Facebook
مولد أمة .. مفخرة وعار السينما الأمريكية
الكاتب: محمد الرفاعي   
الأحد, 15 نيسان/أبريل 2012 22:32

ff
زمن الأفلام الصامتة هو زمن جميل وساحر، ظهرت به أفلام عظيمة كثيرة, فمنذ فيلم الأخوان لوميير "وصول القطار الى المحطة" وحتى يومنا هذا لازالت باقية وخالدة في ذهون من تذوقها, فهي لازالت مصدر وحي للكثيرين. الأفلام الصامتة تطورت مع مرور الوقت ووصلت لذروتها وقمتها في أواخر سنينها, هنالك العديد والعديد من الأفلام الصامتة الرائعة التي نحتت اسماؤها في تاريخ الفن السابع مثل: التعصب, أيتام العاصفة, الوجهة إلى أدنى الشرق, البحث عن الذهب, أضواء المدينة, الأزمنة الحديثة, الطفل, السلامة أخيرا!, آلام جان دارك, خزانة الدكتور كاليغاري, دكتور مابوس, المصير, ميتروبوليس, نيسفراتو, الضحكة الأخيرة, فاوست, الشروق, صندوق باندورا, الجنرال, شرلوك جونيور, نابليون, الرجل الذي يضحك, المدرعة بوتمكين, إضراب, أكتوبر, الأم, الأرض, الرجل ذو الكاميرا, الحشد, الجشع, الريح, الإستعراض الكبير وغيرها من الأفلام الكثيرة التي لا زالت خالدة في تاريخ الفن السينمائي ولعل تحفة غريفيث "مولد أمة" من أشهرها وأهمها وكانت هي انطلاقة لأهم السينمات في العالم وهي السينما الأمريكية.

مولد امة يعتبره العديد بأنه أول فيلم روائي طويل, ولكن أول فيلم روائي طويل جدا هي الملحمة الإيطالية للمخرج جيوفاني باستروني بعنوان "كابيريا" التي أثرت على غريفيث وكانت كالدافع القوي له لتقديم عمل يتجاوزه ويكون أفضل وأضخم منه، وهذا الشيء كان أكثر بروزاَ في Intolerance، .. مخرجين آخرين تأثروا بالعمل كـ سيسيل ديميل من الناحية الانتاجية الضخمة. صدر "مولد أمة" في عام 1915 وأحدث ثورة كبيرة بمجال صناعة الأفلام, والموضوع الذي تبناه الفيلم كان مثيراَ للجدل، وأثار ضجة صاخبة مما جعل إيراداته تتزايد تدريجياَ وشاهده مايقارب المائة مليون نسمة في أمريكا ومن هنا بدأت السينما الأمريكية التجارية, فبدأ المنتجون ينظرون إلى صناعة الأفلام كتجارة تدر أموال طائلة فقامت بعدها هوليوود بإنتاج أفلام ضخمة ذات تكلفة عالية خصوصا بعد النجاح الساحق الذي حققه العمل.

ديفيد غريفيث بـ"مولد أمة" رسم معالم السينما وقام بتشكيل أسسها, ومسيرته الفنية لم تتوقف عند هذا الحد، بل أراد ان يثبت للجميع بأن عمله هذا ليس مجرد ضربة حظ، فلم يكتفي فقط بتحفة وحيده كما فعل الألماني روبرت واين فلقد ذهب أبعد وأخرج تحفته الفنية "التعصب" الذي قدم بها أشياء هائلة .. واستمر بتقديم أفلام رائعة أخرى ("براعم مكسورة", "أيتام العاصفة" و"الوجهة نحو الشرق"), وجميعها كانت ذات قيمة فنية كبيرة. فيلمه أمريكا يعتبر نقطة تحول كبيرة في مسيرته الفنية حيث كان الفيلم فاشلا نقديا وجماهيريا وبعدها توالت خيباته المتواصلة.

"مولد أمة" فيلم ملحمي ضخم, قبل أن يقوم غريفيث بإخراجه كان قد أخرج العديد من الأفلام حول الحرب الأهلية حيث تعلم منها كيف يخرج مشاهد المعارك وكيف يتعامل مع حشد كبير من طاقم العمل ويوجهه بأكمل توجيه .. تدور أحداث الفيلم قبل وبعد الحرب الأهلية الأمريكية وتركز حول عائلتان متحابتان وهما عائلة ستونمان من الشمال وعائلة كاميرون من الجنوب, وعلاقات الحب والصداقة بين أفرادها التي تتأثر بسبب الحرب الأهلية وتجعلهم يقاتلون بعضهم البعض في ساحات القتال, ونرى أضرار الحرب النفسية على العائلتين. الفيلم ينقسم إلى نصفين حيث النصف الأول يصور لنا الحرب الأهلية حتى انتهاءها, والنصف الثاني يصور لنا عملية اعادة الاعمار ونهوض جماعة الـ (كو كلوكس كلان). الفيلم مقتبس من روايتين لثوماس ديكسون وهم " The Clansman" و " The Leopard's Spots", لم يحتاج غريفيث لكتابة نص للفيلم لأنه تصور الأحداث كاملة بعقله .. بعد الإنتهاء من الفيلم قام الكاتب ديكسون بعرض الفيلم في البيت الأبيض للرئيس الأمريكي الثامن والعشرين "ويلسون", ويقال أن الرئيس الأمريكي قال له عند انتهاء الفيلم "انه أشبه بكتابة تاريخ منير. أسفي الوحيد ان كل هذا صحيحاَ للغاية", ولكن تم نكر هذا لاحقا.

