Facebook
المخرج ديفيد فينشر وخيط اكتشاف القاتل
الكاتب: متابعات   
الإثنين, 09 أيار/مايو 2011 19:44

DavidFincher
في فيلم "سبعة" للمخرج ديفيد فينشر، يبدأ خيط اكتشاف القاتل، بحصول المحققين البوليسيين (مورجان فريمان وبراد پِت)، وبطريقة غير شرعيّة، على قائمة قارئي الكتب المشبوهة، تلك القائمة التي تعدها ـ سراً ـ وكالة المباحث الفيدراليّة، وتتتبع فيها الكتب "الخطيرة" المُستعارة من المكتبات العامة، أي، يبدأ خيط اكتشاف القاتل نتيجة غش في قواعد اللعبة؛ اللعبة التي تقوم ـ كما في كل فيلم بوليسيّ كلاسيكيّ ـ على الصراع ما بين محو الآثار في المدينة الكوزموپوليتانية، وبين اكتشافها، وتمكن القاتل التام من قواعد اللعبة يُغريه بتخليف آثار ـ عن قصد وتصميم ـ تقود إلى الجرائم التي يرتكبها، لكن هذه الآثار، من ناحية أخرى، تُبعد عنه الخصوم بنفس المسافة، لولا الغش! الغش الناتج عن إدراك المحققين لتفوق القاتل المهنيّ عليهما، ويأسهما من الإمساك به إن ظلا على التزامهما بأصول اللعبة، فيستعينا بأداة من خارج أدوات اللعب، ليظل القاتل في "سبعة" هو وحده من يلتزم بقواعد اللعبة ويلعب بشرف حتى النهاية.

غش مورجان فريمان وبراد پِت كان غشاً في قواعد اللعبة من خارج اللعبة، لكنَّ هناك غشا أخطر هو الغش من داخل اللعبة، غش المحترف المتمكن، غش المهنيّ الذكيّ الذي استوعب القواعد ويُحوِّر غاياتها لمنفعته، قد تُعبِّر عن هذا النوع المغالطة المنطقيّة الرواقيّة القديمة بين المُعلم بروتاجوراس وتلميذه أواثلس؛ حيث اتفق الأول أن يُعلم الثاني فنون الترافع أمام المحاكم الإغريقيّة لقاء مبلغ معين، على أن يدفع التلميذ لأستاذه عقب مزاولة المهنة وكسب أول قضيّة يترافع فيها، لكن التلميذ ماطل في الدفع، وحاجج بأنه لم يترافع بعد أمام المحكمة ولم يكسب أيّ قضيّة، فما كان من بروتاجوراس إلا أن أخبره بأنه سيرفع عليه دعوى لدفع ما عليه من مال، وسيكون على أواثلس أن يدفع حتماً: لأنه إذا حكم عليه القضاة بالدفع فسيتوجب عليه الدفع وفقاً لقرار المحكمة، وإذا لم يُحكَم لصالحه، فإنه يتوجب أيضاً أن يدفع، لأنه سيكون عندئذٍ قد كسب أول قضيّة ترافع فيها أمام المحكمة، لكن التلميذ النجيب المتهافت أجاب أستاذه بأنه لن يدفع في كلتا الحالتين: فإذا لم يَحكم عليه القضاة بالدفع فإنه لن يدفع بناءً على قرار المحكمة، أما إذا حكموا عليه بالدفع فإن هذا يعني أنه قد خسر أول مرافعة له، ولا يكون ــ وفقاً للاتفاق بينهما ـ ملزماً حينئذٍ بالدفع.

كنا نتعلم في الجامعة أن "الإفقار يؤدي إلى ثورة"، ونخرج إلى الشارع فتصفعنا الحقيقة المصريّة بأن "الإفقار يؤدي لمزيد من الدعاء"، يا ربي! صحيح أن القاعدة الأولى قاعدة سوسيولوجيّة أثبتت صحتها وقائع التاريخ، لكن الأخرى هي أيضاً قاعدة سوسيولوجيّة، قاعدة من قواعد الثقافة النهريّة المحافظة، وهي أمتن من القاعدة الأولى، وتتجاوزها لتحبط أيّ ثورة مُحتمَلة في المجتمع النهريّ، فهو يحيا على الريّ من النهر، ولابد له من الاعتماد على حكومة مركزيّة قويّة توزع الماء بالقسط، وتحافظ عليه، حتى وإن جارت الحكومة، يفضل الفلاح جورها على المخاطرة بعدم وجودها، إنه المجتمع الذي ابتكر نظام "الجمعيّة" بهدف إعادة توزيع الثروة ـ الشحيحة أصلاً ـ بين أفراده، حتى لا يحدث "إفقار كامل" في أشدّ عصور المماليك ظلاماً وقسوة وإفقاراً، لكنّ المجتمع المصريّ لم يعد بعد مجتمعاً نهريّاً، فالفلاحة قد تقلصت وتراجعت إلى الصفوف الخلفيّة في اقتصاد شبه - سوق مُشوَّه ومتوحش، وتآكلت الثقافة النهريّة المحافظة رويداً رويداً، حتى وقعت الطفرة الجينيّة بالثورة على النظام.

