Facebook
النوري : تحرير العقول والابدان اولا
الكاتب: كمال الشيحاوي   
السبت, 07 أيار/مايو 2011 10:40

alnory
سعيد وحائر، خائف ومتيقّظ، بهذه الأفكار والمشاعر الإنسانية المتناقضة، استقبلنا السينمائي التونسي "النوري بوزيد" لإجراء حوار كان مبرمجا قبل ثورة تونس بأشهر. في الطريق المؤدي لشقته التي بدت أشبه بمكتبة عمومية من كثرة الكتب الموزّعة على جنباتها، حدّثني عن سيناريو الفيلم الذي تمّ الاعتراض عليه من قبل لجنة الدعم بوزارة الثقافة قبل سنتين من الثورة والذي يتعرّض لظاهرة تزايد استخدام الفتيات في تونس للبكارة الاصطناعية. كما حدّثني عن سيناريو فيلم جديد، هو بصدد الإعداد له عن الثورة. فيلم يحكي عن فتاة تونسية تتعرّض قبل اندلاع الثورة لضغوطات شديدة لأجل أن تضع الحجاب حتّى تقبل زيجتها من عائلة محافظة. ودون ذكر للتفاصيل يذكر أنّ السيناريو ينتهي بتصوير المسيرة النوعية التي انتظمت فعلا بالشارع الرئيسي للعاصمة للمطالبة باللاّئكية ضمانا لحقوق الجميع. ضيفنا في هذا الحوار يعدّ من أشهر السينمائيين التونسيين والعرب المعاصرين وأجرئهم. في رصيده من الأشرطة الطويلة، "ريح السدّ"، "صفايح ذهب"، "بزناس" "بنت فاميليا"، "عرائس الطين"، "آخر فيلم"، فضلا عن مشاركته في السيناريو والحوار لأهم الأشرطة التونسية على غرار "عصفور سطح" و"صمت القصور" من عائلة إقطاعية، كما يصفها، قضّى بضع سنوات من شبابه في سجون تونس صحبة عدد كبير من رفاقه بسبب معارضته لتسلّط بورقيبة في الحكم. اختار السينما ليحرّر نفسه وشخصياته من الكبت، والمنع والقهر الجنسي والسياسي والاجتماعي لأنّه من جيل آمن وما يزال بأن تحرير الأوطان يبقى منقوصا ما لم يستكمل بتحرير العقول والأبدان والعبارة له.

لديك سيناريو فيلم تمّ رفضه قبل سنتين من الثورة وأثار ضجّة كبيرة بسبب تعرّضه لظاهرة تزايد اللّجوء لاستخدام العذرية الاصطناعية في المجتمع التونسي. ما هي أخباره؟

الشريط عنوانه "اسكت عيب" وهو وثائقي روائي نتج عن معاينة تحقيق رسمي تونسي مثير عن تزايد استخدام العذرية الاصطناعية للبنات اللّواتي فقدنها قبل الزواج(1). الشريط منع والسيناريو دفن رغم أن فتيات كثيرات قبلن الكلام في الموضوع دون أن تظهر وجوههنّ في الفيلم وهذا طبيعي. وأظنّ أن سبب المنع وجود ثلاث مشاريع كبيرة مع المملكة العربية السعودية.

كتبت هذا السيناريو لأنّني أعتبر أن العذرية الاصطناعية بمثابة المرض أو الإعاقة وأظنّ أنّه آن الأوان لتحرير المجتمع من هذا الوهم المرضي وشخصيا قمت ببحث في الموضوع فوجدت أن البكارة لم تذكر في القرآن سوى مرّة واحدة وأن المجتمع الإسلامي في بداياته لم يكن يعطي هذا الجانب أهمية تذكر.

هل يمكن الحديث عن تغيّر في رؤيتك الفكرية والفنّية بعد ثورة 14 جانفي ؟

قبل الثورة كانت رؤيتي واضحة في ملامحها العامّة على أساس أنّني فنّان مستقل أقف ضدّ التعامل البوليسي للنظام السّابق مع مستجدّات الواقع التونسي من ناحية وضدّ الفكر السلفي من ناحية أخرى. الآن، أي بعد الثورة لا أعرف كيف سأعمل في المستقبل وضدّ من؟ الجميع الآن في ثورة. وشخصيا أكره أن أكون وراء الأحداث مثلما أكره أن أعمل في خدمة النظام القائم، مهما كان شكل هذا النظام.

