Facebook
فن الاستماع والمشاهده-قاسم حول
الكاتب: قاسم حول   
الجمعة, 01 نيسان/أبريل 2011 10:36
قاسم حول

بسم الله الرحمن الرحيم ( وإذا قرئ القرآن فإستمعوا إليه وإنصتوا لعلكم ترحمون).

الإستماع وحده لا يعنى الإنصات. فقد يكون الإنسان منشغلا بالكتابة ويستمع إلى تلاوة من القرآن الكريم.

أما الإنصات فيعني ترك الإنشغال بما يشغل عن الإنصات، والتوجه كليا عبر الحس والعاطفة والعقل للإستماع لتلاوة القرآن الكريم وإستيعاب معانيه ومضامينه وعلومه.

ويقال عن الشخص الناجح هو الذي يجيد فن الإستماع. وتعبير فن الإستماع يعني الإنصات. والقادة الذين نجحوا في التأريخ هم الذين كانوا يجيدون فن الإستماع. والقادة الذين فشلوا هم الذين أكثروا من الخطب والتصريحات ولم يستمعوا لصوت الحق ورأي المواطن.

خلق الله الإنسان بأذنين ولسان واحد. لذا عليه أن يستمع أكثر مما يتحدث.

ومشاهدة الإنتاج المرئي وسمع الإنتاج المسموع في الثقافتين المرئية والمسموعة ينبغي أن تتسم بالإنصات هي الأخرى. ولذلك يأتي شكل العرض التلفزيوني غير مكتمل الشروط الموضوعية للفن لأنه يخل بمبدأ الإنصات حيث يشاهد التلفزيون وسط لغط العائلة والرد على المكالمات الهاتفية ولغط الأطفال ومشاكل الطبخ وطقوس الطعام، فيما يأتي شكل العرض السينمائي مختلفا في المشاهدة في حجم صالة العرض والمشاهدة الجماعية وإطفاء النور والمسافة بين الشاشة والمشاهد وحجم الشاشة قياسا بحجم الصالة وسقوط الضوء على الشاشة ما يريح العين خلافا للشاشة التلفزيونية التي تسقط ضوءها على العين .. يأتي شكل العرض السينمائي هذا لكي يتيح الإنصات في مشاهدة الفيلم السينمائي بكافة حواس الإنسان وعقله.

وفي البلدان المتقدمة تأتي مشاهدة المسرح والسينما والبالية بذات الطقوس حيث يغلق باب الصالة ويسود الصمت لإستيعاب صوت الموسيقى والإرتقاء بالمتلقي إلى عوالم الإنتعاش والإرتقاء بالحس الجمالي إلى أعلى قيمه، عندها يحقق المتلقي إنسانيته ويصبح عنصرا هادئا حكيما في المجتمع .. حينها تقل معدلات الصخب والعنف والجريمة في المجتمع كلما إتسعت طقوس المشاهدة الإنسانية السليمة للفن والثقافة حيث يكثر رواد المسرح والسينما والبالية التي تطور بالضرورة الثقافية المجتمع الإنساني.

لكن هذه الطقوس بدأت تتلاشى مع الوقت وهو أمر محزن حقا. وسبب تلاشي بعض الطقوس وخاصة في بعض صالات الدرجة الثانية والثالثة للمسارح والسينمات في الغرب يعود إلى التحولات السياسية والفوضى السياسية والجشع السياسي وإنتصار القوى اليمينية على قوى التحضر واليسار في تلك المجتمعات. صار المشاهدون الذين تدنت مستويات تعليمهم وتربيتهم يدخلون صالات العروض ومعهم علب المشروبات الغازية والكحولية ويتمتعون بعد أن يرتشفوها بالضغط على العلبة فتخرج أصواتا (طقطقات) مزعجة أثناء العرض وهم لا يكتفون بذلك بل يرمونها على أرض الصالة المتدرجة وتروح العلب تتقافز في الصالة وتعلو أصوات الضحك أو أصوات الإحتجاج.

لقد لمست ذلك على سبيل المثال في صالة سينما الكابتول في مدينة لايبزغ الألمانية حيث كنت أذهب في كل شهر نوفمبر من كل عام لأحضر مهرجان لايبزغ للأفلام الوثائقية وكنت أتمتع ليس فقط بمشاهدة الأفلام بل في شكل الصالة الجميل المزدهر باللوحات الفنية والإضاءة المريحة للنفس. عندما سقط جدار برلين وشعر اهالي الشطر الشرقي من ألمانيا بأنهم تحرروا من الشيوعية وسجنها الكبير تحولت صالة المهرجان إلى صالة من الدرجة الثانية والثالثة وتغيرت معالمها وتغيرت ديكوراتها الفنية لتصبح لوحات أولاد الشوارع وصارت علب المشروبات تتدحرج أثناء العروض. لم يدرك سكان الشطر الشرقي من ألمانيا معنى التحرر والحرية بل فهمت على أساس أنها العبث والفوضى والعدوانية وذلك متأت من الخلل الإجتماعي ذي الطابع القسري في المجتمع الإشتراكي.

طبيعة المجتمع ومستوى الوعي فيه والإستقرار يخلقان طقوس المشاهدة والإنصات والتطور والحس وفقدانهما يأتيان بالعبث اللاواعي والفوضى.

