Facebook
تاريخ السينما الحربية
الكاتب: محمد الرفاعي   
السبت, 29 تشرين1/أكتوير 2011 00:19

cenma
الافلام الحربية هي احد انماط الافلام المختلفة والتي تهتم بالطابع الحربي سواء اكانت حروب تقوم على الارض او في الجو ، وفي بعض الاحيان يكون تركيزه على احد القضايا الحربية ، مثل اسرى الحرب ، العمليات العسكرية السرية ، التدريب العسكري وفي بعض الاحيان حتى تركز على الحياة اليومية للجنود او للمدنيين وقت الحرب دون التطرق لاي معركة بشكل ملحوظ . وقصص هذه الافلام قد تكون مستندة الى : رواية ، قصة تاريخية حقيقية ، سيرة احد الشخصيات العسكرية ، او قد يكون الفلم عبارة عن فلم وثائقي حربي ، ومعظم هذه الافلام يتم تضمينها قصة رومانسية لاضفاء بعض الاجواء الحيوية اليها .

وقد ظهر هذا النمط من الافلام لاول مرة منذ فجر السينما ، ومنذ ان بدات الافلام الصامتة ظهورها وبروزها بين الفنون المختلفة ، وقد قام المخرجون خلال هذه السنوات ببلورة مادة تاريخية لهذه الافلام اقتبسوها من التاريخ الامريكي بشكل رئيسي ، و امتدت من الحروب الفرنسية و الهندية الى حرب فييتنام والدول الاسيوية بشكل فرعي . وقد حازت الحربين العالميتين الاولى والثانية على اكبر حصة في السينما الحربية على مر التاريخ .

وهناك ايضا تعبير لا بد من ذكره الا وهو " افلام ضد الحرب " ، وهو تعبير يصف الافلام التي تعمل على اظهار التاثير السلبي للحروب على الناس مثل الرعب والالم و الدمار النفسي و الاجتماعي وحتى السياسي .

بداية الأفلام الحربية :

ان اول فلم حربي مسجل في التاريخ ، هو فلم من انتاج شركة " فيتا غراف " للانتاج ، مكون من بكرة واحدة وبطول 90 ثانية فقط ، ويدعى " انزال العلم الاسباني " والذي ظهر لاول مرة في العام 1898 . وقد عرض الفلم انزالا للجنود الامريكيين في هافانا ، والتي كانت محتلة من قبل الاسبان خلال الحرب الامريكية - الاسبانية ، ويقوم الجنود بالفلم بانزال العلم الاسباني و رفع العلم الامريكي بدلا منه .

وكان اول فلم عرض ضرورة الاستعداد والتحضير في الجيش ابان الحروب والمعارك مع الجانب الاوروبي ، والتي استخدمت بنفس الوقت الجانب الدعائي الحربي ، هو فلم " معركة البحث عن الحرية " عام 1915 من انتاج شركة فيتا غراف العالمية . وقد عرض الفلم فكرة ما يمكن ان يحدث في حال تمت مهاجمة الولايات المتحدة على ارضها والسيطرة عليها من قبل الجيوش الاوروبية . وفي العام 1918 ، كان الجانب الحربي البارز في الافلام هو غرق البارجة لوزيتانيا في العام 1915 بواسطة الغواصة الالمانية الشهيرة U-boat وادت الى مشاركة الولايات المتحدة في الحرب ، كما في فلم فيتا غراف الشهير " فوق القمة " عام 1918 ، وفلم الانميشن القصير " غرق لوزيتانيا " عام 1918 من اخراج وينسور ماكاي .

وقد كانت السينما الحربية في بدايتها تعاني من مشكلة ان المنتجين كانوا يحجمون عن الخوض فيها كونها تحتاج الى تكاليف باهظة جدا من اجل تحضير الاضافات والملابس والادوات ، خاصة تلك التي سوف تدخل في مشاهد الحرب الكبيرة . كما انهم لم يكونوا يتصوروا ابدا بان هذا النوع من الافلام سوف يدخل الى بوابة شباك التذاكر الامريكية في تلك الفترة ، خاصة مع المنافسة الشديدة من قبل الانماط السينمائية الاخرى . ولكن كل هذه الامور تغيرت تماما عندما قدم المخرج الكبير دايفيد غريفيث في العام 1915 فلمه الشهير " ولادة امة " ، والذي يعد من انجح واضخم الاعمال السينمائية في تلك الفترة ، ويشكل ايضا البداية الحقيقية للسينما العالمية . وتدور احداث الفلم حول تاثير الحرب الاهلية على عائلتين مختلفتين احداهما من الشمال و الاخرى من الجنوب ، كما احتوى الفلم على عرض وثائقي وبانورامي لمشاهد من هذه الحرب .