عندي تخوّفات وحيرة. يتحدّثون عن مائة وخمسين ألف عاطل من أصحاب الشهائد الجامعية وهذا أمر خطير، لكن هناك أمر آخر لا يقلّ خطورة وهو المليوني "تجمّعي" الذين أحيلوا بحلّ الحزب إلى نوع من البطالة السياسية القسرية. المشكل أنّنا نريد أن نبني نظاما سياسيا جديدا بأناس غير مدرّبين أو غير مهيئين لتنظيم الحياة السياسية وممارسة السلطة. لا شكّ لدي في أنّ الجيل الجديد سيتمتّع بالحريات الأساسية في التعبير وغيرها. وبالنسبة لي أرفض أن أكون صوتا أو بوقا لأي شيء حتّى للثورة، لأن ذلك يتعارض في اعتقادي مع حرّية الفنان ودوره الذي أراه دائما، مفيدا وأكثر فعالية عندما يكون على مسافة نقدية، ليتنبّه للانزلاقات والانحرافات. لقد تمكّنت ثورة الشعب التونسي خلال أيام قليلة من وضع نهاية لنظام سياسي ظالم، فاسد ولكنّ التخلّص من العقلية المحافظة، وبقايا الفكر السلفي ورواسب الجهل التي ما تزال تعطّل المجتمع التونسي يحتاج إلى نضال طويل. شخصيا أعتبر أنّ اللائكية السياسية ضرورية، فهي الضامن للحريات الشخصية وأعتبر أن اللائكية الثقافية مهمّة وأعتقد أن اللائكية هي التي تساعد في مقاومة المشروع الصهيوني لأنّ دولة اسرائيل انبنت على نصّ ديني. المشكل أنّ الجميع يعتقد أن اللائكية تساوي الإلحاد وهذا خطأ كبير.

حمل شريطك الأخير "آخر فيلم"، الذي انطلق عرضه التجاري سنة 2005 تحذيرا واضحا من تدهور خطير للأمور في تونس، فقد فجّر بطل الشريط نفسه في نهاية الفيلم. ما يجعلنا أقرب إلى صورة "محمّد البوعزيزي" الذي أحرق نفسه احتجاجا على تدهور وضعه الخاص. فهل تعتقد أن رسالة الفيلم قد وصلت؟

أنتمي إلى ما يعرف بسينما التدخّل الاجتماعي وهي سينما ملتزمة. وأعترف أنّه عندما أنجزت الفيلم كانت مساحة التعبير في تونس ضيّقة جدّا ومع ذلك كان عليّ أن أبتكر وسائل لأقول ما أراه ولأكون شاهدا على حالة التدهور التي وصلت إليها تونس في السنوات الأخيرة على جميع المستويات. الشريط بقي رهينة طيلة سنة كاملة حتّى لا أقول أنّه منع ، ومع أنّه توّج بالتانيت الذهبي لدورة أيام قرطاج السينمائية إلاّ أن الممثلة "هند صبري" التي كانت عضو لجنة تحكيم تلك الدورة أعلمتني أن وزير الثقافة التونسي آنذاك سعى لمنع تتويج الفيلم بكبرى جوائز المهرجان.

ثمّة من رأى في الفيلم إدانة مبالغ فيها للتيارات الدّينية المتطرّفة والحال أنّ وجودها ذاته نتيجة سياسة الانغلاق التي انتهجتها السلطة في تونس. فهل يمكن الحديث فعلا عن نوع من المقايضة، تمكّنت خلالها من تمرير ما تريد قوله مقابل إدانة التيار السلفي الذي يعتبر الخصم المعلن لسلطة "بن علي" في تونس؟

في شريط "صفايح ذهب" الذي عرض سنة 1988 ظهر النظام في صورة الجهاز الذي يعذّب خصومه السياسيين، كان ذلك تذكيرا مقصودا بالقمع الذي تعرّض له اليسار التونسي في عهد "بورقيبة"، حتّى لا يكرّر النظام الجديد أخطاء من سبقه. وعندما عرض شريط "آخر فيلم" سنة 2005 لم يكن هناك سوى السلطة ممثّلة في المواقف الرسمية التي باتت معروفة بانغلاقها وتشدّدها ولا وجود فعلي للمعارضة باستثناء التهديد الذي يمثّله التيار الدّيني. في "آخر فيلم" يظهر هذا النظام ممثّلا في أعوانه من البوليس وهو يحاصر الشباب الذي يريد أن يعبّر بالرقص عن شوقه للحرية. اكتفى النظام إذن بالدور الأمني وأصبحت الساحة مناسبة لتحرّك السلفيين الجهاديين. المثير في الموضوع أنّه بعد خروج الفيلم وقعت حادثة مدينة سليمان الشهيرة وكان من بين المتورّطين من الشباب المتهّمين بالتحضير لعملية إرهابية راقص في كاباريه تمّ غسل دماغه من قبل إمام من مدينة القيروان.

