Facebook
قراءة في فيلم «ابن بابل» لمحمد الدراجي
الكاتب: حميد حداد   
الإثنين, 12 كانون1/ديسمبر 2011 11:45

ebnbabl
منذ ان سقط النظام في بغداد عام 2003، بدأ الهم السينمائي ونداء النهوض بالسينما يتصاعد، وتجلى ذلك، في محاولات العديد من السينمائيين العراقيين، وعلى الاخص الشباب منهم لما يتوفرون على طاقة الاندفاع في تحقيق منجز يساهم في انشاء سينما عراقية حقيقية. وعلى الرغم من كل الصعاب التي تحول دون الاندفاع كثيرا في هذا المسعى الا ان البعض كان لديه من الاصرار ما يكفي لخوض التجربة الصعبة. ومن هؤلاء المخرج عدي رشيد الذي انجز فيلمه المهم ضمن مرحلته «غير صالح للعرض». وكذلك المخرج محمد الدراجي في فيلمه «احلام» وغيرهم العديد في المجال الوثائقي. وكرر عدي رشيد التجربة في فيلم «كرنتينة» وكذلك محمد الدراجي في فيلمه الجديد «ابن بابل» وكنا نعد انفسنا بالمزيد من الفرح لمشاهدة «ابن بابل» الذي انتظرناه بفارغ الصبر، بعد ان قرأنا وسمعنا الكثير عنه. وبعد ان خرجنا من مشاهدته رافقتنا العديد من الاسئلة وعلامات الاستفهام التي تثقل على الدراجي وفيلمه سنحاول هنا مناقشة بعضها.

يبدأ «ابن بابل» زمنيا، بعد سقوط النظام في بغداد بثلاثة اسابيع، بمشهد يضم سيدة كردية وحفيدها احمد على طريق وسط جبال كردستان العراق، محاولين ايجاد سيارة توصلهم الى مدينة الناصرية للبحث عن والد الطفل احمد «ابراهيم» المفقود منذ حرب تحرير الكويت عام 1991. وعندما يجدان من يوصلهما يطلب صاحب السيارة منهما مبلغا كبيرا لايصالهما الى بغداد وعليهما ان يتدبرا امرهما للوصول الى الناصرية. وفي بغداد تعترضهما مشكلة سرعان ما تزول وهما يحاولان الصعود الى حافلة متهالكة لتقلهما الى الناصرية. وعندما يصلان الى الناصرية للبحث في قوائم السجناء والمفقودين لم يعثرا على اثر لابراهيم، غير انهما يتعرفان الى شخص اسمه «موسى» يتكلم لغة كردية بسيطة لانه خدم في الجيش في كردستان وساهم في عمليات الابادة التي تعرض لها الاكراد ابان النظام السابق. وفي هذه الاثناء يسمعان عن اكتشاف مقابر جماعية في بابل فيتوجهان الى بابل للبحث في المقابر الجماعية عن ابراهيم دون جدوى. هذه هي فكرة الفيلم بأيجاز.

اذن يعتمد الفيلم فكرة السفر او الرحلة بأطار واقعي. واذا كان الحال كذلك، فمن المنطقي ان تتداخل مع خط القصة العام ما تصادف الابطال من قصص جانبية تؤثر في القصة الرئيسة. يقطع بطلا الفيلم مسافة تتجاوز 800 كيلو متر مارين بالعديد من المدن في بلد مليء بالاحداث ولكل مدينة لها احداثها المتميزة. ومعالجة واقعية لقصة قوامها الرحلة تتطلب اظهار بيئة وقوع القصة. وليس صحيحا ان يفترض صانع الفيلم عدم معرفة المشاهد بجغرافيا هذه البيئة التي يتناولها الفيلم. وانه من المنطقي ان يشير الى ما ينوء به مكان حدوث القصة من احداث في الزمن الذي يتحرك فيه ابطال الفيلم. فلتك تاثيرات مباشرة لابد للمخرج او صناع الفيلم من اخذها بنظر الاعتبار، ولا يمكن العبور عليها وتجاهلها، بطريقة كأن لا احد يعرف بما يحدث ففي تناول مثل هذا استخفاف بالمشاهد. بل ان اهمية اي خطاب فني يتناول مرحلة زمنية ما، يتطلب من مرسل ذلك الخطاب. الوعي بأهمية ما يريد وعليه البحث طويلا في زمان الحدث ومكانه. والا سيبدو الخطاب منقطعا عن جذوره، ومن السهل معرفة حجم التلفيق الذي اصابه. وللاسف فأن «ابن بابل» قد وقع في هذا المأزق.

