Facebook
لحظات أبدية
الكاتب: هادي ياسين   
الخميس, 21 تشرين2/نوفمبر 2013 17:18

 

senmaa
لايجوز تكرار النشر دون الاشارة لمجلة سطور

 

لا يكاد أحد أن يتحدث عن السينما السويدية ، الا و كان المخرج ( انغمار برغمان ) حاضراً في الذاكرة ، حتى و أن لم يُذكر اسمه . فهذا المخرج السويدي ( 1918 ـ 2007 ) الذي اخرج أول أفلامه في العام 1957 ، ظل ـ و ما يزال ـ حاضراً ، ليس في تاريخ السينما السويدية حسب بل السينما العالمية أيضاً ، منذ الستينيات و حتى اليوم ، فغطت شهرته العالمية و سطوع نجمه كمخرج سويدي ، على جميع أسماء المخرجين السينمائيين السويديين ، على الرغم من رفعة مواهبهم و رقي أفلامهم . و من هؤلاء أحد اهم مجايليه المخرج البارع ( جان تروول ) مخرج فيلم ( لحظات أبدية ) ـ everlasting moments ـ الذي ترشح كأفضل فيلم أجنبي لأوسكار 2009 ، و صُنف في مقدمة أفضل عشرة أفلام للعام ذاته . و هذا الفيلم هو آخر أعمال هذا المخرج الدؤوب ، الذي مازال يواصل عمله السينمائي على الرغم من اقترابه من سن الثمانين . و قد يكون ( جان تروول ) مجهولاً لدى الكثيرين ، و خاصة في البلاد العربية ، ولكنه مخرج عرفته هوليوود منذ فترة السبعينيات عندما أخرج لها فيلمين لفتا اليه الأنتباه ، هما : ( المهاجرون ) و ( عروس زندي ) .

و بالترافق مع ترشيح فيلم ( لحظات أبدية ) للأوسكار ، و تصنيفه كأفضل فيلم للعام 2009 ، فقد حظي بثناء النقاد و الصحافة العالمية عليه ، فترك بصمة ايجابية ليس في سجل المخرج حسب ، بل وفي سجل السينما السويدية أيضاً ، مما أعاد التذكير بها ، و أعادها الى منطقة الضوء ، في الأقل لدى النخبة السينمائية التي تتعامل مع فيلم كهذا باعتباره ايقونة ابداعية تصنف في خانة المُنتـَج الثقافي الجاد و العميق ، و ليس عملاً يهدف الى الولوج في سوق السينما من جهة الهالات الكاذبة التي تصنعها مافيات السينما لأفلام ٍ مبهرجة .

يستفيد الفيلم من قصة حقيقية ، و هي قصة امرأة سويدية ( ماريا ) تفوز ذات يوم بآلة كاميرا ، و تحتفظ بها لفترة طويلة ، حتى جاءت الحاجة الى بيعها لمواجهة الظرف العائلي الصعب الذي يكون الإحتفاظ ، حياله ، بكاميرا .. ضرباً من البطر . ولكن صاحب استوديو التصوير المصور بيدرسن ( جيسبر كريستنسن ) ينصحها بالإحتفاظ بها ، و يشجعها على استخدامها ، بل و يعلمها طريقة الإستخدام ، فضلاً عن تزويدها ببعض ألواح التصوير التي كانت تـُستخدم في ذلك الوقت ، حيث تبدأ أحداث الفيلم في العام 1907 . . و من هذه النصيحة ، يبدأ التطور الدرامي في حياة هذه المرأة ( ماريا هييسكانن ) التي ستجد في كاميرتها تعويضاً و وسيلة قوة ٍ في مواجهة ظرفها النفسي الصعب الذي يسببه لها زوجها سيغموند ( مايكل بيرسبراند ) ، والظرف الإقتصادي القاسي لعائلتها ، فضلاً عن الظرف الإجتماعي الصعب الذي كانت تعيشه المرأة السويدية في ذلك الوقت ، و الذي لم تكن قد حصلت فيه على حقوقها ، بعد .

يبدأ الفيلم بحديث راوية ٍ تخبرنا بأن أمها كانت قد فازت بكاميرا في احدى المسابقات بعد اسبوع من تعرفها على ( سيغموند ) ، الذي اعتقدَ بأنه سيكون مشاركاً في ملكية الكاميرا لأنه كان مساهماً في شراء البطاقة الفائزة ، ولكن ( ماريا ) تشترط عليه أن يتزوجها أولاً كشرط لقبول مشاركته في ملكية الكاميرا . و على هذا الأساس تم زواجهما . هذه الراوية هي بنتهما ( مايا ) ، و يعتمد السيناريو على روايتها للأحداث على مر مراحل حياتها ، مما يقدم صيغة منطقية و مقبولة لتطور دراما الفيلم . و لقد تعاقبت ثلاث فتيات ممثلات على الإضطلاع بدور ( مايا ) الراوية ، وهن : ( كاللين أورفال : للمرحلة من سن الثامنة حتى العاشرة ) . ( نيللي المغرين : للمرحلة من سن الخامسة عشرة حتى الثانية و العشرين ) . و أخيراً ( بيرت هيريبر ستون : التي تستمر روايتها حتى نهاية القصة ) .