وكان من بين افلام هذه الفترة ايضا ، مجموعة من الافلام التي دافعت عن السلام وسعت الى تحقيقه ، كما في فلم " الحضارة " عام 1916 من اخراج ثوماس انك . ويعرض الفلم قصة خيالية حول ان المسيح ينزل الى الارض ويتجول فيها ويدعو الى السلام وليس الحرب . وفي العام 1916 ، قدم دايفيد غريفيث ثاني اهم فلم له ، الا وهو " التعصب " ، والذي يعرض التعامل اللا انساني بين الناس ، ويعرض ايضا التاثير المدمر والرعب الذي تخلفه الحرب .

الحرب العالمية الأولى :

في العام 1917 ، كان العالم على موعد مع دخول الولايات المتحدة للحرب العالمية الاولى ، وبالتالي فقد ادى ذلك الى تغيير الاتجاه السينمائي للسينما الحربية ، فلم تعد تنتج تلك الافلام التي تدعو للسلم بل قامت بتغيير كبير في قصتها وبنيتها ، ومن اوائل هذه الافلام فلم " هناك " عام 1917 من اخراج جورج كوهان ، وقد احتوى الفلم على الاغنية الحربية " امسك بندقيتك " والتي لا يزال الجنود يرددونها حتى اليوم . وقد كانت معظم هذه الافلام تشكل جانبا دعائيا ضخما للجيش الامريكي ، وجانبا مخيفا جدا للجيوش المعادية . بل وحتى ان الممثلين الامركيين بانفسهم كانوا يدعون الى تمويل الجيش والوقوف الى جانبه وتشجيعه على القتال .

وقد كان فلم المخرج دايفيد غريفيث " قلب العالم " عام 1918 ، المشجع والداعم الاكبر للولايات المتحدة في الصراع الاوروبي الذي خلق الحرب العالمية الاولى . وقد عرض الفلم تاثير الحرب على مجند عانى بشكل كبير من الوحشية الالمانية المتمثلة في شخصية ضابط عديم الرحمة . وفي العام 1918 ايضا ، قدمت شركة الانتاج الشهيرة " وورنر بروزرز " الضربة الحربية الاولى لها ، والمتمثلة في فلم يعرض القصة الحقيقية للسفير الامريكي في المانيا ، جيمس جيرارد ، خلال الفترة 1913 - 1917 ، وخلال ذلك يصور المخرج القساوة والوحشية والظلم الالماني الذي شهد عليه هذا السفير ، وسمي الفلم " سنواتي الاربع في المانيا " .

وفي العام 1918 ، انهت الهدنة العالمية الحرب الضخمة التي غيرت مجرى البشرية ، وقد ادى ذلك الى توقف ظهور الافلام الحربية بشكل كبير . ولكن هذه الحرب قدمت خدمة كبيرة جدا للسينما الهوليوودية بعد ان ادت الى تدمير معظم استديوهات الانتاج في اوروبا ، فاحتلت الافلام الامريكية ما نسبته 80% من الانتاج العالمي للافلام ، واصبحت تتحكم بالسينما العالمية ومصيرها . ومن ابرز الافلام التي ظهرت خلال هذه الفترة فلم " الايحاء " عام 1921، والذي قام بعرض قصة حب جعل من الحرب العالمية خلفية لها ، وكذلك فلم " امريكا " عام 1924 والذي خاض في قضايا الديموقراطية والحرية في الولايات المتحدة خلال الحرب وبعدها .

أفلام العشرينات والثلاثينات :

لقد اتجهت افلام هذه الفترة في معظمهما الى اظهار التاثير السلبي للحرب على الجنود و المدنيين . ومن ابرز هذه الافلام " الاستعراض الكبير " عام 1925 ، " ما ثمن النصر ؟ " عام 1926 . ومع ظهور عصر الافلام الناطقة برزت مجموعة اكبر من الافلام منها " كل شيء هادئ على الجبهة الغربية " عام 1930 ، " الطريق الى النصر " عام 1936 و " الوهم الكبير " عام 1937 ، و قد كان هدف هذه الافلام دراميا و حربيا بحتا ، بعكس بعض الافلام التي كانت تتطرق للحرب باسلوب كوميدي ناقد ، مثل فلم باستر كيتون " جنود امريكان " عام 1930 ، وفلم " نصف طلقة عند شروق الشمس " عام 1930 من بطولة الثنائي الكوميدي ويلر و وولسي ، و قد ظهرت ايضا في هذه الفترة افلام تتطرق لقصة محددة اثناء الحرب باختلاف موقع هذه القصة سواء في الولايات المتحدة ، الصين او بعض جزر الاطلسي ، مثل فلم " اخبر البحرية " عام 1926 ، " الرحلة " عام 1930 للمخرج فرانك كابرا و فلم " هبطت الطائرة " عام 1936 . اما الافلام الاخرى فقد ركزت على الدراما المتاصلة في بعض الاساليب التكنولوجية الجديدة والبطولة الفردية و المعارك الجوية مثل فلم " الاجنحة " عام 1927 وهو اول فلم في التاريخ يفوز بجائزة الاوسكار ، " ملائكة الجحيم " عام 1930 و "دورية الفجر " بنسختيه عام 1930 و عام 1938 .

