مواضيع اخرى - حوارات



Facebook
صلاح الحمداني وسطور الهذيان PDF طباعة
الكاتب: حسين السكاف   
الإثنين, 27 حزيران/يونيو 2011 19:28

حاوره حسين السكاف:

salahalhmdany
لم يجلس على مقاعد الدراسة طويلاً، الحياة وقساوتها وقفت عائقاً أمام رغبة التعلم العارمة التي لم تفارقه أبداً. البيت الذي احتواه واحتمى بجدرانه كان غرفة واحدة تضيق بأفراد عائلة تضم عشر أرواح بشرية محشورة بين أربعة جدران، لذا فمن اللامعقول أن نتصور تلك الجدران وهي تحتضن مكتبة أو بعض كتب، كان الكتاب حلماً لذيذاً ظل يكحل عيون الصبي لفترة طويلة. كبر الصبي دون أن ينسى طفولته التي أينعت بين القسوة والخراب، صار شاباً يصطاد الكلمات ويكتمها سراً قبل أن تطلق موسيقى المعنى، كان كل شيء مؤجلاً، وكأنه على يقين بأن الحاضر الذي كان يعيشه ليس حاضره. يشتغل محارباً الجوع والعوز ويختزن ذهنه كل الكلمات الضاربة بمعناها أوتار الروح، تلك الكلمات التي كانت تتقافز من أفواه المثقفين كأسماك شبكة الصياد. إنه الشاعر والمسرحي العراقي صلاح الذي أدرج العام الماضي ضمن انطولوجيا الشعر الفرنسي، العراقي الذي توصل بجهود ثقافية ومعرفية شخصية بحتة، إلى أن يكون اسماً مهماً ضمن شعراء فرنسا بلد الثقافة والآداب والفنون بامتياز.

-أعترف أن الشاعر والفنان المسرحي صلاح

شخصية مُستفِزة، يذكرني بالكتاب المنتمين إلى جيل الستينيات من أبناء المغرب العربي، الكتاب الذين صاروا نجوماً في سماء الأدب والثقافة الفرنسية قبل أن تعرفهم بلدانهم، مثل الكاتب المسرحي الجزائري "كاتب ياسين" والكاتب والشاعر "محمد ديب" على سبيل المثال. حاولت أن أستبين ما تكنه روحه، ورحت أصف له بغداد وشوارعها وبعض الأجواء الخاصة التي خبرها من أهتم بالأدب والحركة الثقافية العراقية حتى بدأ بالحديث وكأنه يتحدث عن حلم أختلط فيه الجمال بالقبح وصار كالكابوس المؤلم ولكن بلذة خاصة:

حين خرجت من السجن السياسي عام 1973، بعد أن عُذبت وحُكم عليّ بالطرد من مكان عملي ومورد رزقي الوحيد. وبعد فترة من التشرد والجوع والعمل هنا وهناك، استطعت أن أغادر العراق حيث المكان الآخر وليس البديل، هناك وجدت نفسي كبِناء شُيّدَ من بقايا الأشياء، فأنا الحارس الذي كان يقدم قدح شاي الصباح إلى الموظف، أنا بائع قناني الكحول الفارغة أمام مدخل مستشفى الجمهورية.. مشتري خبز "أبو العانة.. الناعس في "خرابة الطنطل" في حي " أبو سيفين ".. أنا الذي يلتقط الكلمات الساقطة سهوا وتلك التي تسيل على دشاديش أصدقائي المساكين.. أنا الذي يكتب في دفتره كلمات مقوسة الظهور، محدبة المعاني. كل ما يترك هو ملكي، ما يسقط عمدا من مسودات الشعراء، ومن أفواههم. لقد ذهبت بعيدا، ويبدو أن من الصعوبة الإلحاق بماضِيّ البعيد... فظهرت كتاباتي ناطقة بما لم يتمكن الناس البسطاء البوح به، ما أهمله عمداً الأدب البرجوازي العراقي آنذاك، أن البساطة برؤية الأشياء، بساطة التمعن بأمور الحياة، تعمِّق مسؤولية المرء ورؤيته بوصف ما يدور من حوله، وبالضرورة تهذب إدراكه. هذا ما وجدتني عليه وهذا بالضبط ما أملكه من زاد ثقافي، فأنا بسيط جداً، وقريب الشبه بوالدتي الأمية.