هل لاحظ أحد التوزيع الجهويّ للمحافظات التي شهدت أحداث الثورة؟ لم تكن المحافظات الفلاحيّة، كانوا البحَّارة الأشاوس، والقاهريين غير القابلين للتصنيف، هل لاحظ أحد أن أول من قاموا بالثورة لم يكونوا شباباً عاطلاً عن العمل، ولا فقراء؟ بل شبابٌ يعمل معظمهم في مهن ووظائف يمكن وصفها بأنها مرموقة ذات دخل جيد، ودخل كثير منها أكثر من جيد، هؤلاء كانوا الطليعة الثوريّة، رأس حربة الثورة، وكانوا الأكثر عناداً في ميدان التحرير حين كان الآخرون يفكرون في المفاوضات والاستعانة بالحكماء، هل لاحظ أحد أن الفقراء كانوا هم الأكثر تحفظاً في أول الثورة؟ أيدوها فيما بعد، صحيح، عندما هلّت روائح النصر، لكنهم عادوا إلى تحفظهم من جديد، هناك بالتأكيد شيء ما غير البطالة، والفقر، والملاحقات الأمنيّة، شيء ما أسمَى، شيء ما قيميّ، هو الذي دفع بالشباب إلى الثورة، هو الذي جعل الثورة المصريّة ممكنة.

في مصر الآن، تتعالى أصوات كثيرة مطالبة بالهدوء، بالتريث، بإقامة نظام جديد بأقصى سرعة حتى لا تستمر حالة "الفوضى"، أصوات قد تُرمى بتهمة "الثورة المضادة"، لكني أتفهمها على أنها الرمق الأخير لقيم الثقافة النهريّة، المحافظة، العتيدة، التي دامت آلاف السنين، والتي تلفظ أنفاسها الأخيرة اليوم، نعم، أنفاسها الأخيرة! فأنا أجد أنّ لديّ من الجرأة ـ ومن الشواهد كذلك، ليس في مصر وحدها، بل وفي سوريا أيضاً ـ ما يكفي للتصريح باطمئنان بأننا نشهد اليوم انقراض الثقافة النهريّة من على كوكب الأرض.

هيروهيتو؛ إمبراطور اليابان، يخطب في شعبه عقب إلقاء أميركا للقنبلتين النوويتين على هيروشيما وناجازاكي، وبصوت إمبراطوريّ مختنق، يقول في الإذاعة،: "بقلبٍ يملؤه الحزن، أعلن استسلامي واستسلام اليابان، فقد واجهنا اليوم ما لا قِبَلَ لنا به"، العبارة صارت أيقونة مدرسة الواقعيّة في "العلوم" السياسيّة، الإمبراطور أدرك أن أميركا غيّرت قواعد اللعبة، وأن القواعد الجديدة قواعد مجنونة، لا يبررها أيّ هدف سياسيّ ولا عسكريّ، وأن من العبث الإنسانيّ الاستمرار في لعبة الكاوبوي النوويّة، التي ستمحو اليابان من على كوكب الأرض لا محالة، لكن اليابان ستعود لتغزو أميركا بعد أن تتغير قواعد اللعبة إلى قواعد اقتصاديّة، ستغزوها في مكامن فخرها الصناعيّ؛ صناعة السيّارات، والإليكترونيّات، والبرمجيّات، والسينما، إن أعظم إنجازات اليابان بدأت بالتسليم بالهزيمة، بالتسليم بانتصار القوى المضادة، برفض الاستمرار في اللعب.