أفلام الأربعينيات :

لعل اول افلام حربية بالمعنى الحقيقي كانت تلك التي ظهرت خلال الحرب العالمية الثانية ، وخاصة تلك التي كانت بتوقيع بريطاني و الماني ، وغالبا ما كانت هذه الافلام عبارة عن افلام وثائقية او نصف وثائقية . ومن هذه الافلام " للاسد اجنحة " عام 1939 و " هدف الليلة " عام 1941 من بريطانيا ، و " نصر في الجبهة الغربية " عام 1941 من المانيا .

وفي بريطانيا ايضا ، فقد حملت بداية الاربعينات مجموعة من الافلام التي مزجت بين تقنيات الطابع الوثائقي و القصص الخيالية لتخرج بافلام مثل " التي بها نخدم " عام 1942 ، " ملايين مثلنا " عام 1943 و " الطريق الى الامام " عام 1944 . وهناك افلام اخرى مزجت بين القصص الخيالية والاهداف الدعائية للدولة ، مثل " هل كان اليوم جيدا ؟ " عام 1942 و " التالي " عام 1943 .

في العام 1940 كانت هوليود على موعد مع تغيير في النمط الحربي من السينما ، حيث تم في هذا العام توقيع اتفاقية " التدريب الانتقائي والخدمة العسكرية " والذي يفرض على كل شاب امريكي دخول الخدمة العسكرية ، وقد كان لهذا الموضوع حصة كبيرة في افلام تلك الفترة فلم يكن اي أستوديو يخلو من فلم بهذه الفكرة . ومن بين هذه الافلام ظهرت افلام ( التابعة لشركة يونيفيرسال للانتاج ) الثنائي الكوميدي ابوتو و كوستيلو والذان عملا على الاعلاء من شان الكوميديا الحربية بعد ظهورها عام 1941 على يد الثلاثي الكوميدي الملقب بـ ( العملاء الثلاثة ) ، ومن اولى افلامهم في هذا العام كان فلم " المجند باك " ، فلم " في البحرية " ، وفلم " استمر بالطيران " . اما لشركة " باراماونت " للانتاج فكان فلم " امسك بالمسودة " للكوميدي بوب هوب ، وشركة " وورنر برازرز " للانتاج في فلم " انتم بالجيش الان " للثنائي فيل سيلفرز و جيمي ديورانتي ، و شركة " كولمبيا " للانتاج في فلم " لن تصبح ابدا غنيا " للكوميدي فريد استير و اخيرا شركة " فوكس " للانتاج في فلم " اسلحة كبيرة " للثنائي الشهير لوريل وهاردي . وكان لشركات الانتاج الاقل شهرة نصيب من هذه الافلام ، مثل شركة " ريبابليك بيكتشر " للانتاج في فلم " استعراض المجندين الجدد " للثنائي بوب كروسبي و ادي فوي الابن ، وايضا شركة " مونوغرام بيكتشر " للانتاج في فلم " الرقيب موليغان " للكوميدي نات بينديلتون .

وبعيدا عن الكوميديا الحربية ، فقد ظهرت في العام 1941 ايضا افلام تتحدث عن الجيش الامريكي و السلاح الحربي مثل فلم " صوت البوق " ، فلم " الك تيبة المظلمة " ، فلم " اريد اجنحة " و فلم " القنبلة العائمة " ، وفي هذا العام قدمت شركة " توينتي سينشري " للانتاج اخر فلم حربي قبل الحرب العالمية الثانية ويدعى " الى شواطئ طرابلس " عن سلاح البحرية الامريكية .