عندما نتحدث عن "مولد أمة" فإننا نتحدث عن مولد سينما, مولد تقنيات وابتكارات جديدة أحدثت ثورة هائلة في عالم الإخراج وأصبحت قاعدة ومرجع دراسي رئيسي لكل صانع أفلام حيث إلى الآن تدرس تقنياته في معاهد الأفلام, وكل هذا الفضل يرجع الى أب السينما غريفيث الذي أعطى صناعة الأفلام لغة سينمائية وشكلا ملحميا ومهد الطريق للصناعة السينمائية الحقيقية وأثر على مخرجي جيله, يقول عنه تشابلن "هو المدرس لنا جميعا", وقالت عنه ليليان غيش "إنه أب الأفلام" .. رفع غريفيث الملقب " بالرجل الذي أخترع هوليود" و "شكسبير الشاشة" المعايير السينمائية وقتها بأفلامه الروائية الطويلة الملحمية, ان كنت تريد أن تعرف ماذا تعني "ملحمة" فشاهد أفلام غريفيث .. فهو من اخترع تقنيات تستخدم لأول مرة وتقنيات استخدمت بطريقة أكثر فعالية, على سبيل المثال: عرض حدثين يجريان بنفس الزمن, اللقطات القريبة, أسلوب التركيز العميق بالتصوير, الجامب كت, زوايا التصوير, لقطات متتابعة, صبغ الشاشة بالألوان, بطاقات مزخرفة, موسيقى أصلية يتم تأليفها خصيصا للفيلم, المعالجة الدرامية لأحداث حقيقية, التصوير الليلي, مشاهد الحركة وعدة تقنيات أخرى وضعت أسس أساسية لصناعة أي فيلم, من جماليات فيلم "مولد أمة" عدا عن الأمور التقنية الثورية هي كيفية تعامل مخرجه مع الشخصيات الكثيرة بإتقان .. فإن كنت قد شاهدت أي عمل لغريفيث فستعرف انك أمام مخرج يعرف كيف يجعل مشاهديه يتفاعلون ويشعرون بما يرونه أمام أعينهم, ويرجع ذلك لمهارته بالتجسيد المبهر للمواقف التي تتعرض لها شخصياته, كشخصية لوسي في فيلمه "براعم مكسورة" عندما تتعرض للضرب المبرح من قبل أبيها أو في المشهد الملحمي في فيلمنا هذا عندما صور لنا واقعة اغتيال الرئيس الأمريكي ابراهام لينكولن بكل واقعية, فهو من المخرجين الذين يعرفون كيف يوظفون أدواتهم السينمائية لخلق مشاهد لاتنسى.

إن "مولد أمة" هو أكثر فيلم أمريكي مثير للجدل وذلك بسبب ايدولوجيته العنصرية بتصويره للـ(للأميركيين الأفارقة) كأناس متخلفين لايفقهون شيئا بالتحضر ولاتهمهم سوى شهواتهم وبالمقابل يصور لنا الـ (كو كلوكس كلان) كملائكة برداء أبيض يحررون ويحمون شعبهم من طغيان العرق الأسود .. لم يكن هذا الفيلم مثيرا للجدل فقط فهو لربما أخطر فيلم أمريكي حيث بعد عرضه في عام 1915 قام رجل أبيض بقتل مراهق أمريكي أسود, وبزغت جماعة الـ (كو كلوكس كلان) مجددا بعد اندثارها واستخدم هذا الفيلم لتجنيد كل من يرغب بالإنظمام لهذه الجماعة, واتهم مخرجه غريفيث بأنه شخص عنصري كاره للعرق الأسود .. ونكر غريفيث هذا التصريح وظل طوال حياته يحاول تكفير ذنبه, فقام بعد فيلم "مولد أمة" باخراج فيلمه الأروع "التعصب" حيث أظهر التعصب وعدم الرحمة على مر السنين, وقام أيضا باخراج فيلمه الرائع الآخر "براعم مكسورة" والذي كان أول فيلم يجسد قصة حب تجمع شخصين من عرقين مختلفين. غريفيث نقل من مكانة السينما وجعلها حدثا اجتماعيا سياسيا, فأصبحت وسيلة أعلامية مهمة لها الفعالية للتأثير على الرأي العام.

