Facebook
دلالة الصورة في رؤية الفيلم القصير
الكاتب: عباس خلف علي   
الأحد, 07 تشرين1/أكتوير 2012 21:15
 
koales
الكاتب: عباس خلف علي
تجربة الكتابة عبر الضوء
إذا أردنا أن نتحدث عن الفعالية الذهنية للإشارة المكتوبة في النص الأدبي ، فأننا على الغالب لا نختلف عن تعدد وتنوع الدوال المنتجة عنها ، أي إننا إذا أردنا أن نصل إلى واقع تلك الإشارة نحتاج في طبيعة الحال إلى متلقي متمكن من تحويل مصادره إلى محطة اختبار على حد وصف محمد برادة ،
لأن قاعدة الاحتمال والافتراض لا تحدث بسهولة للقاري ولا تتعامل معه طيعة أو مرنة ، وهذا بالضبط ما يحدث مع المشاهدة / التلقي عند العرض السينمائي ، لأن الإشارة تبقى ببساطة موضع تجاوز مستمر لما يمكن أن يدور في أحلامنا وتصوراتنا وخيالاتنا ، وهذه النقطة بالذات فسرت لدى الكثير من المنظرين السينمائيين تساؤلهم عن مدى الاختلاف والتحول مابين النص الأدبي واللغة المرئية ، ورغم أن السؤال يظل قائم إلا أن المعطي له يبرر عادة بمعادلة سهلة مفادها ، أن ذهنية التلقي عند القراءة تسبح في أفق مفتوح بينما اللغة السينمائية تمنح المشاهدة رؤية المخرج المجسدة في الثيمة / الموضوع أو في التعابير المشخصة امامهم . وعلى ضوء هذه الفعالية نتحرى دائما مايضمره النسق في الخطاب السينمائي وخصوصا الموجة الجديدة للفيلم العراقي القصير التي بدأت تسجل حضورا ملفت لماهيتها وتشيؤها ، وهي بذلك تتناغم بشكل أو بآخر مع موجة الفيلم القصير التي أخذت بالأتساع والتطور في العالم كفن له خصوصيته وعالمه في طرح مواضيعه المتميزة بتكثيفها واختزالها عن الفيلم الطويل باهظ الثمن .
ومع ذلك تبقى الأفلام القصيرة في تكثيفها وتركيزها تتمتع بلغة الكاميرا وزمنها وسحرها هي المهيمنة على بعض التجارب السينمائية التي سنتناولها في هذه الورقة وكما جاء في قول الناقد هاشم النحاس ، لايهم إن كان النهر طويلا أو قصيرا ولكن مايهمنا أن تكون الأسماك سعيدة فيه ، وعلى ضوء هذا الفهم نقوم بقراءة هذه الأفلام وهي كالآتي
أما في عالمنا العربي والحديث بإيجاز ، أيضا أختلف الأسلوب وتباين في طرح الأفكار والمعالجة الفلمية لها فنرى مثلا في أعمال يوسف شاهين وشادي عبدالسلام و مي المصري تختلف عن اعمال جان شمعون وقاسم حول وفيصل الياسري ومحمد شكري جميل وعطيات الأبنودي ، فنعتقد إن الأختلاف هو درجة نجاح الفيلم وقدرته على فعالية التوصيل والتواصل في مواضيعه . وبنفس درجة الاختلاف في الأساليب نتحدث عن الأفلام التالية : كوابيس للمخرج أياس جهاد وأزهار وشظايا للمخرج حسين فالح وأبواب وشبابيك للمخرج علاء مشذوب واكسباير للمخرج مروان ياسين . هذه التجارب تنوعت وتباينت كما أسلفنا في طريقة أدائها وأسلوبها للتعبير عن الموضوع ، في مراحل إنتاجية صعبة للانجاز ، ومع ذلك نعتقد ومن خلال تجربتنا المتواضعة مع أفلام عراقية قصيرة سواء في المهرجانات أو خارجه ،من أنها تسير عبر خطين متوازيين أحدهما يبدأ من الحافز الذي يتشكل عند السينمائيين الشباب والآخر إذا تجاوزنا استخدام التقنية واستحضارها في الفيلم على اعتبارها جزء لايتجزأ من ميزانية الفيلم المرتبط بحجم الإنتاج وجهة التمويل فأننا نعتقد إن مايسمى بثقافة رأس المال وأيديولوجيتها تؤثر على مستوى الأداء والآلية التي يتقدم بها الشريط .