-هكذا يضع الحمداني

سطوره أمامنا كسيرة ذاتية قريبة التشابه بواقع العراقي البسيط الذي خبر منغصات الحياة وحلاوة التغزل بهمومه اليومية مستخدماً روحه المحبة لبيئته وأبناء جلدته، ولكن، أعترف أني مهتم في هذه اللحظة أن أقف مع الحمداني على تلك المشاعر التي تذوقها وهو يتسلم ديوانه الأول مطبوعاً باللغة الفرنسية، كان ذلك عام 1979، وكان تحت عنوان "حناجر قروية " وحين سألته، راح يتحدث بسلاسة محببة ولكن صوره لم تكن خالية من الوجع:

لم أتصور يوما بأني سأنشر مقالة بسيطة أو قصيدة، بل حتى كلمة لها علاقة بالأدب، فكيف وقد صدر ليّ كتاب باللغة الفرنسية ؟ صراحة الأمر، منذ صدور كتابي الأول وحتى الأخير، تلازمني فكرة الكتابة كي أخذ حصتي بالوجود، حقي بالكلام وتلمس متعة نشوة الاحتجاج والتمرد، أريد أن يسمع العالم صوتي. لذلك تجدني بعيداً عن التأويلات، وما عملته، يبقى متواضعا، مقارنة بما أملكه من رغبة بالكتابة.. ذاتيا، أن ما قمت به، فعلة عظيمة الشأن بالنسبة لرجل لم تحتضنه مقاعد الجامعات والمكاتب، ولا يوجد أي شيء في محيط طفولته يجعله يفكر بالكتابة، ناهيك عن السفر. وحين وجدت نفسي مرميا في صخب هذا المجتمع المتنور والمتعلم، مجتمع مثل المجتمع فرنسي بثقافته التي غرف ولا يزال يغرف من ينابيعها كبار المثقفين والمبدعين العرب. كنت أملك طموحا بتغيير العالم، فلابد من إيجاد طريقة غير تلك المتعارف عليها، شيء يكون خارج ( المؤسسة ). شجعني على ذلك ما كنت أطلع عليه في الصحافة العربية من كتابات، وما كان يقع بين يدي من مقالات أدبية وشعرية عربية هنا في باريس، كنت أراها نسخة طبق الأصل مما يبدعه الفرنسيون في مجالي الفن والأدب. فكرت حينذاك بتأسيس مجلة تعني بالأدب - الشعر تحديداً - وتصدر باللغة العربية واللغة الفرنسية. وبالفعل صدرت المجلة التي حملت عنوان " طباشير " وساعدني على تأسيها أحد الشعراء الفرنسيين، ولكنها سرعان ما توقفت لأسباب مادية. بعدها أنشأت دار نشر مع شاعر فرنسي أسميناه " السلالم البيضاء " أصدر كتاباً واحداً ثم توقف لنفس الأسباب. كانت طموحاتنا أكبر من ماديات واقعنا، كنا نعرف هذا، ولكننا لم نعرف الاستسلام لسخافات الواقع المر.

-عند هذه الكلمة " الواقع المر " قاطعته لأتلمس عمق العلاقة بين الثقافة والمنفى داخله، وسألته: أنت مقيم في فرنسا منذ عام 1975، ولكن أولى مطبوعاتك جاءت بعد هذا التاريخ بسنوات، فهل يعني هذا أن المنفى وطقوسه وأوجاعه هو المحرك الأساس لنتاجك الإبداعي؟