اما قبيل حادثة بيرل هاربر الشهيرة ، فقد ظهرت مجموعة من الافلام ابرزها " اعترافات جاسوس نازي " عام 1938 من انتاج شركة " وارنر برزرز " للانتاج وفلم " هتلر ، وحش برلين " في نفس العام ومن انتاج شركة " المنتجين المحدودة " والمتخصصة في انتاج الافلام منخفضة التكلفة . ولعل من اشهر الافلام في هذه الفترة هو فلم " الرقيب يورك " عام 1941 من بطولة غاري كوبر . وبعد ان دخلت الولايات المتحدة الحرب عام 1941 ، بدات هوليوود بانتاج كم اكبر من الافلام الحربية ، وقد كانت معظم هذه الافلام لها دور دعائي مسؤول عن اعلاء شان الولايات المتحدة وتشويه سمعة العدو . ولكن الى جانب هذا ، كانت افلام اخرى تعمل على ابراز الاعمال البطولية لحلفاء امريكا ، مثل " السيدة مينيفر " عام 1942 ، " حافة الظلام " عام 1943 ، " النجم القطبي " عام 1943 . وقبيل انتهاء الحرب اصبحت الكتب والروايات الشعبية هي المصدر الرئيسي لافلام حازت على شهرة وصيت اكبر ، مثل " مذكرات غوادالكانال " عام 1943 ، " ثلاثون ثانية على طوكيو " عام 1944 و " كانوا قابلين للاستهلاك " عام 1945 .

أفلام الخمسينات :

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، اخذت سينما الحرب بالتطور بشكل اكبر وباتجاهات مختلفة ، فبدات بطرح قضايا البطولة والتضحية وخدمة الوطن اضافة الى المغامرة والشجاعة ، وقد كان لبريطانيا دور مهم في هذه الافلام والتي كان العديد منها يستند الى قصة حقيقية مثل " محطموا السد " عام 1954 ، يمتد الى السماء " عام 1956 ، " دنكريك " عام 1958 و " قصة دوغلاس بادر و غرق البسمارك " عام 1960 . اما في هوليوود فقد اضافت لهذا ( وكعادتها ) تاثير الحرب على الجنود الذين عادوا الى بلادهم ، وقد شملت هذه الفكرة مجموعة راقية من الافلام مثل " افضل سنوات في حياتنا " عام 1946 ، " قرار القائد " عام 1948 ، " ساحة المعركة " عام 1949 ، " ارض الشجعان " عام 1949 و " كارتفاع الساعة الثانية عشرة " عام 1949 وقد عبر الفلم الاخير و فلم " قرار القائد " عن التاثير النفسي الذي يصيب القادة من جراء المسؤولية الملقاة عليهم .

اما هوليوود الخمسينات فقد كانت تمييل اكثر الى ابراز قصص الجنود البطولية والتضحية الشخصية في ساحة القتال متاثرة غالبا بالاعمال البريطانية ، ومن ابرز هذه الافلام " رمال ايو جيما " عام 1950 ، " قاعات مونتيزوما " عام 1950 و " نصر السادس من يونيو " عام 1956 . اضافة الى هذا فقد اتسمت معظم الافلام بوحدة الفكرة والبساطة ، ففي الغالب تكون قصتهم حول مجموعة من الرجال من اعراق مختلفة يجتمعون في ساحة القتال ، حيث يموت الشجاع فيهم و يصبح الجبان بطلا . وقد برزت في هذه الفترة شركة " توينتي سينشري " للانتاج بافلام عديدة طرحت قضية الحرب العالمية الثانية بافكار مختلفة وقد كانت جميع هذه الافلام تصور بالابيض والاسود مثل " الضفادع البشرية " ، " اذهب لتغدو فقيرا " ، " انت في البحرية الان " و " قرار قبل الفجر " .

ومن الجدير ذكره بان معظم الافلام الحربية الشهيرة قد تم انتاجها بعد فترة من انتهاء الحرب لانها في كثير من الاحيان كانت تستند الى الروايات الشعبية عن الحرب ومواضيعها وجوانبها وقصصها المختلفة ، وجودة هذه الافلام كان يعتمد على جودة تلك الرواية وتكامل اطرافها وقيمها . وقد قدمت هذه الافلام فائدة كبيرة للمجتمع الامريكي وغير الامريكي اذ انها غطت جميع جوانب الحرب ومتطلباتها وظروفها ، ومن هذه الافلام : " الاسود الصغيرة " عام 1958 ، " العاري والميت " عام 1958 ، " بكاء الحرب " عام 1955 ، " اركض بهدوء ، اركض كثيرا " عام 1958 ، " تمرد كاين " عام 1954 ، " بعيدا عن المراكب " عام 1956 ، " من هنا حتى الخلود " عام 1953 ، " الملوك يصعدون " عام 1958 و " اما قليلا او لا " عام 1959 .