في كلا الشريطين قدّمت الشخصية السلفية بكلّ احترام رغم أنّ التيار السلفي في حدّ ذاته يخيفني من حيث المشروع المجتمعي الذي يتبناه. ولم أقم في الفيلم بأي تنازل ولكن بإمكاني أن أقول أنّني قمت بمفاوضات بيني وبين نفسي لأتمكّن من قول كلّ ما هو ممنوع دون أن أمنع.

ثمّة من يلومك على الصورة القاتمة التي تعرض بها الشخصيات السلفية، حيث تبدو متجهّمة، حاقدة، مهووسة بالموت والجنس، معتبرا أنّك قد خدمت النظام القائم بتلك الصورة فماذا تقول؟

فيما يتصل بالإسلاميين أعتبر أنّني الوحيد من بين المخرجين السينمائيين الذي مكّن الإسلاميين من الكلام، هذا واجبي ورأيي لأنّني ديمقراطي. في شريط "صفائح ذهب" يقدّم أخ بطل الفيلم ( قام بالدور "فتحي الهدّاوي") خطابا إسلاميا مبنيا ومتكاملا وواضحا في رؤيته للواقع والنظام والعائلة والمعارضة. وأذكر في ذلك المشهد الذي دام ستّ دقائق في الفيلم هذه الجمل: يقول الأخ "السلفي" لأخيه "اليساري الخارج لتوّه من السجن "بكلّ صفة ما يجيبش منكم ربّي على خاطركم ملحدين" ( أي في كلّ الأحوال لا أمل فيكم لأنّكم ملحدون) فيجيبه الأخ "يوسف سلطان" قام بالدور "هشام رستم" "ملحدين وكان عجبك ماعنديش الحق نحلم، أنا عطيت عشرة سنين من عمري باش انت تتكلّم". ( ملحدين نعم، أليس لدي الحق في الحلم. أنا أعطيت من عمري عشر سنين لكي تتكلّم أنت).

ولكن صورته وهو ملطّخ بالدمّ كانت دالة على الصورة القاتمة التي وضعتها لهم؟

دوري أن أنبّه للمخاطر. موقفي من الإسلاميين أنّهم يريدون أن يفرضوا على المجتمع حلولا للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بتفكير لا يجيب عن هذه المطالب. تفكير قديم. فلسفيا هو رجوع إلى الوراء في بناء المجتمع وفي الاقتصاد. المشكل أنّ هذا الفكر السلفي/الإسلامي الذي يصنّف داخل اليمين خطأ لم يتطوّر لأن اليمين في العالم صار يتبنى منظومة حقوق الإنسان الكونية، أمّا السلفيون عندنا فما زالوا يراوحون في أماكنهم. وفيما يخصّ مشهد المسلخ والدّماء، لا تنسى أن اللّقاء تمّ في مسلخ حيث يعمل الأخ الإسلامي طبيبا للحيوانات وعلى مستوى التأويل تذكّر المذابح والدّماء التي سالت في سنوات الإرهاب في الشقيقة الجزائر.

كمواطن قبل أن أكون فنّانا لم أعد أقبل المبدأ التّالي: إذا لم أوافقك في رأيك أنت كمسلم يعني أنا أذهب إلى جهنّم. لماذا تعطي لنفسك مكانا عوض اللّه. أنا لا أريد الاستفزاز ولكنّني أحبّ أن أتقدّم بالفكر.