في عالمنا العربي أو الشرق أوسطي تنتشر مسارح التهريج التي تودي بقيم الكوميديا الراقية وتحولها إلى تفاهات وصراخ ويأتي المشاهدون لا يحملون فقط علب المشروبات الغازية والكحولية بل يحملون معهم أكياس البزر والمكسرات. ليس هذا فحسب، بل هم يقضمونها ويقذفون القشور في الهواء فتلتصق على رقاب المشاهدين الذين أمامهم.

هذا العلاقة التهريجية بين المنتج والمتلقي تسود اليوم عالم المسارح وصالات السينما في مجتمعاتنا الشرق الأوسطية حسب التعبير الجديد. ويلعب التلفزيون والفضائيات التي زاد عددها على خمسمائة فضائية دورا سلبيا في تربية المجتمع، وصارت الكوميديا مشاهد تهريج كثر مهرجوها وصاروا يقلدون بعضهم ويتنافسون في الصراخ والكريكتيرية المبالغ فيها فصار المخرجون يبحثون عن الممثل البدين والمصاب بالعاهة أو القزم المسكين وتنوعت أزياء المهرجين وطبيعة ملابسهم الممزوجة من التصميم الأفريقي فوق الدشداشة الخليجية وأمتزج (الكبوس) مع العقال وكثر المتلعثمون في الحديث والمتأتأون فيه حقيقة أو تمثيلا معتقدين بأنهم يحققون إستقطاب المشاهدين من خلال الضحك على المعوقين والبدينين والأقزام والمتأتئين، ويفرح مدير القناة بهذا التهريج الذي يحصل من خلاله على إعلانات الشركات التجارية. أما فن التراجيديا والذي إتسمت به الأفلام الهندية والذي يصل حد الفاجعة (الميلودراما) فإن المسلسلات العربية قد جعلت من الأفلام الهندية رحمة في الفاجعة الدرامية وتفوقت عليها بالأحداث القدرية والفواجع والبكائيات.

تدني هذا النوع من الإنتاجات الثقافية والتي تغرق بها الفضائيات وبشكل خاص (وهنا تكمن المهزلة) في شهر رمضان، وكأن شهر رمضان هو شهر التهريج والألفاظ البذيئة والبكائيات المفتعلة في فواجعها حيث يكافأ الصائم بعد الفطور بالإستراحة والتمتع بهذه الثقافات (المتدنية) في المستوى الفكري والفني الجمالي.

إن فن الكوميديا هو فن صعب وراقي جدا وقد تركت لنا السينما العالمية والمؤلفات المسرحية إرثا مدهشا في فن متعة الإبتسامة وجمالها والضحك الممتع وحتى المرير منه في الكوميديات السوداء بدءا من ضفادع صفوكلس وإنتهاءا ببخيل مولير ودب تشيخوف في المسرح الكوميدي وأفلام شابلن وباستر كيتون في السينما. كما قدمت لنا تراجيديات العالم الحديثة حكم الدهر وأحداثه بمعالجات درامية مدهشة في جمالها وإيصال الأفكار الواردة فيها إلى حس وعاطفة وعقل المتلقي بدءا من متذرعات أسخيلوس وإنتهاء بهاملت وماكبث وروميو وجوليت شكسبير. إن التدني في الأعمال الدرامية الكوميدية منها والتراجيدية بالصيغة التي تقدمها لنا الفضائيات الشرق أوسطية تنعكس بالضرورة العلمية السيكولوجية والفيزيائية على المجتمع المشاهد والذي بات أسير الفضائيات والركون للبيت بسبب الحالات الأمنية المتردية في الكثير من مناطق الشرق الأوسط فصار يتلقى ثقافة ليست سطحية التلقي فحسب بل رديئة المضامين والأشكال. أعمال درامية تفتقد للبناء المحكم وتعتمد الكلمة الرخيصة وحتى البذيئة يقدمها مشوهون ومعوقون وبأداء فج يحطم الأعصاب حقا.

التدني في المستوى يسري في جسد مجتمعاتنا مثل السرطان ويعم كافة فئات المجتمع وتصغر بالضرورة النخبة الواعية ويسري الجهل حتى نحو القصور الجمهورية التي تقود المجتمعات حيث صارت تتسم بالجهل يوم دعي أحد الرؤساء لمشاهدة بالية روميو وجوليت في موسكو قبل سنوات وكانت زوجته تصاحبه الحفل فنام السيد الرئيس بعض الوقت وكلما صحا من نومته عاد فغفا، وكانت زوجته تشاهد البالية لأول مرة فشاهدتهم يرقصون على أطراف أصابعهم وظنت السيدة الأولى أنهم يفعلون ذلك إحتراما لزوجها الرئيس لأنهم شاهدوه نائما في الصالة فصاروا يرقصون على أطراف أصابعهم كي لا يوقظوه.

والأكثر مهزلة في العالم بأن ذلك الرئيس دعي لمشاهدة باليه بحيرة البجع، فذهب إلى مقر إقامته ولبس مايو السباحة ظنا منه بأنه مدعو إلى بحيرة للسباحة وليس لمشاهدة باليه جايكوفسكي.

سينمائي عراقي مقيم في هولندا