Facebook
شهرزاد تقاضي السياسة
الكاتب: علي البزاز   
الأربعاء, 07 كانون1/ديسمبر 2011 20:01

shhrzad
فيلم"الليلة الثانية بعد الألف" للمخرج علي رفيق

الحكاية الشعبية تُخلّد الواقع الذي نشأت فيه، هي التاريخ والراوي للماضي، لاتخلو من تأثير السياسة على ديمومتها. هي، لغة تعبيرية لتقريع الظلم او للتزوّد بالعبرة التاريخية، عمرها هو عمق الذاكرة الاجتماعية.

في الفيلم القصير، "الليلة الثانية بعدالألف" للمخرج العراقي علي رفيق تخرج حكاية أبي القاسم الطنبوري من مكان التراث لتقاضي نظام صدام حسين (صوّر الفيلم في الأتحاد السوفيتي عام 1982). يروي الفيلم معاناة أبي القاسم الطنبوري، من حكايات" ألف ليلة وليلة"، مع حذائة الذي يسبّب له النحس، لكن هذه المرّة تُستعمل هذه القصّة لإدانة حكم البعث. يلوي الفيلم زمن الحكاية فيصبح زمناً معاصراً. وهكذا، تُصوّر متاعبُ أبي القاسم الطنبوري الشخصية، مأساة الشعب العراقي. فعندما يسقط حذاوه في أثناء تظاهرات مناهضة للنظام البعثي، على منصّة الرئيس، يُعتقل أبي القاسم بتهمة التآمر على أمن الوطن وهو لم يشارك بالتظاهرات شخصياً، ولكن، يُعثر على حذائه المشهور فيزجّ به في السجن ثم يطلق سراحة.

يتسلّم حاجياته مع الحذاء الذي جلب له النكد طوال حياته، عندئذ، يصرخ لا، ثم يموت. تُرسل جثة أبي القاسم إلى المقبرة بينما يذهب حذاؤه إلى محل عمله كي يكمل دورة النحس على حياة صاحبه. تتوقف شهرزاد عن الكلام المباح صباحاً ،فتتجه الكاميرا مباشرة إلى مؤذن يدعو للصلاة في مشهد نهاية الفيلم . موضوعان تعرّض لهما الفيلم بشكل متوازٍ، يسندان بعضهما بعضاً في سير الأحداث. الأول، إستعمال الحكاية الشعبية التراثية لمحاسبة نظام سياسيّ دكتاتوريّ، والثاني، ارتباط الدين بالسياسة. تسكتُ شهرزاد عن الكلام المباح إذ لايسمح لها الملك المتسلّط شهريار بالحديث عند طلوع الفجر، وهو فعل حكم لا خيار فيه، يستمدُ قوته من جبروت المَلك، ثم في الآن ذاته، يبدأ الآذان، وهو كناية عن التصريح والسماح للناس بمزاولة طقوس الصلاة وكأن الفيلم يقول، إنّ سلطة شهريار تكمّل نفسها بالآذان، الذي هو فعل أمر آخر يمنح إجازة الشعائر في وقت محدّد، يشبه من حيث الفرض، فعل النهي عن الكلام من قبل الملك شهريار، فتبدأ سلطة الدين من حيث تنتهي سلطة النظام السياسي. إنّهما متناغمتان أذن، وليستا متضادتين، والأنكى، تتماهيان أحياناً، وتصبحان سلطة واحدة .

تكمن خطورة المفاهيم والمعتقدات عند التصميم على جعلها سلطة مطلقة، عندئذ ستكتسب هذه المفاهيم شخصية السلطة، من حيث مبررات الوجود وأسلوب الحكم، فارضة الخضوع والطاعة لها. لكل سلطة رغبة في التملك والديمومة تسعى للبقاء حتى ولوسلكت نظام الإنتخاب. سوف تمارس هذه المعتقدات بدورها نظام وراثة الطّاعة والخضوع، متسلحة بالمطلق نتيجة إحتكاكها بالسلطة. يقول سان جوست: " ليس يمكن ممارسة السلطة ببراءة. إن جنونها لبيّن. وكل مُلك إن هو إلاّ عصيان واغتصاب". كل سلطة وإن كانت دستورية لابد أن تعلن الإملاء والقهرمن خلال سنّ قوانين تُلائم مصالحها وحاجات بقائها. فليس هناك تقشف روحي في السلطة، وبالتالي يبتعد القانون عن النوايا الحسنة أيضاً، فكل شي متّصل بالسلطة بما فيه الحقيقة، هو منحاز اليها. يقول نيتشه: " إنّ منهج الحقيقة، لم يوضع بدافع الحقيقة، وإنّما من أجل القوة والهيمنة". إذا أردنا جعل الدين في جوهر الطهرانية فلابد من فصله عن السلطة، ما كتبه نوفاليس عن الفلسفة ينطبق على الدين: " الفلسفة هي بالخصوص حنين، دافع داخلي يدفع المرء ليكون في مسكنه أينما كان". يلاحظ في المجتمعات ذات الأنظمة الشمولية ومنها عالمنا العربي إستعمال السياسة للدين كمبرر للحكم أو الشرعية، في حين ينفصل الدين عن السياسة في المجتمعات الأوربية، ويبقى ممارسة روحيّة بين المؤمن وخالقه لاغير.