وخلال فترة الخمسينات ظهر ايضا نمط افلام المهمات الكتائبية الخاصة ، مثل " الحصان الموهوب " عام 1952 و " كمين القمر " عام 1957 ، وقد شكلت هذه الافلام وغيرها وبقصتها الواقعية الهام لافلام بنفس الفكرة ولكن بقصص خيالية اكثر امتاع والتي استخدمت الخلفية الحربية لعرضها ، وقد ظهرت معظم هذه الافلام في فترة الستينات ، ومن هذه الافلام " اسلحة نافارون " عام 1961 ، " الفرقة القذرة " عام 1967 و " جرئة النسور " عام 1968 ، وبالمناسبة فقد كان لهذه الافلام الاخيرة منتجون وطاقم ودعم مادي امريكي الا انها كانت تصور في بريطانيا .

الحرب الكورية :

خلال فترة الخمسينات ، لعبت الحرب الكورية التي اندلعت في شمال شرق اسيا ، دورا مهما في الهام المخرجين لتقديم المزيد من الافكار ، ولكن افلام هذه الحرب لم تاخذ سوى حيز صغير جدا مقارنة مع غيرها من الحروب . وكان من بين هذه الافلام فلمين فقط عارضا هذه الحرب من خلال اظهار جنونها ودمارها وتاثيرها السلبي على الجانبين . وهذه الافلام هي " الحراب الثابتة " عام 1951 و " الخوذة الفولاذية " في نفس العام . ولعل ابرز فلم طرح قضية الحرب هو فلم " عودة الجحيم " عام 1952 من اخراج جوزيف لويس ، وقد عرض الفلم حادثة الانسحاب الجزئي لسلاح البحرية الامريكي من خزانات تشانغجين في كوريا . وفي العام 1954 ، قدم المخرج مارك روبسون فلمه " جسور توكو ري " المستند على رواية للكاتب جيمس ميكينر ، والتي تتحدث عن قصة ملازم ورب عائلة اوكلت اليه مهمة قيادة طاقم من الطائرات من اجل قصف عدد من الجسور في كوريا . اما في العام 1959 ، فقد قدم المخرج الكبير لويس ميليستون فلمه الرائع " تلة بورك شوب " من بطولة الممثل الحربي المخضرم غريغوري بيك بدور ملازم كان عليه قيادة كتيبة من اجل السيطرة على تلة محمية من قبل الجيشين الكوري والصيني قبل نهاية الحرب بقليل . وبعد انتهاء الحرب ظهرت بعض الافلام الاخرى التي تعبر عنها باشكال مختلفة ، كفلم " المرشح مانكوريان " عام 1962 من اخراج جون فرانكينهيمر والذي عرض فيه نتائج الحرب الكورية التي ادت الى تغيير كبير في شخصية ونفسية المقاتلين ، وذلك من خلال طرح لقصة الجندي رايموند شو والذي برمجته الحرب ليكون قاتلا . وفلم " ماش " عام 1970 ، والذي اعتبر من اشهر افلام الحرب الكورية ، وقد عرض الفلم قصة مجموعة من الاطباء والممرضين الذي يعملون في مستشفى متنقل يدعى " ماش " في جبهة الحرب الكورية . واخيرا وليس اخرا ، فلم " ماك ارثر " عام 1977 من اخراج جوزيف سيرجنت ، ومن بطولة غريغوري بيك ، وهنا عرض المخرج قصة عن احد الضباط والذي يتم طرده بسبب مخالفة لاوامر الرئيس ترومان خلال الحرب .

أفلام أسرى الحرب :

من اكثر انواع السينما الحربية شهرة في فترة الخمسينات والستينات هو نمط " اسرى الحرب " . بدا ظهور هذا النمط في بريطانيا وتضمن قصص واقعية عن هروب جنود من سجون اسرى الحرب خاصة في المانيا النازية ، ومن هذه الافلام " الحصان الخشبي " عام 1950 ، " البرت ار. ان. " عام 1953 و " قصة كولديتز " عام 1955 . وقد سارت هوليوود على خطى بريطانيا وقدمت افلام من نفس النوع ابرزها " الهروب الكبير " عام 1963 و " ستالاغ 17 " عام 1953 . ومن هذه الافلام ايضا مجموعة كانت تستند على قصص خيالية وليست واقعية مثل " القلب الاسير " عام 1947 ، " جسر على نهر كواي " عام 1957 ، " الملك الفار " عام 1965 ، " في قلب الخطر " عام 1958 و " الحرب السرية لهاري فريغ " عام 1968 . وفي هذا الجانب ايضا فقد تم صنع بعض الافلام - خاصة في بريطانيا - تتحدث عن اسرى نازيين هربوا من سجون الحلفاء مثل " الرجل الذي هرب " عام 1957 والذي يتحدث عن الهروب الشهير للاسير فرانز فون ويرا .