وما شاهدناه هو عمل واقعي يهرب من واقعه الى الاستسهال والخفة. فضلا عن ذلك، فقد انفق المخرج الكثير من الجهد في التوفيق بين توقعات المنتجين وداعمي الفيلم منه، وهذا واضح من السيناريو المكتوب وفقا لتصورات بعيدة عن هموم المساهمة في بناء سينما متميزة. ما انعكس سلبا على مصداقية الفيلم.

ولو اردنا تجاوز العديد من المشاكل التي وقع فيها سيناريو الفيلم التي ربما لا ينتبه لها المشاهد غير العراقي. لا يمكننا تجاوز المشاكل الفنية التي وقع فيها المخرج محمد الدراجي. فمشكلة الفيلم الاساسية تكمن في فهم الدراجي للمعالجة السينمائية، فكل ما كان يفكر فيه الدراجي، هو ان يوصل ابطاله الى النهاية التي ارادها وقد نجح في ذلك مقارنة مع تجربته الاولى في فيلم احلام، التي شاهدنا تخبطه فيها. غير ان الدراجي في مقابل نجاحه هذا خسر العديد من جماليات السينما التي كانت في متناوله، خصوصا في مشاهد كان يمكن ان تكون رائعة لو انه استثمرها وراهن عليها واعطاها قوة التعبير التي كان الفيلم بأمس الحاجة لها وسط ركام المشاهد التي تستدر مشاعر المشاهد حد الاستجداء. احد هذه المشاهد، عندما تجلس الجدة مع حفيدها على جسر الناصرية العائم وتغرف من ماء الفرات بيدها لتغسل وجه حفيدها، استعدادا للقاء ابنها ابراهيم والد الطفل احمد. ففي هذا المشهد قوة تعبيرية ورمزية هائلة، غير ان محمد الدراجي نفذه بطريقة عادية، اذ جعل الصبي يغسل وجه جدته ايضا مما افقد المشهد قوة التعبير لانه سحب المشاهد الى مساحة مفرغة من اي حمولة رمزية. في الوقت الذي يفترض ان يمثل الطفل المستقبل النقي بانتمائه الى الارض ومياه الفرات الجارية تحته. فجاء التعبير عكس ما يريد المخرج ومثل ارتدادا الى الماضي، الذي سينساه الدراجي لاحقا عندما تموت الجدة في نهاية الفيلم، وبهذا يكون الدراجي قد ناقض نفسه في الفيلم وهو ما يفصح عن تخبط ما زال الدراجي يعاني منه.