الأساليب في الأفلام القصيرة متنوعة ومعروفة وإن جرى اختلاف بين هذا الفلم أو ذاك فهو لايتعدا البعد التصوري في العملية الإخراجية فمثلا السينما التجريبية عند – ستان براكاج – هي عبارة عن صورة مجازية للعين والعين يقصد بها عين الكاميرا ، فهذه المقولة استهوت جماعة ألان روب غرييه في السينما الفرنسية الجديدة لتحرك أفكارهم نحو لغة الشاشة ، بينما آخرين مثل البريطاني غريرسون أو الهولندي بورنس ايفنز أو الروسي فيرتوف بقوا اوفياء إلى حدما على الأسلوب التسجيلي للفيلم الذي يكرس اهتمامه في الحديث عن ظاهرة ما ومن ثم يقوم بإبداء وجهة نظر حولها . :
أولا : فيلم - كوابيس - مدة العرض 24 دقيقة أخراج أياس جهاد
اعتمد أياس مادة روائية في فلمه القصير ، معلم يعاني من اضطرابات نفسية حادة ، تعرض لها اثناء اعتدائه بالظرب على أحد الطلاب بشكل هستيري غير منضبط مما أدى إلى فقدان الطالب الوعي ورغم شعور المعلم بالذنب ومحاولة جلد الذات مادام هذا المشهد الدامي الذي اقترفه بحق الطالب ظل ملازما له ويراوده كلما وضع قدمه على عتبة المدرسة ، وإن تداعياته ، أي المشهد تشتد ضراوة إلى درجة اكتوائه بلسعة التهيؤات ليبدو له أن حبل المشنقة بات يطوق رقبته ، المفارقة في هذا الأمر ، إن الطالب الذي تلقى منه الظربات المبرحة كان يجهل تماما ما أصاب المعلم ويمارس هواياته في الكلام واللعب بشكل طبيعي ، بينما شبح تلك اللحظة القاسية مازال يتصورها عنيفة ، شديدة ، مرعبة ، ولذا كانت تضاعف لديه الإحساس بالبؤس والانطواء والشعور بالغربة النفسية وإن كان قد ألف المكان إلا أن مهيمنات المشهد كانت أقوى من أن يتداركها وينجو منها لو لم تدركه لحظة حب في الوقت المناسب كي تعيد اليه توازنه وتحاول سحبه من خيوط الأوهام والكوابيس التي تجتاحه بلا هوادة . تقريبا هذه الفكرة الأساسية التي اشتغل عليها الفيلم ، وكشأن أغلب الأفلام القصيرة ( السينورواية ) تعتمد على جانبين اسساسيين هما محاولة ضغط الفكرة وتشكيلها في بناء هارموني خاص والتركيز على لقطات صانعة أو مايسميها سمير فريد بالقناطر الرمزية التي تنشيء بين الأحداث والأشياء ، وهذا ما وجدناه مثلا في مقاربة الأكلوزات ( الصور الاستشعارية ) مع اللقطات العريضة المفتوحة ، التي تحدث عنها اندريه فايدة في كتابه – انعكاس الضوء – من أن التركيب البؤري لتلك المحاولة ينبري على المخرج الحذر منها لأنها يفترض أن تدخل الشريط بمقاسات الرؤى وليس المشاهدة فقط . إذا كان هذا المفهوم يجري التعامل معه في الفيلم الطويل وخصوصا في عملية المونتاج / التحضير والأعداد والتنفيذ وهنا نتساءل عن مدى تشكله في فيلم اياس القصير . نقول وبصراحة إنه اقترب من هذا المفهوم وجسد لنا التكوين الذاتي للصورة المعبرة مع احتفاظ الإيقاع بمستوى الحدث وتقلباته بحيث أن الصورة كانت تتماشى أو جزء محرك وفاعل في السياق الفلمي أو مايسمى في الأدب مجسمات وحدة الموضوع ، ومن ثم ربط هذه الصور بدلالات حسية وإنفعالية من أجل خلق فني يوازي الحقيقة ويضاهيها في الجوهر والعطاء .. وفي هذا السياق قال جان ريينيه من جماعة السينما الحديثة في فرنسا ، إن السينما تبدأ حينما ينتهي الكلام ، وإن التعبير الأدبي مهما تكن قوته وبلاغته لايتعدا رؤيتنا السينمائية فيما نحتاج إليه . ليبقى فلم كوابيس اشارة طيبة في مشوار أياس السينمائي وخصوصا إنه عرًفنا من خلال اسلوب اخراجه للفلم لديه امكانيات تمتلك مقومات استمرارها وعطائها الفني والجمالي والحرفي .