الفيلم مدته تتخطى الثلاث ساعات ولكن لم أشعر بالملل أو بطوله وهذه ميزة تتميز بها أفلام غريفيث حيث السرد يكون سلساً ومتتاليا بالأحداث القوية والمتصاعدة التي تجذب انتباه المشاهد, تصوير مشاهد القتال في ساحات الحرب كان مثيراَ للإعجاب خصوصا لوقته كان شيئاَ عظيماَ, وحركة صبغ الشاشة بالألوان كأستخدام اللون الأحمر في بعض المشاهد ليعطي أبعاد درامية ونفسية, .. استخدام مذهل للمونتاج المتوازي في مشاهد الذروة بالفيلم تعطي احساس التشويق والإثارة. الأداء التمثيلي لجميع طاقم العمل كان ممتازا, غريفيث فصل بين التمثيل المسرحي والسينمائي, فتبنى مواهب جديدة ودربهم على التمثيل السينمائي, ومن أبرز هذه المواهب التي شاركته بفيلمه "مولد أمة" هي الممثلة الأسطورية ليليان غيش, فعندما تشاهد عمل من إخراج غريفيث وبطولة ليليان غيش فتأكد بأن هذا العمل سوف يكون استثنائي بلا شك, غريفيث يقول: "كل شيء انحدر عندما تركتني ليليان", فالأثنان كانوا يكملان بعضهما الآخر بهذه العلاقة. وفي المجال السينمائي هنالك الكثير من العلاقات الشبيهة بين مخرج وممثل/ممثلة والتي دائما ماتكون مثمرة بالنجاح مثل: (غودار/آنا كارينا) – (أوزو/شيشو ريو) - (بيرغمان/ليف اولمان/بيبي اندرسون/ ماكس فون) – (وودي آلين/ديان كيتون/ميا فارو) – (سكورسيزي/دينيرو) - (كوروساوا/ توشيرو ميفون/ تاكاشي شيمورا) – (فيلليني/مارتشيللو ماستروياني/ جيوليتا ماسينا) – (ميليفيل/آلين ديلون) - (مارسيل كارنيه/آرليتي/جان جابن/بيير براسور) – (جان رينوار/جان جابن/مارسيل داليو) - (ديفيد لين/اليك غينيس) – (هيتشكوك/ستيوارت/غرانت) - (بيلي وايلدر/جاك ليمون) - (كين راسل/اوليفر رييد) والى ذلك من تعاملات نتجت عنها تحف خالدة. وأيضا من الممثلين المشاركين في فيلم "مولد أمة" هم ميريام كوبر, هنري والثال ومي مارش التي ادهشتني كثيراَ بأدائها الممتاز والمعبر.

مشاهدتي لهذا الفيلم كانت كالأعجوبة, أنا واحد من متابعي أعمال المخرج ديفيد غريفيث, ولكني تجنبت بأن أشاهد فيلمه الأشهر "مولد أمة" لا أدري لماذا؟ فوضعته بآخر قائمتي عسى أن يتوفر لدي الوقت للبحث عنه ومشاهدته (خصوصا ان معظم النسخ المتواجدة في مواقع التحميل هي بالأبيض والأسود وليست الأصلية المصبوغة بالألوان), وفي يوم من الأيام وبأعجوبة وجدت ديفيدي الفيلم بأحد المحلات واندهشت لتوفره. الصورة كانت نقية إن وضعنا بالحسبان سنة إنتاجه وأيضا يتوافر الـ Making of للفيلم حيث يتضمن بعض المشاهد النادرة حيث نشاهد مواقع التصوير وأيضا الممثلين يتدربون على أداء المشاهد وغريفيث خلف الكاميرا يوجههم وأيضا نبذة عن الثورة والمشاكل التي أحدثها الفيلم أثناء عرضه.

مهما كانت أهمية هذا الفيلم سوف يبقى فيلماَ عنصريا مخزياَ وذلك للتصوير البشع والغير أخلاقي والغير حقيقي للأميركيين الأفارقة, وتمجيده للرجل الأبيض وتحقيره للرجل الأسود وكأن الفيلم يريد أن يقول بأن الرجل الأسود الأمريكي مهما تغير ومهما مرت الأزمنة سيظل عبداَ عند الرجل الأبيض ولن يتعدى مقامة سيده .. هذه القصة العدوانية والدعائية هي الحلقة الأضعف بالفيلم, لولاها لأعتبر من قبل الجميع كواحد من أعظم الأفلام بتاريخ السينما ليس فقط بناءاَ على الناحية التقنية والسردية فقط وإنما من الناحية المضمونيّة أيضاَ. الفيلم دفع السود بأن يتحركوا وينتجوا فيلم "مولد عرق" وهو ردهم على فيلم غريفيث حيث صور الرجل الأسود بصورة إيجابية، وأيضا في سنة 1989 ظهر فيلم المخرج إدوارد زويك (المجد) الذي جسد الأمريكيين من أصل أفريقي بصورة أفضل وأرانا دورهم الهام في الحرب الأهلية.

قد يصعب على المشاهد بأن يتقبل الأفكار العنصرية المطروحة في "مولد أمة", إلا إن هذه النوعية من الأفلام تتطلب نظرة موضوعية لتقدير ماتقدمه من جمال وحنكه في صناعة الأفلام. السؤال هو هل أنصح الجميع بمشاهدته؟ .. لا, ولكن كل شخص يريد معرفة تاريخ الصنعة السينمائية عليه مشاهدته لأنه جزء هام وعلامة من علامات تاريخ الفن السابع.