هنّا أرندت تقول في كتابها "في العنف": "إن دافعي للقبول بقواعد اللعبة هو رغبتي في اللعب، إن كل إنسان منا قد ولد في جماعة لها قوانينها المرسومة سلفاً، ومفروض عليه طاعتها منذ البداية، لأن ليس أمامه أيّ طريقة أخرى لدخول لعبة العالم، قد يحدث لي أن أرغب في جعل نفسي استثناءً كما يفعل المجرمون، أو قد أرغب في تبديل قواعد اللعبة كما يفعل الثوريون.

لا أعرف من رغب في تبديل قواعد النحو السينمائيّ، وعمل طيلة حياته مخلصاً لهذا الهدف، أكثر من المخرج اليابانيّ ياسوجيرو أوزو، الذي أصرّ على أسلبة أفلامه معتمداً على إيمانه بقيم الثبات والتكرار والبساطة، فقد ظل طيلة حياته المهنيّة لا يصور إلا بعدسة 40 مم فقط، ولم يحرك الكاميرا مطلقاً في أيّ من أفلامه "ولا حتى حركة على حامل الكاميرا"، وكان يستخدم حاملين فقط "30 سم للقطات البعيدة، و90سم للقريبة"، ويكرر موضوعاته، وموتيفاته، وديكوراته، مثبتاً طاقم ممثليه وفنييه، كاسراً الآكس (قاعدة الحفاظ على زوايا اللقطات ضمن قطر نصف دائرة، لتوحيد المنظور، والحركة، والعلاقات النسبيّة بين الموضوعات) بانتظام وإصرار، ولم يخرج من الاستوديو مطلقاً إلا لتصوير القطارات (بعد أن جرَّب تصوير نماذج لها في الاستوديو، فلم تقنعه النتيجة)، وكان ينفق وقتاً طويلاً في ضبط كل كادر، لكنه لم يكن يوجه ممثليه إلا بـ: "أعد مرة أخرى"، إن لم يعجبه الأداء، وكان متوسط الإعادات لا يقل في أيّ يوم تصوير عن عشر مرات لكل لقطة.

أوزو هو حالة مناقضة لحالة فِدريكو فيلليني، ليس فقط في إسلوبهما البصريّ، لكن في موضوعاتهما الأثيرة أيضاً؛ ففي حين تبدو مجمل أعمال فيلليني كأنها سيرة ذاتيّة شخصيّة ممتدة للفنان نفسه، يبدو شيء ما شديد الغرابة في موضوعات أوزو، أو إن شئنا الدقة قلنا موضوع أوزو الوحيد الذي لم يغيّره أبداً طيلة مشواره السينمائيّ، بتنويعات ليست مختلفة كثيراً عن بعضها البعض، وهي ثيمة علاقة الآباء بالأبناء في شدها وجذبها؛ محاولات الأبناء للفكاك من سيطرة الآباء، وخيبات أمل الآباء في أبنائهم نتيجة لذلك، وهذا الموضوع ـ الذي يتوقع المُشاهد أنه همٌ شخصيّ لأوزو نتيجة تجربة إنسانيّة خاصة به ـ لم يكن في الحقيقة له أيّ علاقة بأوزو على الإطلاق، على النحو الذي يمكن معه القول بأن أوزو قد اختار أبعد موضوع ممكن عن حياته الشخصيّة نفسها لكي يعبر عنه في كل أفلامه.

هناك كُتّابٌ لا يتورعون عن "قتل الأب" في سبيل الحق والجمال، كتاب ثوريون يكسرون القواعد، وتابوهات الكتابة، ويثورون حتى على مُثلهم العليا، هم "انقلابيون"، إن جاز سحب التعبيرات العسكريّة إلى ساحة الثقافة، والانقلابيون ليسوا كُثراً على مر التاريخ، أحبهم إلى نفسي: كافكا، ودوستويفسكي، ولويس كارول، وبودلير، وچيمس چويس، وهنري چيمس، وأنسي الحاج، ومصطفى ذكري، وسركون بولص، وأنتونان آرتو، وكاواباتا، وفرناندو پيسوا، وهِسّه، والانقلابيون يستعملون تقنيّة الانقلابات محاولين الفكاك من العُصبة التي تربطها سلسلة واحدة، ساعين بدائب، وبوعي، لتجاوز القواعد، لإعادة اكتشافها في كل كتابة جديدة، الانقلابيون يَهدمُون المَبْنِيَّ، ويَبنون المُهَدَّمَ، ويَهدمُون المُهَدَّمَ، ويَبنون المَبْنِيَّ، لكنهم لا يتركون المُهَدَّمَ ولا المَبْنِيَّ على حالهما، وإذا ساروا على قاعدة، فذلك لأنها في نظرهم لا تستحق المغامرة بالخروج عليها، الأصوليون يَلزَمُون القواعد فيكتبون للريح، أما الانقلابيون فيُطيحون بالقواعد مستهدفين الروح، راسكولنيكوف في "الجريمة والعقاب" يقول: "الالتزام بقواعد الجمال أول علامات العجز.