النشر في بلد مثل فرنسا ليس شيئاً هيناً، أبداً، خصوصاً حينما تحاول أن تنشر قصائد مكتوبة بلغة البلد الذي تعيش فيه، أي بلغة غير لغتك الأم. تصور لو أن "بودلير" مثلا كتب قصائده الأولى باللغة العربية، أو "مايكوفسكي" كتب قصائده باللغة الإنكليزية؟ لقد صدرت باكورتي الشعرية الأولى بالفرنسية، وكانت مقابل مبلغ مادي استلفته من جدة زوجتي الفرنسية كي أغطي تكاليف الطبع والنشر. علماً أن شعراء فرنسيين معروفين كانوا قد فعلوا نفس فعلتي هذه، وأذكر الشاعر "كوكتو" الذي دفع هو الآخر ثمن مجموعته الأولى. أما اليوم فأنا لا أنشر في فرنسا دون مقابل مادي، أقصد حقوقي ككاتب. ولكن، إذا ما نظرنا إلى النشر في الدول العربية، فالأمر يختلف، فلقد قمت بدفع أثمان جميع كتبي المنشورة بالعربية، ولكني اليوم أهملت هذه الفكرة تماما، فلا يهمني كثيرا النشر باللغة العربية، إلا حين يأخذ الحنين من روحي مأخذاً. من كل هذا، أريد أن أقول لك، ليس المنفى وحده المحرك لنتاج الفكر والإبداع رغم أهميته. أكتب من أجل أخذ حصتي بالتعبير عن الحياة ومفرداتها كما الآخرين. منذ صدور كتابي الثالث في فرنسا وأنا أضع عمداً أسمي الصريح وصورتي خلف الكتاب وأكتب تحتهما بأني مناهضاً للدكتاتور، وأقف ضد حروبه. تلاحظ، أن هذه الطريقة بالتعامل مع الحدث اليومي، ليست فقط نادرة، وإنما لم أجدها عند ذاك الأديب الشاعر، الذي يعيش في أوربا بعيدا عن بطش البعثيين. وهذا ما جعلني بعزلة تامة عن الذين يتصدرون النشر وأدواته، ومنهم من رفض أن ينشر ليّ على أساس أني أتطرق للدكتاتورية والحرب والمنفى، وهذا يعني أن هناك سماسرة أدب وتجار جشعين، وأن المقابر الجماعية والحروب التي راح ضحيتها الملايين ناهيك عن ضرب الآمنين بالغازات السامة هي أشياء طبيعية في عقولهم، وأن المنفى موضوع تافه وعادي في حياتهم. ما أقصده، كان همي أن يصل نتاجي الأدبي لأعدائي وأصدقائي بنفس القوة، هذا جزء مهم من النضال الفكري بالنسبة ليّ، ضد الفاشية العراقية والعربية، في زمن كان شعراء معروفين يعملون في سفارات النظام الفاشي وقنصلياته في أوربا، ومنهم من أعتاد الذهاب إلى مرابد دكتاتورية البعث، أو كان يسامرهم في مطاعم أوربا، واليوم ومن دون حياء يقدمون أنفسهم مناضلين.

-المعروف عن صلاح الحمداني في الأوساط الفنية والأدبية بأنه شاعر أكثر من كونه فنان مسرحي، ولكن الحقيقة تقول بأن الحمداني اشتغل كثيراً في مجال المسرح وقام بتجسيد عدة شخصيات، أذكر منها، أنكيدو في ملحمة جلجامش، أحمد العربي المهاجر، وكذلك شخصية وليد الفلسطيني في مسرحية " كفر شما " ترى أي من تلك الشخصيات قريبة الشبه بصلاح الحمداني؟

المرة الأولى التي أقف فيها على خشبة المسرح كانت على المسرح الوطني ببغداد كعازف " صنج ". كنت صبياً أرتدي الدشداشة المقلمة، وكنت برفقة مجموعة من عازفي الطبول البغدادية " فرق المناسبات والأفراح "، وكانت تسمى بفرقة "علي خرابة " وهو أحد الأكراد الفيليين من محلة " قنبر علي " الذي طلب منه المسرح الوطني حينها أن يقدم فصلاً شعبياً ترفيهياً، وأذكر أن الجمهور استقبلنا حينها بالضحك والاستهزاء