والمشهد الاخر الذي كان يمكن ان يمنح الفيلم قوة، ايضا، لما توفر من جمالية رائعة وكان فرصة للابتعاد قليلا عن العويل المتواصل في المقابر الجماعية التي استغرقت من الفيلم زمنا طويلا تجاوز المعقول وحدود التعبير الفنية. ذلك المشهد الذي طغى عليه اللونان الابيض والاسود، بياض تلال الرمل حول المقبرة التي ترتقيها النساء بالعباءات السود. فقد افسده الدراجي، بتتابع اللقطات غير المؤثر، وكان بالامكان صياغة المشهد بأعادة ترتيب اللقطات واضافة لقطة كبيرة للنسوة وهن يقفن على ذروة التلة ينظرن بأسى الى الاسفل بزمن طويل نسبيا، لترك المشاهد يتشبع بصريا بجمالية اللقطة المعبرة جدا، مع لقطات قريبة لوجوه النسوة. وبذلك يوصل ما يريده دون اللجوء الى الدوران في المقبرة والعويل الطويل دون هدف سوى ابتزاز مشاعر المشاهد، بمشاهد طويلة ثقيلة استغرقت اكثر من ربع ساعة من زمن الفيلم دون حدوث تصاعد درامي. كما لا يمكن ان ننسى مشهد الطفل وهو يبحث بين الهياكل العظمية بحثا عن اثر لابيه، كان المشهد جارحا للمشاعر اذ كيف يمكن لطفل في الثانية عشرة من العمر، يمضي كل هذا الوقت في مقبرة جماعية ويستطيع ان يحتفظ ببراءته، خصوصا تلك اللقطة التي يقيس فيها حجم احد الجماجم مقارنا اياها بجمجمته عله يستدل الى جمجمة ابيه.انه سؤال اخلاقي كان على الدراجي ان يطرحه على نفسه، قبل ان ينفذ المشهد بالطريقة التي رأيناها.

اداء الممثلين

كان اداء الممثلين متباينا، وتباين اداء الممثلين عادة يؤكد قوة اداء الممثل الجيد لا قدرة المخرج على ادارة الممثلين. فالجدة كانت تؤدي بشكل جميل طوال المشاهد التي كانت فيها صامتة وعندما بدأت تتكلم فسد اداؤها. بينما كان اداء الطفل احمد في تصاعد مستمر وكلما تقدمت المشاهد التي يظهر فيها كلما كان اداؤه افضل واكثر صدقا وتقمصا للدور. ما يؤكد موهبته. وتجدر الاشارة الى ان الجدة «شاه زاد» والطفل احمد «ياسر طالب» هما ممثلان غير محترفين. والممثل الذي قام بدور «موسى» «بشير الماجد» (لا ادري لماذا اسمه موسى ربما اشارة توراتية! ومن المعني بها!!) هو الممثل المحترف الوحيد بينما كان اداؤه جيدا فقط في اللقطات الصامتة اما في العموم فكان عاديا للغاية. ويبدو لي ان مشكلة اداء الممثلين تكمن في الحوارات غير المتماسكة، ولم تعط للصورة شحنة تعبيرية اضافية، فكانت عنصر كبح. وهو ما يفسر جودة اداء الممثلين في اللقطات الصامتة فقط، وحين يتحدثون تفسد المتعة البصرية، بسبب كثرة الصراخ، وهشاشة الحوار.

مرد كل مشاكل الفيلم الى المخرج محمد الدراجي، فهو يصر على انجاز الفيلم كله بنفسه من كتابة السيناريو الى الانتاج الى التصوير فضلا عن الاخراج، وربما فرض سطوته حتى على المونتاج لدرجة انه لم يترك معها اي هامش لمبدع شاركه العمل. ويبدو انه حاول التخلص من عملية الجمع بين كل الوظائف ولو شكليا، تحاشيا للنقد، كما هو الحال في فيلمه الاول احلام من خلال اشراك مصور معه وكاتبة سيناريو.

ثمة امران يحسبان للمخرج محمد الدراجي في فيلم «ابن بابل» الاول، هو جودة التصوير فقد توفر الفيلم على تصوير مميز، والتقاطات ذكية خصوصا اللقطات القريبة التي تظهر الجدة صامتة بينما الخلفية مضببة. والامر الاخر وهو سياق الفيلم فقد استطاع الدراجي ان يقود فيلمه من البداية الى النهاية كما وضعه في ذهنه. اي انه كان يعرف الى اين يمضي بأبطاله. وكل ما عدا ذلك لم يحز على اهتمام الدراجي.