في نفس الإطار أؤمن بضرورة الكلام عن الدّين من داخل الدّين وأعتقد أن اللاّئكية عملية تنظيف وتطهير للدّين من التلوّث الذي يتسبّب فيه التطرّف والجهل و الإرهـاب

يظهر في أفلامك منذ "ريح السدّ" وصولا إلى "آخر فيلم" أنّ علاقات الشخصيات العائلية والاجتماعية تبقى مريضة ما لم تحرّر أجسادها وعقولها، ما الذي يمنعها عن ذلك في رأيك؟

هذه حقيقة دراما الإنسان العربي. يحطّم جسده ثمّ يطلب منه أن ينتصر. شريط "ريح السد" هو ثمرة وعي بهزيمة 67 حيث انتقلت من الفكر القومي الناصري إلى الفكر الماركسي بتأثير ثورة الطلاّب في ماي 1968 بفرنسا. صرت مدركا أنّ الشعب المصري حمّل مهاما وتحدّيات لم يكن قادرا على انجازها وهي حرب التحرير. فكيف تحقّق تحريرا بشعب مقهور، مدجّن؟ لقد كان الجسد العربي مريضا، مشلولا وهي نفس التركيبة التي اخترتها لشخصيتي في فيلم "ريح السدّ" التي كانت رامزة لهذا الجسد العربي المريض. بطل الفيلم "هـاشمي" يراد له أن ينشأ عائلة، أن يعيد صورة الأب والعائلة والنظام والحال أنّه ما يزال مجروحا بذاكرة اغتصابه طفلا من قبل مشغّله. لا يستطيع "هـاشمي" أن يبوح بأوجاعه وعجزه في مجتمع وثقافة تمنع الحديث في هذه القضايا. مجتمع لا يدين الزّاني، المغتصب، الذي يفاخر عادة بفحولته بل يدين من وقع عليه الاغتصاب، مشكّكا في رجولته، لأن العيب فيه. في شريط "بنت فاميليا" تعرّضت للاغتصاب الذي يمكن أن تتعرّض له الزوجة من قبل زوجها، كما طرحت في "عرائس الطين" ما يصيب المرأة والرّجل من مرض بسبب الاستعباد والاستغلال. أنا أؤمن بالمساواة بين المرأة والرّجل إلى أقصى الحدود ولا يمكن للدراما أن تنشأ من التجارب الناجحة، التجارب التي فيها دراما هي التي تعاني فيها الشخصيات.

صحيح أنّ شخصياتي خاسرة، محطّمة، مهمّشة، ولكن لديها قوّة التمرّد، تسعى للتمرّد ولكنّها تعجز عن ذلك ولعلّ ذلك شرفها في المحاولة. أنا أساهم في تحرير شخصياتي وهو تحرير لي أنا أيضا. وتحرير الأوطان لا يستكمل سوى بتحرير العقول والأبدان.

عبّرت لي ونحن نشقّ هذا الطريق الطويل لحي النصر أنّك متضايق من الطابع الاستهلاكي للحيّ؟

هذا حيّ من أفخم الأحياء بتونس العاصمة ولكنّها بالنسبة لي فخامة على مستوى المعمار واللّباس ومظاهر الحداثة فقط فهو محافظ من نواحي أخرى فأنت لا تجد فضاءات للنقاش العمومي في القضايا الخاصّة بالبلاد، ولا للعروض الثقافية، ولا تجد مطاعم يقدّم فيها الخمر مثلا. أنت تعرف أنّ الفنّ ضروري في بناء المواطنة. واختزال المواطنة في الاستهلاك يفقّرها لذلك أظنّ أن سيدي بوزيد أكثر ثراء فكريا وروحيا من حي النصر.أتمنى أن تتغير الأحوال بعد الثورة.

هامش:

(1) أظهر "المسح الوطني لصحة الأسرة" (حكومي) المنشور سنة 2007 أن 80 بالمائة من الشبان و68 بالمائة من الفتيات في تونس يمارسون الجنس دون زواج. هذا ويعتبر استصلاح العذرية بشكل اصطناعي، عملية جراحية بسيطة تستغرق ساعة من الزمن ولا تتعدى كلفتها الأربع مائة دينار تونسية تقريبا و يؤكد أطباء وتقارير صحفية أن جراحة "استصلاح" العذرية تعرف منذ سنوات قليلة ازدهارا كبيرا في تونس التي تتمتع فيها النساء بتحرر جنسي "نسبي" يقابله رفض رجالي للارتباط بزوجة غير عذراء. تقرير صحفي حول الموضوع نشرته جريدة "الصريح" التونسية يوم 19 يوليو/تموز 2010 تحدّت عن "ارتفاع مفزع" لعدد التونسيات اللاّتي يُقبلن على مصحات إعادة العذرية وأشار إلى أن البكارة تحولت إلى "تجارة لا تأفل".

الاوان