ثانيا : فيلم – أبواب وشبابيك – مدة العرض 25 دقيقة سيناريو عمار الياسري إخراج علاء مجذوب
هذا الفيلم يعد من الأساليب التسجيلية التي تهتم بقضايا الواقع من رموز وشوا خص وحوادث وما إلى غير ذلك من أمور تتعلق بهذا الشأن ، وأهم ميزة في هذا الأسلوب إنه يلجأ إلى شخصيات لها علاقة بالموضوع بحيث تأخذ على عاتقها إدارة دفة الحديث عنه . إن فكرة الأبواب والشبابيك فيها نوع من التأكيد على الخصوصية والهوية ومدينة كربلاء بالذات التي خرج منها الفلم تميزت منذ زمن ليس بالقليل في إنتاج فن زخرفة الأبواب والشبابيك ،وإن رصد نوعين من الأعمال التي التصقت بحرفي المدينة ومنحتها الريادة في تشكلاتهما التي تدخل في صناعتهما تقريبا أغلب الحرف والمهارات التي كانت تتبارى في تقديم مواهبها سواء في الحفر على الخشب أو في التشكيل المجسم على الشبابيك ، إذ كانت الأبواب بالإضافة إلى تمتعها واحتوائها وحفاظها على الرونق والجمال كانت تمثل في ارتفاعاتها قامة المدينة وموقعها كما أشار إلى ذلك علي الوردي في كتابه العراق بين احتلالين ، المهم ، الفيلم يستعرض هذه المعالم بشكل مكثف وراكز عبر مجموعة مختارة بعناية لهذه المهمة ، تمثل فيها الشاعر والرسام والمؤرخ والصنايعي وهي إضافات مهمة لدور الصورة وبعدها الإنساني في عملية تجسيد بقائها حية تنبض بالوجدان وشحن العواطف إزاء قيمها الأسطورية ساحرة المعالم . الفيلم يحاول أن يؤكد هذه الحقيقة ، حقيقة ( الذاكرة الجمعية ) ويبرزها كوثيقة غير قابلة للعطب أو النسيان او الأهمال . تميز هذا الفيلم بالتزامه إلى حدما بالسيناريو المعد له سلفا ، وهذه حقيقة لايمكن إغفالها بالأفلام التسجيلية ، ولذا ينأى الكثير من السينمائيين عن هذا الأسلوب لأنه يقيد بعض الأحيان حرفية الإخراج بأحكام النص وتجعله خاضعا له ومع ذلك كان الفيلم يتمتع بلقطات حسية قادرة على اللعب بالعواطف والمشاعر وكذلك لاحظنا حركة الكاميرا كانت موفقة بخروجها من – البلاتوه – والتصوير في الأماكن الحقيقية وغير المصطنعة وفي هذا الصدد ذكر المخرج البولندي –بورنس ايفنز- ان تنظيم الواقع المرئي غايته هو الوصول إلى معرفة الواقع وإعادة سطوع الحقيقة ونبضها من جديد . بقى أن نقول بالرغم من تحفظنا على ماقيل في الفيلم حول الأبواب والشبابيك ،وبعض اللقطات الصريحة للأبواب التي كان بالإمكان الاستعاضة عنها بأبواب أخرى وكربلاء القديمة زاخرة بها ، فأنه ، أي الفيلم ، اكد من جديد حرص السينمائي الشاب وتطلعه إلى خوض غمار التجربة وتعميقها وتأصيلها في مرئيات تغفل عنها العين أحيانا .
