Facebook
عدالة السلوك تقود إلى الفجيعة
الكاتب: علي البزاز   
الأربعاء, 07 كانون1/ديسمبر 2011 19:40

3lialbzaz
الفيلم الروائي القصير"المهد" للمخرج ليث عبد الأمير .. عدالة السلوك تقود إلى الفجيعة

يفتقر العالم إلى الفنانين الذين يتبنون عدالة القاضي فيرفعون سلوكهم إلى ذروة أعمالهم، زهد وتبتل في السلطة والجاه، فيجنون بذلك المصير المحتوم، الفاقة، النفي، وأحيانا القتل . مصائر على شفا الهاوية تفسر مآل حياتهم.

في الفيلم القصير "المهد" من إنتاج ستوديو "دوفنجكو / كييف" عام 1985، للمخرج العراقي ليث عبد الأمير عن مقتل الشاعر الأسبانيّ لوركا، يُطارد حفّار القبور الطفل لوركا ثم الشاب والشاعر، ملوّحاً له بالموت الذي سوف يجنيه، بسبب عدالة سلوكه التي فرضها عليه شعره عندما إختار الوقوف مع الجمهورية الأسبانيّة ضد الفاشية. قُتل الشاعر عام 1936 . ينتهي الفيلم برماة يصوبون بنادقهم ذات الحراب الطويلة إلى لوركا ثم تدوي طلقة، لم تستطع أن تلغي رفض الشاعر شروط عالم دمويّ لايُحتمل، ويقول " :انها الحرية، سامنحها نفسي". يكتب أنطونيو ماتشادو في رثائه: "إبتهل الرماة، ثم أغلقوا عيونهم وقالوا، الرب وحده سينقذك الأن، الماء سيبكي، لقد حدثتْ جريمة في غرناطة / غرناطته". في لوحة الفنان غويا "إعدام الشعب" تصطفُ البنادق بحرابها الطويلة لتقتل البشر الأبرياء، بندقية لم يُشبع البارود شهيتها إلى القتل فحسب، فأضيفت اليها حربة لتنجز الموت متضافرة مع شهوة الإنتقام عند البشر، فأيّ بندقية مجرمة صنعها انساننا المعاصر؟ في فيلم"المهد" مشهد تعبيري يُعري ويُهين وجود الإنسان محترف القتل والدمار: حينما يُقتل لوركا يأتي حصانه ليشربَ من جدول ماء، وحالما يختلط الماء بالدم ينفر الحصان ويشيح وجهه عن الساقية.

الإنسان يقتل والحيوان يرفض الدم!! يستمر الفيلم في بناء لغة سينمائيّة رمزية شفافة تستلهم رقتها من قصائد لوركا، والرمزية هي الطريقة التي تبناها المخرج ليث عبد الأمير في عمله هذا، فهو لم يفارق في أثناء التصوير كتاب "دفاتر السينما" للمخرج العبقري أزنيشتاين على حد تعبيره، والمشاهد يشعر بتأثيره عليه من خلال حشد الصور الرمزية في الفيلم. اللغة الرمزية هي ديدن السينما الروسية، فمثلاً فيلم"المرآة" للمخرج الفذّ تاركوفسكي يعبّر عن موضوعه بلغة رمزية، وبكاميرا ذات قدرة تخيليّة على إنتاج الصورة، تمّكن المشاهد متابعة الدراما دون الحاجة إلى معرفة اللغة الروسية لأن تاركوفسكي أرسى دعائم لغة سينمائية عَبر الصور والرمز مقتصداً قدر الإمكان بلغة الحوار. يبدأ فيلم"المهد" بحفّار القبور ينثر التراب بمعوله، ثم رماة وهدير طلقة، حفّار القبور لم يترك الشاعر في كل مراحل حياته وكأنه اللازمة تردّد أغنية الموت، فهو يحسم قتل لوركا بعد هذا المشهد الرمزي: نار تلتهم لوحة لعاشقيَن ويبرز وجه حفّار القبور من خلف النار. هو يتفق والنار على الإغتيال، كلاهما يعضد همّة الأخر. هناك إشتغال على موضوع الزمن الإيحائي، بعيداً من التراتبية في بناء الدراما، مقتل لوركا في بداية الفيلم، ثم طفولتة ( أجاد الممثل - الطفل الذي جسّد شخصية لوركا طفلاً، دوره بعناية، عبر ردود أفعاله المرتسمة على ملامحه ) ثم مرحلة الشباب، المفعمة شعراً، إذ يبدو لوركا يقرأ أشعاره، ثمّ العودة ثانية إلى مشهد البداية، رماة ومقتل لوركا. تُمهد لقطة الرماة على الجياد وهم في صفّ واحد، إلى بناء مشهد القتل، كما تتكرّرغير مرّة متزامنة مع الظهور المستمر لحفّار القبور وكأن مصير الشاعر مرهون بالرماة وأخيراً بحفّار القبور، صورة الموت.