العصب الرئيس الذي بات يتحكم في حياة ( ماريا ) يتمثل في سلوك زوجها ( سيغموند ) ، الذي يُعرف عادة ً بإسم ( سيغ ) ، و هو رجل وسيم ، ولكنه حاد الطباع ، يعاقر الخمرة باستمرار ، على الرغم من فقر حال العائلة التي تكاثر أفرادها . و كثيراً ما كان الرجل يُقاد الى المنزل مخموراً ، فبات يسبب للزوجة احراجاً ، بسلوكه ، أمام جيرانها و أهلها ، و فوق هذا و ذاك راح الرجل يخونها مع عاملة البار ، و هذه الغانية هي التي تنبهه ، في حالة جذل ذات مرة ، الى صورة زوجته المعروضة ، كنموذج ، لدى استوديو المصور ( بيدرسن ) ، فيدخل الأستوديو محتداً ، ليأخذ الصورة عنوة ، و من ثم يذهب كي يعنف زوجته بقسوةٍ يتوّجها بالضرب . و لم تعد ثمة حدود لمعاناة ( ماريا ) مع هذا الزوج ، ففضلاً عن التفاصيل المؤذية الكثيرة التي سببها لها ، فقد دخل السجن مرة بسبب مشاركته في إضراب عمالي ، و ترك مسؤولية العائلة على عاتقها وحدها ، ولكنها ـ على الرغم من ذلك ـ استقبلته عند باب السجن حين اُطلق سراحه ، و عادت معه و هي تتظاهر أمام الجيران بالمودة التي تجمعهما ، و عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى و انخرط في صفوف المحاربين ، عادت فتحملت مسؤولية العائلة لوحدها .. من جديد .

و في احدى حالات حنقها من تصرفاته معها ، تلجأ الى محاولة اجهاض نفسها عن طريق صعود الطاولة و القفز منها و اعادة تكرار ذلك عدة مرات . و يبدو أن مشكلة ( ماريا ) لم تكن محصورة في غياب الإرادة و الحرية و الحقوق الشخصية التي تتمتع بها المرأة السويدية اليوم ، حسب ، بل في التقاليد الإجتماعية العامة ، ذاتها ، التي غيبت تلك الحقوق أصلاً و منحت الرجل ، في ذلك الوقت ، الحظوة الأولى و الأكبر . هذا فضلاً عن الإلتزام الأخلاقي و العائلي الذي كانت ( ماريا ) مقيدة به شخصياً . ففي إحدى المرات ، تجد أن لا ملاذ لها من قسوة زوجها غير ابيها ، فتذهب اليه و على وجهها آثار كدمات أحدثها لها الزوج الأهوج ، لكن الأب يقول لها : ( عودي الى بيت زوجك .. فليس لك غيره ، أما أنا فذاهب الى أمك ) ، فتقول له : ( أمي ميتة ) . ولكنه لا يلقي بالاً لقولها ، دلالة أنه راحل ليلتحق بإمها .. أي : إعتمدي على نفسك ، فلم يعد لديك ظهير .

و إذ تجد ( ماريا ) نفسها في مواجهة الحقيقة القاسية ، فأن هذه الحقيقة ذاتها توجد للكاميرا حيزاً في حياتها ، كي تمنحها بعض التعويض ، أو القوة الخفية الشفافة ، حتى و إن كانت على شكل تسلية ، و بذلك فأن هذه الكاميرا تحوز على دور لها في الفيلم إن لم نقل أنها اضطلعت ببطولة غير ظاهرة ، و تقاسمتها مع ( ماريا ) . و هذا الدور ما كان ليبين أثره لولا رواية البنت ( مايا ) للأحداث ، و التي على الرغم من أن دورها لم يكن فاعلاً في العائلة في مواجهة الدور الرجولي القاسي للأب الذي هيمن ، بقسوة ، حتى على دور أخوتها الذكور ، إلا أن دورها الأساس قد تمثل في تخزين الأحداث في ذاكرتها ، ومن ثم سردها .. كما رسم السيناريو لها ذلك .

بعد سنوات ، تعثر ( مايا ) على لوح تصوير لم يمسسه أحد ، تبين أنه يحمل صورة خاصة للأم ( ماريا ) ، و كانت قد التقطتها ـ ذات يوم ـ و هي جالسة أمام المرآة . و تقول ( مايا ) : ( كانت هذه هي الصورة الوحيدة التي التقطتها أمي لنفسها ) . ثم تتساءل : ( لا أدري ما الذي كان يجعل أمي مرتبطة بأبي رغم كل ما عانته منه ) .. و تجيب : ( أعتقد إنه الحب ) . إن فيلم ( لحظات أبدية ) ، بقدر ما يؤرخ فنياً لمرحلة من مراحل الحياة الإجتماعية في السويد مطلع القرن العشرين ، فأنه ـ و من خلال صنعة سينمائية باهرة ـ يعيد تذكيرنا بالسينما السويدية التي تتسم ، عادة ً ، بعمقها الفكري و بشاعرية طرحها . و ربما كان هذا الفيلم إسقاطاً ـ أيضاً ـ لعلاقة المخرج ( جان تروول ) نفسه بالكاميرا ، فالمعروف عنه أن علاقته بها قد بدأت منذ أن كان في الرابعة عشرة من عمره ، كمصور هاو ٍ ، ثم تعمق ولعه بهذه الآلة مع تعميقه لتجربته الفنية الثرة ، الى درجة أنه يقوم بتصوير أفلامه بنفسه ، كما هو الحال مع فيلمه الجميل هذا : ( لحظات أبدية ) .