ثالثا : فيلم - اكسباير - مدة العرض 24 دقيقة سينلريو وأخراج مروان ياسين
ترتكز موضوعة الفيلم على ثيمة إنسانية أفرزتها إشكالات الحرب ، ليبدو النموذج الذي عاش تفاصيلها يصبح بعدئذ جزء من حياتها وذاكرتها ، وهكذا نرى تحولات الضابط ( د . محمد اسماعيل ) الذي أجبرته الظروف أن يعيش وضعا بائسا ومزريا ، وهو يواجه الاحتلال ، الإقالة الجماعية ، الوحدة ، الانطواء ، الانزواء ، هذا الانكسار هدد عواطفه ومشاعره إلى درجة اليأس ، ومن هذه اللحظة المظللة تنفتح الكامرة بلعبتها المراوغة إزاء الشخصية المحورية التي تواجه كل هذه الأشياء بتوتر وانهيار نفسي . نجد أن الفنان مروان استخدم تكنيك الأسلوب التجريدي في معالجة الفيلم ، وهو أسلوب لايهتم كثيرا بتتابع الأحداث أو تسلسلها ، ويمنح أمام إمكانات التعبير السينمائي فرص أكثر غنى في تشكلات اللقطة ، يقول السينمائي الفرنسي جان رينيه ، بمقدور الموهبة دائما أن تتحرر من رتابة المواضيع المكررة وحتى المطروقة منها بخلق مناخات وإضافات تعيد صياغتها فنيا وجماليا إلى درجة يمكن مضاها ة الأصل الذي نشأت منه ، وكذلك يستحضرني قول يوسف شاهين مفسرا فيه عمق اللقطة ودلالتها ، من أنها لغة ومن خصائص هذه اللغة أن تعتني بنسق الجملة الفلمية ومكوناتها في سعة الخيال الذي لاتقيده قوانين الطبيعة المألوفة ، وفي هذا الصدد اشار عمود التجريب في السينما الأمركية ستان براكان من أن أي قصة فيها حركة وتعبير بينما يتخيل المخرج عينا تفرق كل شيء من خلال مغامرة الأكتشاف . في فيلم أكسباير كان الزمن محسوب بدقة لكل لقطة ، حركة الكرة ، صافرة صبي الحمام ، الرتب العسكرية ، سقوط الطائرة ، لحظة الانتحار ، دوران المعاق في الحديقة ، العلم الأحمر ، خرطوم الرشاش ، زئبقية المحطات . بحيث لم يأخذنا هذا التعدد في تنوع اللقطات واختلافها بعيدا عن وحدة الموضوع ، بل إنه ضاعف بنائه عبر توظيف عناصر الفيلم من ديكور ومؤثرات صوتية واللون لتشترك ليس فقط في جمالية النسق الفلمي وإنما لتتحمل جزء منه ، وبذلك نرى أن المشاهد التي صيغ منها الفلم تجاوز المرئي من الخارج باتجاه النوازع وحرارة تداعياتها وقيمها التعبيرية والفنية . بحيث تبدو الصورة ( أعني بها المشهد ) كم هو معروف في سينما اللقطة مع تباين الرؤية فيها طبعا ، إنها تتحمل نسق الجملة السينمائية في الدلالة والانفتاح على أفق الاحتمال والتوقع ، وبذلك نعتقد أن التعدد والتنوع الذي وظف في الفلم – اكسباير – كان على درجة عالية من الأتساق التجريبي ، أي لاحظنا مرونة الزمن بفعله وحركته بين الحاضر السردي / نص الشاشة وعملية الاسترجاع والتقطيع ( لا نقصد المونتاج وإنما تحول اللقطة ) قد حققت مؤثرات فاعلة في توكيد القيمة الفنية وبالأخص فيما يتعلق ب ( الفلاش باك ) واللعب على الزمن السينمائي واستحضاره إلى أبصارنا . في هذا الشأن ذكر الناقد الأمريكي المعروف آدمز سيتني في كتابه – الرؤية السينمائية –إن حراك الفكر البصري يعتمد على خلق صور مركبة استثنائية وهو بذلك يؤكد ماقاله براكادج من قبل في جعل الكاميرا صورة مجازية للعين . بقى لنا أن نقول بالرغم من أغلب المشاهد الجميلة التي إحتواها الفيلم كان حري بالرؤية الأخراجية أن تتلافي بعض عيوب التكرار في المشاهد كما لاحظنا في دوران الرجل المعاق في الحديقة ، تبادل اللقطات بين الضابط المقال وصورته .. ومع ذلك كان الفيلم ملفت في استخدام الإنارة والديكور والموسيقى لتمنحنا من موقع المشاهدة تمكنه من تجسيد لغة الشريط وإيحاءاته في بناء الصورة .