يتوافر الفيلم على الكثير من المؤثرات السينمائية: قرع الطبول ينذر بوقوع جريمة القتل، متلبّساً صوت الرصاصة، نعيق الغراب( نذير شؤم في عالمنا العربي ) الصوت هو الذي يعلن عن القتل، أي الإحساس بالجريمة صوتياً. الدخان الذي يلف لوركا وهو يهرب في الحقول قبل مقتله، مختفياً بمصيره، الدخان له دلالة صوتية غير مسموعة، لكنها شاخصة في الهرب الذي هو حركة مسموعة، تتزامن مع صوت الطلقة، أي دخان مسموع من طريق صوت القتل. ثم الموت مسموعاً، يُضاف إلى ذلك، صوت جريان الماء بعد القتل مرادف الخصب، فالموت الجسدي لم يمنع حياة لوركا من العيش في ذاكرة الناس والشعر.

العناية بالمؤثرات الصوتية نتيجة تكميليّة لعالم الصورة الرمزي، بغية إنجاز فيلم بصري وهي حاجة حسيّة لايمكن الإستغناء عنها. الرمز في المهد ( حاز الفيلم الجائزة البرونزية في مهرجان دمشق الدولي عام1987 وجائزة النقّاد في كييف عام 1988 ) يشجّع الموسيقى التصويرية على أن تكون مرئية أو بمنزلة الصورة متعاونة مع القيثارة الأسبانية والطبيعة الجبلية موطن لوركا، على خلق وحدة بناء صوتية، تندمج بغناء أوبرالي روسي حزين وأحياناً جنائزي. هذا كله ينذر صوتيا بوقوع جريمة القتل. أغلب مشاهد الفيلم لقطات عامة، إذ تُصبح التضاريس إطاراً للحدث، وفي لقطات قريبة بحسب الإنفعال العاطفي للدراما. بدأ تراث الفيلم الشعري الروسي يتشكّل منذ فيلم "الأرض للمخرج دوفنجكو" الذي هو: " ثناء شعري على الطبيعة عبرمجموعة من المشاهد أو الصور كل منها تحمل أبعاداً فكرية وجمالية عميقة تتناغم لتثمر في النهاية قصيدة ملحمية رائعة. وهو يظل تحفة فنية في السينما الحديثة، متقدمة ثلاثين سنة عن زمنها" بتعبيرالناقد فوغل.