يمكننا ان نرى مما سبق بان فترة الخمسينات والستينات جلبت كمية لا باس بها من الافلام الحربية الرائعة ، ولكن ما لايعرفه البعض بان كثيرا من هذه الافلام كانت تذهب في انتاجها الى اوروبا من مختلف الدول مثل روسيا والولايات المتحدة واسيا وغيرها وذلك لان الاضافات والاجرائات السينمائية كانت اقل تكلفة منها في تلك الدول ومن هذه الافلام " طفولة ايفان " عام 1962 ، " لورانس العرب " عام 1962 ، " انزيو " عام 1968 ، " معركة النتوء " عام 1965 ، " معركة بريطانيا " عام 1969 ، وغيرها من الافلام ذات القصص المختلفة علما بان هذا الامر قد بدا على يد داريل زانوك في فلمه " اليوم الاطول " عام 1962 . وقد استمر حتى في السبعينات في افلام مثل " ووترلو " عام 1970 ، " تورا تورا تورا " عام 1970 ، " منتصف الطريق " عام 1976 و " الجسر البعيد " عام 1977 .

أفلام الحرب الفيتنامية :

لم تكن هذه الحرب بالنسبة للامركيين اقل اهمية من سابقتيها ، وبذلك فقد كان لها نصيب مهم من السينما الحربية ، وفي بداية هذه الحرب ظهرت مجموعة من الافلام حولها مثل " نار الحرب " عام 1961 ، " امريكي في فييتنام " عام 1964 و " الى شواطئ الجحيم " عام 1966 ، ولكن بالرغم من ذلك فقد احجمت شركات الانتاج الكبرى عن انتاج افلام لها علاقة بهذه الحرب باستثناء فلم جون باين " القلنسوات الخضراء " عام 1968 . وبعد هذا الفلم لم تخرج الى الساحة اية افلام عن هذه الحرب حتى العام 1970 حين ظهر الفلم الفلبيني " الخاسرون " ويمكننا القول بانه كان اخر فلم انتج خلال الحرب .

بعد انتهاء حرب فييتنام في السبعينيات ، بدات سينما الحرب بالتعبير عن تاثير هذه الحرب على الشعب الامريكي و عن اظهار رفضهم لمثل هذه الحروب التي لا تجلب سوى والرعب و الخراب والدمار المادي والنفسي ، وطبعا هنا نحن لا نقول بانه لم يكن هنالك افلام كهذه قبل الحرب لان هذا ليس صحيحا فقد ظهرت مثل هذه الافلام ولكنها كانت قليلة جدا ومن ابرزها فلم " طريق النصر " عام 1957 . وحتى في السنين التي تلت الحرب تابعت سينما هوليوود انتاج الافلام التي اما تنتقد دخول امريكا بالحرب ، او تظهر الجرائم التي ارتكبتها في فييتنام وتاثير الحياة هناك على الجنود العائدين و تركز على حياتهم بعد الحرب . وقد تضمنت هذه الفترة مجموعة من الافلام والتي استحوذت على انتباه العالم اجمع ونالت العديد من الجوائز العالمية ، ومن هذه الافلام : " سائق التكسي " عام 1976 وهو من اخراج مارتن سكورسيزي وقد ترشح لاربع جوائز اوسكار ، " العودة للوطن " عام 1978 وهو من اخراج هال اشبي وقد فاز بثلاث جوائز اوسكار ، " صائد الغزلان " عام 1978 وهو من اخراج مايكل سيمينو وقد فاز بخمس جوائز اوسكار ، " القيامة الان " عام 1979 وهو من اخراج فرانسيس فورد كوبولا وقد فاز بجائزتي اوسكار ، " السترة الواقية " عام 1987 وهو من اخراج ستانلي كوبريك كوبريك ، وفلم " اصابات الحرب " عام 1989 وهو من اخراج براين دي بالما ، هذا بالاضافة الى ثلاثية اوليفر ستون الرائعة : " بلاتون " عام 1986 والذي فاز بجائزة الاوسكارلافضل فلم ، " مولود في الرابع من يوليو " عام 1989 والذي فاز بجائزتي اوسكار و " الارض والسماء " عام 1993 .

