم مكانتهم المميّزة، لكنّهم قلائل ، لذلك يتأثرُ الأدباء أو غالبيّتُهم بالمستجدّات التي تحدث سلبًا أو إيجابًا، أمّا الشّعرُ فيبقى شعرًا، والظروفُ هي التي تتغيّرُ ومعها الأذواقُ والمتلقّون.

كيف تنظرُ إلى واقعِنا الثقافيّ والأدبيّ.. هل هو بخير؟ وكيف ترى الأدبَ في الأجيالِ الشّابّة؟

واقعُنا الثّقافيّ ليسَ كما كان أو كما يجبُ أن يكون، هناك للأسف تراجعٌ وانزلاقات والأسباب عديدة، منها الحياة اليوميّة الصّاخبة، والرّكض خلفَ المادّة، ودخولُ عالم التلفزيون والحاسوب والإنترنت في صميم حياتِنا العمليّة والترفيهيّة، وعدم المبالاة والرّغبة الجادّةِ لحياةٍ أكثر علميّة وأكثر ثقافيّة وأكثر مسؤوليّة.

أمّا بالنّسبةِ للأدباء الشباب فهناك اندفاعٌ سريعٌ نحو الوصول إلى النجوميّة دونَ أساساتٍ قويّةٍ ومتينة، وقبلَ أن تكتملَ أدواتُهم العلميّة والفنيّة، وسهولة النشر في الصّحف وطباعة الكتب والمنابر التي يتسابقون للاشتراك فيها، فما أن يَنشرَ الواحدُ منهم قصيدة حتى يظنّ أنّه صارَ البحتريّ أو المتنبّي أو أمير الشعراء، طبعًا نستثني من هؤلاء الجادّين والمبدعين الحقيقيّين الذين يسيرون بخطى ثابتة ومدروسة إلى الأماكن التي يصبون إليها، والذين نأملُ ونرجو أن يكونوا هم خيرة مَن يحملون شعلة الفنّ والأدب ويواصلون الطريق .