يبرز السؤال ذو الجدل الجمالي الذي لاينتهي حول السينما الشعرية وفي هذا الفيلم يصبح السؤال مزدوجاً، فيتضمّن موضوعاً آخر، هو سينما الشعر لأن قصائد الشاعر لوركا وحياته شكّلت المادة الأساسية فيه. يقول المخرج ليث عبد الأمير:" أنا أجد السينما في الشعر ولهذا، أقرأ الكثير من الشعر، وأشاهد القليل من الأفلام، فالشعر البصريّ يُديم حاجتي للصورة". للمخرج تاركوفسكي منظّر السينما الشعرية مفهوم فلسفي للشعر يضاهي من حيث عمقه مفاهيم الشعراء الكبار (كان والد تاركوفسكي شاعراً) يقول: "حين أتحدث عن الشعر، فأنني لا أنظر اليه كنوع أدبي، الشعر هو الوعي بالعالم، طريقة خاصّة للإتصال بالواقع، هكذا يُصبح الشعر فلسفة ترشد الإنسان طوال حياته، ويصبح الفنان خالقاً للجمال الخاصّ الذي ينتسب للشعر فقط، وقادراً أن يتبين خطوط التصميم الشعري للوجود، وتخطي قيود المنطق المتماسك، وكشف التعقيد العميق، وحقيقة الروابط غير المحسوسة، وظواهر الحياة الخفيّة"، كتاب"الجوهر الشعري للسينما"، ترجمة أمين صالح. إذاً، الشعر فنّ الإتصال بالسينما مسهلاً لها التعبير عن جمالياتها، فالشاعر البَصريّ هو مخرج أيضاً، وهناك قواسم مشتركة بين السينما والشعر على الصعيدين التقنيّ واللغويّ، فمثلاً، نقول: السينما الشعرية إستعانة بالشعر لتوصيف إتجاه سينمائي معين، ونتداول مفهوم شاعر بصري أو صورة، عندما نلجأ إلى السينما للتعبيرعن الشعر.

وفي السينما كما في الشعر تبرز اللغة بشكل عضوي وأساسيّ، فمن حيث المقارنة: نستعمل مفهوم لغة سينمائية، وفي الشعر، ثمة بناء لغوي. أمّا ما هو تقنيّ، فالقصيدة تخضع في النهاية إلى عملية مونتاج سينمائي، وما تعجز السينما عن إنتاجه بصريا، يستطيع شعر الصورة أبداعه. الحوار في السينما هو لغة أيضاً، وأحياناً يعتبر المحك الأساسي لتقييم السينما فإمّا أن يكون الفيلم مسموعا، نتيجة الإكثار منه والإقتصاد بالصورة، وبهذا يكون إذاعة أو فيلماً سينمائياُ يحفل بالصورة متحاشياً سيطرة الكلام. تقول سوزان سونتاغ في كتابها،" في التصوير الفوتوغرافي"، : " تُصبح الكلمات ملموسة تقريباً عندما تتخلّلها فترة صمت طويلة. هكذا نرى مخرجي الأفلام الدرامية والطليعيّة وسينما الحقيقة يحتفظون بفقرات صامتة في مشاهد الحوار أو المقابلات، وهي وسيلة مرسومة بفعالية أكثر بسبب تأقلمنا اللاواعي مع ضجيج الكلمة المتواصل في التلفزيون، الذي هو ربما من أكثر الوسائط الموجودة الآن تحريراً للغة وتعارضاً مع الشكل البصري". يقتفي فيلم"المهد" مميزات السينما الروسية، من كاميرا، موسيقى، ولغة بصريّة، متوكلاً على الرمزية وعلى طريقة إدارة الكاميرا متفاعلة مع الحدث والمشرفة على إنفعالاته المحتملة.

ثمة تصور فكريّ وحياتيّ عن السلوك الذي يجب أن يتبناه الفنان في علاقته مع فنّه، أيّ علاقته مع العالم، تلك، التي تتمحور، أحياناً حول السلطة وإمتيازاتها، إنّها موضوع أخلاقي وفنيّ، يحضر بإلحاح في عالمنا العربي لعدم استقلالية الفنان عن الدولة. أراد الحرس الفاشي للوركا صفة القتيل، ثمة خطأ في هذا التقدير، أعلنته الإمكانات الهائلة في الحياة بعد الموت، والتي حقّقها موت الشاعر، شهيداً لعدالة السلوك، وما القبر الذي يضمه الآن، إلاّ قصيدة تنطق بنزاهة وبشرف انسان ابديّ

الاتحاد