كوميديا الحرب الفيتنامية

وللتخفيف من حدة الحرب والسخرية منها ، قدمت هوليوود مجموعة من الافلام التي نظرت الى الحرب الفييتنامية بنظرة كوميدية تقريبا ، كما في فلم " صباح الخير ، فييتنام " عام 1987 والذي يعرض قصة ادريان كرونر ، والذي عمل مقدما في برنامج صباحي ساخر في فييتنام ، وقد صنع ادريان لنفسه شعبية كبيرة جدا في الوسطين الامريكي والفييتنامي بسبب شخصيته المرحة . و فلم " طلقات ساخنة " في العام 1993 والذي قدم كوميديا سوداء ساخرة على شاكلة افلام شهيرة جدا كبلاتون و القيامة الان و صائد الغزلان و غيرها . وايضا فلم " فورست غامب " عام 1994 والذي قدم للعالم التاريخ الاسود لامريكا خلال الستينات والسبعينات ، ومن بينها كانت الحرب الفييتنامية .

البطولات الحربية :

كانت تميل هوليوود دائما الى تعديل الاحداث الحربية كي تتلائم والنظرة التي تريد اخراجها على الجيش والحرب ، فكانت في الغالب تظهر الجندي الامريكي كبطل شجاع لا يهاب شيئا ، بل ويضحي بنفسه من اجل غيره . ومن هذه الافلام فلم " النسر الحديدي " عام 1985 من اخراج سيدني فيوري ، وهو فلم حرب واثارة تدور قصته حول السعي من اجل انقاذ احد الرهائن . وفلم " توب غن " عام 1986 من بطولة توم كروز بدور طيار في البحرية الامريكية .

وكذلك فقد حمل عقد الثمانينات مجموعة من الافلام بقصص بطولية مختلفة ، كفلم " مغامرة غير شائعة " عام 1983 من بطولة جين هاكمان في دور عقيد سابق في الحرب ووالد فقد ابنه ، يحاول مع كتبيبة ولده السابقة التضحية من اجل انقاذ جندي اسير . وكذلك فلم " الحافة الصعبة " عام 1986 من اخراج كلينت ايستوود ، والذي يعرض قصة عريف في البحرية الامريكية يحاول تحويل الهزيمة الى نصر في جزيرة غرينادا في العام 1983 . واخيرا فلم " الفجر الاحمر " عام 1984 من اخراج جون ميليس حول قصة مجموعة من الطلاب الصغار والذين يضحون بانفسهم من اجل الوقوف في وجه الاعتداء الكوبي - الروسي المشترك على الولايات المتحدة .

واما في الجانب الواقعي ، فقد حمل فلم " الشيء الاحمر الكبير " عام 1980 قصة عريف جندي مشاة في الجيش الامريكية يكافحان من اجل البقاء في ظل رعب الحرب العالمية الثانية . كما قدم المخرج بيتر وير في العام 1981 فلمه " غاليبولي " ، والذي تدور احداثه في الحرب العالمية الاولى حول صديقين في الجيش الاسترالي يقعان في جبهة ضد الجيش التركي خلال موقعة غاليبولي الشهيرة عام 1915 . وفي العام 2001 ، قدم المخرج مايكل باي فلمه الشهير " بيرل هاربر " والذي تدور احداثه حول قصة حب تزامنت مع حادثة بيرل هاربر الشهيرة .

أفلام الحرب الأهلية :

لم تكن افلام الحرب الاهلية امرا معهودا في الفترات السابقة ، ولكنها في المقابل ظهرت بشكل واضح خلال عقد الثمانينات وما بعده . ففي العام 1989 ، قدم المخرج ادوارد زويك احد اشهر افلام الحرب الاهلية ، والمقتبسة عن قصة حقيقية ، الا وهو فلم " غلوري " ، والذي يروي قصة اول كتيبة مشاة من السود خلال الحرب الاهلية . كما قدم المخرج والكاتب السينمائي رونالد ماكسويل فلمه الملحمي " غاتيسبيرغ " عام 1993 ، والمقتبس عن رواية بعنوان " الملاك القاتل " للكاتب مايكل شارا ، وتدور احداث الفلم عن احدى اضخم معارك الحرب الاهلية ، والتي وقعت في العام 1863 . وفي العام 1999 ، قدم المخرج انغ لي فلمه الشهير " جولة مع الشيطان " ، والذي يروي قصة صديقين من الجنوب يقاتلان جنبا الى جنب في صراع من اجل البقاء خلال الحرب . ولكن الفلم الاضخم على الاطلاق كان فلم " الالهة والجنرالات " عام 2003 وهو من اخراج رونالد ماكسويل ايضا ، و هذا الفلم ، ومدته 4 ساعات كاملة ، مقتبس عن رواية بنفس العنوان للكاتب جيف شارا وهي تروي بشكل اساسي قصة الكولينيل جوشوا فريدريكبيرغ ، احد اشهر قادة الحرب الاهلية .