للكاتب الانقلابيّ شهيّة وحشيّة تستمتع بالتلاعب بالقواعد، وهي شهيّة شرهة لا تُقدِّم أبداً أيّ دلائل على الشبع، ولهٌ مُستَحكَمٌ لا سبيل إلى الخلاص منه، ويواظب الانقلابيّ على كسر القواعد بانتظام، فيصير كسرها هو النظام، ويعود ليكسر المكسور من جديد، متأرجحاً بين التطرفات كتأرجح سفن وسط الأمواج، سفن غايتها الفعليّة الإبحار لا الرسو، ويظل الإبحار هو الفضيلة، لأنه بالنسبة للانقلابيّ ضرورة، وكضرورة غسل الجسد من القذارة، ينظف الكاتب الانقلابيّ غبار القواعد المتجمع على سطح الكتابة، الانقلابيّ يكتب من أمامه لا من ورائه، وهو يجاهد لكي يصير لاشيء، أي ليس كمثل شيء آخر، تأكيداً لوجودٍ حر متفرد، وليس تعبيراً عن وجهة نظر "سلعة"، لمصطفى ذكري عبارة أحبها، تقول: "الكاتبُ هو غادرٌ بلياقاتِ مهنتهِ، مُشهِّرٌ بنوافلها، وبروتوكولاتها، مُكتّفٌ بزهدِ سُنَّة قلمه".

في فيلم "أجمل سنوات حياتنا"، يغدر وليّم وايلر بالقواعد، مرة أولى، من خارج اللعبة السينمائيّة؛ فيختار (هارولد راسل) ليلعب دور جندي أمريكيّ عائد من الحرب العالميّة الثانيّة مبتور الذراعين من إصابة حرب، ويعلم المُشاهد ـ من الدعاية المصاحبة للفيلم ـ أن هارولد راسل، هو فعلاً، جندي أمريكيّ مبتور الذراعين من إصابة حرب، فيتعاطف مع الممثل ـ غير المحترف ـ تعاطفاً فوريّاً لأسباب إنسانيّة لا علاقة لها بحرفيّة مهنة التمثيل، ويصل التعاطف إلى قمته فيُمنح راسل جائزة أوسكار عن دوره في الفيلم، لكنّ غدر وايلر ببروتوكولات المهنة لا يتوقف عند هذا الحد، ولو توقف لما كان مخرجاً كبيراً بحال، فيقوم بما يشبه "نفي النفي"، فيغدر مرة ثانية، من داخل قواعد اللعبة السينمائيّة هذه المرة، مُلغياً الغدر الأول بغدر ثان، مستخدماً إمكانيّات السينما (على نحو سلبيّ، تعطيليّ) في إضفاء مسحة حياديّة متساميّة على عاهة الممثل، في تلجيم الكاميرا ومنعها عن كشف العاهة ـ وهو المشهور بلقطاته القريبة الكاشفة للتعبيرات الدقيقة للممثل وجسده ـ، فلا يُبقي إلا على الصفاء الرائق لحالة الإعاقة كوجود منزوع عن دراميّته، وحتى المشهد الوحيد الذي يخلع فيه راسل جهازيه التعويضيين لتنكشف عاهته أمام الكاميرا (الجمهور) وأمام حبيبته، يستثمر فيه وايلر، بوعي وبحرفيّة عالية، كل قدراته وأدواته كمخرج ليُصفيّه من أيّ ميلودراميّة، أو اشمئزاز، أو حرج، فالمُشاهد يتوحد مع بطله على الشاشة ويصبح هو والبطل ذاتاً واحدة، وايلر يعلم ذلك تمام العلم، وما أراده في الحقيقة كان أن يعفينا (نحن المُشاهدين) من أيّ حرج أو اشمئزاز من أنفسنا، من عاهاتنا.