تستمد الشرعية من قانون الدولة ومؤسسات المجتمع المدني خلافاً للأنظمة الشمولية، حيث الدين هو قانون الدولة. تمّ بناء تسلسل الأحداث في الفيلم بصورة سلِسة ومفهومة لغير المشاهد العربي الذي يجهل قصة أبي القاسم الطنبوري، من محاولاته الفاشلة للتخلص من حذائه إلى المشاكل التي يسببّها له، يُسجن مرّة بتهمة السرقة التي قام بها أحد الّلصوص تاركاًالحذاء خلفه، إلى اعتقاله متورطاً بالتآمر على قلب نظام الحكم. توظيف ساخر لحذاء الطنبوري، يتعرّض إلى نظام البعث الذي لاينجو حتى الحذاء من بطشه فكيف بالمواطن المسالم !!. إعادة بناء الحكاية الشعبية وتوجيه رموزها إلى الحاضر، هي فعل سينمائيّ متميز في الفيلم"الليلة الثانية بعد الالف"، لاسيما أنّه موجه إلى الجمهور السوفيتي في تلك الحقبة، وبنقده لنظام البعث بهذه السخرية، يتفرد بشجاعة خفيّة غير معلنة بإدانة النظام السوفيتي الذي ارتبط بعلاقة صداقة ودعم نظام البعث، كما ينجح بتمرير نقده السياسي لكلا النظاميَن من خلال الرمز في الحكاية الشعبية.

تُعبّر السياسة المرتبطة بالدين عن علاقة إنتماء نفعية تبادلية، ممدوحة من كليهما، هما موضوعان شائكان وأكبر من أن يسعهما فيلم قصير (20 دقيقة من إنتاج معهد السينما في كييف)، ومع ذلك فالمخرج علي رفيق وبحرفيّة جيّدة، يتمكن من السيطرة على مادة الفيلم (واكب المخرج تطوّر الحركة المسرحية العراقية منذ الستينيات وعمل مع رموزها)، وبلغة سينمائية رمزية وشفافة تتناول بطش السياسة أساسها الحكاية الشعبية المبنيّة بشكل درامي متسلسل. أمّا موضوع الدين الساخن فتمّ تقديمه بشكل تلقائي، معتمداً على الآذان الذي تكّرر ثلات مرات. وعلى الرغم من تلقائية حضور رمزية الجامع لكنها، ظلت مترابطة زمنياً مع سير الحكاية الشعبية. حيث يظهر ابو القاسم في الفيلم وهو يصلي مستقبلا ًالجامع، للدلالة على مصير الدين في حياته، ثم يموت صاحب الحكاية بينما ينطلق الآذان ويستمر حيّاً في حياة ملايين البشر. مّا يعزّز فكرة سيطرة واستمرار تأثير الدين في عالمنا العربي . إنّ استعمال الآذان كظاهرة صوتية، وليس الجامع كبناية، مرادف لسيطرة الدين على مصير المجتمع، له من الدلالة الفكريّة والفلسفيّة معانٍ كثيرة: إذ، يُطلق الآذان من المنارة المرتفعة وكل ماهو فيها، عالٍ ومسيطًّر، الآذان، هو صوت وله خاصيّة الإنتشار والوصول إلى مسافات بعيدة، إيذاناُ لفعل الصلاة، وقد ربط الفيلم بين سكوت شهرزاد عن الروي مع إنطلاق الآذان، الذي هو كلام. يجد سكوت شهرزاد كلاماً له في سيرورة الآذان بصورة أشمل، لأن الملك شهريار، هو المستمع الوحيد لحكايات شهرزاد، بينما يسمع الآذان جمهور واسع .

الُملزم بالسكوت سواء حاكماً أم محكوماً، يعثر على حريته في الدين، فحين يفرض شهريار الصمت، يُلزم نفسه به أيضاً، فلا يسمع حكايات شهرزاد. يحرّر الآذان الملك من فقدان السلطة، اذ يخسرها مع شهرزاد حالما تتوقف عن الكلام، فتعود زوجة وليست راوية حكايات تحت التهديد تنفيذاً لأمره.

يحوّر الفيلم كل شيء في الحكاية الشعبية؛ زمنها وغايتها إلاّ المكان العراقي بتفاصيله الحميميّة يظل أصيلاً و قابلاً للفرجة، على الرغم من أن تصويرالفيلم في مدينتي كيف / اوكراينا وباكو في أذربيجان.

ثمة صعوبة بالغة في السينما، التعبير عن المكان بغياب ملامحه، قد تستعيض السينما الشعرية عن المكان بمفردات لاتشبهه لخلق حالة بانورامية مدهشة.

إختيار الممثلين من أصول روسية – شرقية، كذلك تصوير بعض المشاهد في مدينة أذربيجان ذات الملامح الشرقيّة، يشيعان الانسجام مع بيئة الدراما العراقية، مبتعداً عن أكسسوارات الأستوديو. جهد سينمائي مثابر بذله المخرج لإستعادة الحنين المفقود عاطفياً، وإعلاء شأن الوجود العراقي الغائب. حضور مقطوعة "شهرزاد" للموسيقار ريمسكي كورساكوف في الموسيقى التصويريّة، وبغض النظر عن وجود علاقة ظاهرية مع الأسم فقط، بيد أنّ الايقاع الغربي لم يجلب البيئة العراقيّة إلى طبيعتها، التى توخى الفيلم في جميع مراحله الإشارة اليها. لذا تبدو الموسيقى التصويرية غير منسجمة مع روحانية المكان. حضرت الكاميرا الروسيّة بحركتها، التي تستنطق التفاصيل متناغمة مع الحبكة وكأنها تتعايش مع البناء الدراميّ، أو هي حاضرة مثل ممثل.