أفلام من العام 1998 :

في العام 1998 لوحده ، حملت ترشيحات الاوسكار لافضل فلم 3 افلام حربية ، وبالرغم من ان ايا منها لم يفز بالجائزة ، الا انها قد نالت شهرة عالمية تفوق الوصف . واول هذه الافلام هو فلم " الخيط الاحمر الرفيع " وهو عبارة عن اعادة طرح لفلم بنفس العنوان انتج عام 1964 ، وقد اقتبست قصة الفلم عن رواية بنفس العنوان ايضا للكاتب جيمس جونز . ثم فلم " انقاذ المجند رايان " من اخراج المبدع ستيفن سبيلبيرغ ، وقد عرض الفلم قصة كتيبة تحاول الذهاب الى جبهة الحرب العالمية الثانية واعادة جندي قتل جمبع اخوته خلال الحرب . واخيرا كان الفلم الايطالي " الحياة جميلة " ، والذي قدم قصة عائلة يهودية تفككت اوصالها في ظل الحرب مع النازيين .

صراعات مختلفة على الشاشة الكبيرة :

في العام 1996 ، ظهر فلم " تحت الجبهة " والذي صور ولاول مرة حرب الخليج الاولى ، والتي حدثت في العام 1991 . ثم في العام 1999 ، قدم المخرج دايفيد راسل فلم " الملوك الثلاثة " والذي قام ايضا بتصوير قصة تقع خلفيها خلال الحرب نفسها . ثم قدم المخرج جاكواس انود فلمه الكبير " العدو على الابواب " عام 2001 ، والذي عاد بنا الى الفترة 1942 - 1943 ، حيث معركة ستالينغراد الشهيرة والتي قلبت موازين الحرب العالمية الثانية . وفي نفس العام ايضا ، قدم المخرج جون مور فلم " خلف خطوط العدو " ، والذي والذي وضع في خلفية الصراع بين البوسنة والبلقان . اما فلم " بلاك هاوك داون " عام 2001 ، فقد طرح الصراع بين الجيش الامريكي والجبهات التحررية ابان الصراع مع الصومال في العام 1993 .

اما خلال حرب بالخليج الثانية ، فقد بات واضحا للجميع بان الشعب الامريكي لم يعد معجبا بالافلام الحربية ، او بالتحديد الافلام السياسية المنتقدة للحرب ، كما كان سابقا ، وقد فشل كثير من هذه الافلام في شبك التذاكر فشلا مروعا . فمثلا ، فلم " القلنسوة " عام 2007 ، والذي يروي قصة عن الانسانية المفقودة لدى سجون الاحتلال الامريكية ، لم يحقق سوى 10 ملايين دولار كعائدات شباك التذاكر . وكذلك فلم " وادي ايلا " في نفس العام ، والذي يعارض الحرب على العراق بشكل واضح ، حقق ما يقارب 7 مليون دولار فقط . وايضا فلم " اسود من اجل نعاج " في نفس العام كذلك ، والذي ينتقد سياسة الرئيس بوش التي ادخلت البلاد الى حرب فاشلة ، حقق ارباح متدنية جدا كسابقيه . وليس هذا فقط ، بل وفي نفس العام ايضا خرج الى النور فلمين اخرين لم يجدا طريق النجاح ، وهما فلم " المملكة " من اخراج بيتر بيرغ ، وفلم " لا نرى اية نهاية " من اخراج تشارلز فيرغاسون . بالرغم من ان جميع الافلام السابقة حلت طاقما من كبار الممثلين المشهورين امثال توم كروز ، روبرت ريدفورد ، توم لي جونز ، وغيرهم العديد .

وبهذا نكون قد انهينا تاريخا كاملا من الصراعات والحروب التي دمرت بشرية باكملها ، ولكنها في المقابل الهمت ملايين الناس وغيرتهم الى الافضل من خلال بلورتها وعرضها على الشاشة الكبيرة ...

ان السينما أعزائي سيف ذو حدين ، فهي تتحكم بعقول الناس والامة وتوجهها وقد تغير معتقداتها كاملة ، فان وظفها المخرج في امر فيه خير كانت من اهم اسس نهضة المجتمع وقيامه ، وان وظفها في امر فيه شر ، فانها وبالتاكيد ستكون من اهم عوامل دمار الامم والشعوب ... فلنسعى دائما لاختيار الافضل لنا ولمن حولنا ، فلعلنا نكون سببا في تغييرهم نحو الافضل ...