رابعا : فيلم - أزهار وشظايا - مدة العرض 8 دقائق سيناريو وإخراج حسين فالح
سيناريو الفيلم عمل على موضوعة مابعد الحرب وبالتحديد الموقف من الغزو والاحتلال ، وبهذا الشكل تأخذ القصة السينمائية دورا أضافيا للمكون الفني في أن يكون لها بعد انساني ، المهم ، يبدو نسيج القصة في الفلم منفتح على كل الشخصيات ، رغم تمحوره حول قضية واحدة ، كما نرى : صاحب مكوى يدخل عليه الابن حاملا معه شظية ، وبعد أن يعرف الأبن البريء في تصرفه وسلوكه وهو يحاور ابيه إن المقصود من هذه الشظية هي لأرعابهم وتخويفهم ،ومن ثم يدرك الأب بأن عليه أن يهدأ من روع ابنه الصغير وهكذا فعل ولكن سرعان ما تنشط لديه حاسة الخوف من المجهول ، وخصوصا إن الشظية تحمل بصمة الاحتلال ، هنا يبدأ السؤال ، لماذا المدرسة مقصودة ، وما تعني الشعارات البراقة التي يرددها البعض عن هؤلاء الغزاة ، وفي تشكيل درامي تظهر بدلة عسكري أمريكي مرسلة للكوي ، فتختلط لدى الأب الصورة ، وأعتقد إنه تصور دماء أبنه تنسكب فوق البدلة ، أي أن هذه البدلة مسؤولة عن دماء الأبرياء والخراب الهائل والشامل لكل مفاصل الحياة . وفي المقابل تفتح المدرسة أبوابها ، يتجمع الطلاب ويرتفع صوت الحناجر الغضة على ايقاع رفعة العلم بنشيد حماسي . هذا باختصار شديد ما تضمنه الموضوع ، أما المعالجة الفنية / السينمائية التي احتوى عليها الشريط ، نستطيع أن نقول إن الفيلم اعتمد على اللحظة الراصدة للقطة ، كوحدة زمن ، التي ينبثق منها إيقاع الحدث والانفتاح على عدة مستويات في التركيب البؤري للصورة ، الغريب في هذا الأسلوب إن بعض المخرجين لا يعتنون به مثل الفنان القدير يوسف شاهين وخصوصا تصريحه حول إخراج يوميات نائب في الأرياف بقوله ، أن هذا الموضوع من اختصاص مدير التصوير أنا أكتفي برؤيتي الإخراجية للمشهد . هذا المبدأ وإن يحمل بين طياته نوع من الخبرة والتجربة في آن ، ولكن هل يمكن أن يتصرف مدير التصوير بعيدا عن مخطط ( الأكسبرس ) الذي حتما فيه جزء من رؤية الإخراج أوعلى الأقل هل بإمكانه أن يغفل عن أي لقطة يحتاجها عند التنفيذ ، ولذا من غير الممكن حسب اعتقادي أن يخترق الإخراج مهما كانت حرفية هيئة إدارة التصوير ، ومن هنا لاحظنا اشتغال حسين يجري على وفق الرؤية المجسدة للقطة وهذا ما وجدناه في اقتصاده في المشهد ، التركيز على بعد الصورة وقربها ، الملامح والتعابير التي تعكس درجة الانفعال والتوتر ، وأحب أن أشير هنا إلى مشهد أكداس الملابس التي تبرز من خلالها بدلة العسكري الأمريكي بعلمها المستطيل وهي تسبح بالدم العراقي ، وهو يذكرني بفيلم مجازي لفيروتوف حول لينغراد اسمه – بلورة العشق – اثنا عشر طيرا يكشفها الرادار المعادي فيرسل لها سرب من الطائرات المقاتلة مصوبا مدافعها نحو هذه الطيور لتسقط جميعا في البحر ليتغير بعد ذلك لونه على شكل خارطة لينغراد ، هذه الأقنعة مناسبة في الأفلام القصيرة لو يجري تعميقها والاشتغال عليها ، مثل مارأينا في انتزاع الصبايا لشرائطهن ,وإشارة لأيادي الطلاب الممدودة نحو الحفرة التي تركتها الشظية على مايبدو في عمود السارية ، وخارطة العراق التي تنفتح فيها الصورة على تأويل المشاهدة من دون أن تحدده بمرئية ساكنة وجامدة . وهذا لايعفي الشريط من بعض المشاهد المقحمة في تركيب الفلم ومنها ، الجري السريع ، اللقطات البطيئة ...... ولكن على العموم كان الفيلم يحمل بصمات إخراجية قادرة على تفعيل رؤيتها فيه .
خلاصة القول : إن جميع الأفلام التي تعرضنا لها في هذه الورقة كان لها مشتركات لايمكن تجاوزها أو إغفالها وهي إنها جسدت أحاسيس ومشاعر الإنسان العراقي وسبرت أغواره وكشفت مايواجهه من أخطار محدقة به ، واحتوت بأساليبها المتنوعة قراءة فاحصة ، بوصفها عين الكاميرا ..عين تتجاوز المرئيات نحو الرؤى .